مكانة الشعر في الفصل بين المفردات العاطفية وبناء منطق القصيدة

ضحى عبد الرؤوف المل

تعيش المفردة متشردة في ديوان الشاعر "محمد زينو شومان"، الصادر عن "دار الفارابي" تحت عنوان "فاصلة بين امرأتين"، لتتسامى الإنسانية مع إيقاعات السعادة المخلوقة من تفاصيل اجتماعية. هي فاصلة بين امرأتين أو بين ذنبين أو كفين أو سحابتين أو راحتين. وهذا يعني أن التعبير الإنساني ثنائي المعنى والخلق بين قافية وإيقاع أو بين نثر وانعكاس لامرأة ورجل، ولفن وذهن، وما الفاصلة إلا تخطي للواقع وفق إمكانيات الخيال التي تضئ الوعي والحدس بين الزمان والمكان، للكشف عن تطور فن الشعر المتشرد والمتسامي في قصائد تنقلنا بين زمانين ومكانين إلى كوخ الغد الذي غادره "محمد زينو شومان" إلى المرعى وإلى الفردوس الرغيد، حيث لغة الشعر التي تضئ ذاكرة الأجيال الشعرية القادمة من مستقبل لديهم الفرصة فيه لاكتشافه لغويًا، واكتشاف كل نوتة موسيقية تتعاظم مع الفعل ودرجة الإنسانية، حيث تنطبق على القصيدة جميع مميزات الإنسان وتفاصيل حياته ومهنية وجوده، من خلال إعادة صياغة الوجود ضمن فاصلة هي الاختلاف الزمني بين أجيال الشعر وقوانينها الحاسمة. إذ لا معنى لامرأتين دون فاصلة بينهما هي سر القصيدة، بل سر الديوان بأكمله.

"أهو قلبي بين كفيك رغيف من شغف؟ أم هو العشق يناديني.. ولا يترك لي فاصلة للشعر بين امرأتين؟" فهل يحاول الشاعر محمد زينو شومان صون الشعر من تيه المعاني؟

مسافة ما بين امرأتين هي تقاطع في قصيدة تمثل الوجود الداخلي لشاعر يوقظ أحلام الحياة في الواقع عبر الفنون الشعرية ومفاتيحها التي يمتلكها الشاعر "محمد زينو شومان"، وباقتراب بين الشعر والمشاعر والأمل والقنوط، أو ببساطة أكثر، السعادة الواقعية الغريبة بمرارتها. ومكانة الشعر في الفصل بين المفردات العاطفية، وبناء منطق القصيدة ذات الفاصلة بين قصيدتين أو مفردتين، تشكل أساس اللعبة الشعرية في ديوان لشاعر مفكر متأمل ينتمي إلى الوعي المنهجي والفلسفي، لأفكار هي خليط من المعاني التي تكمن فيها قوة الأفكار المرتبطة بالتسلسل المنطقي المبني على التصورات المجردة.

"رجعت بلا أي زاد سوى ما احتفظت به في جراب الطوى من رغيف القلق على الشمس أن تتعود ظلي على سلم الذكريات. فلو كان قلبي مطيعًا كما كان عهد الصبا لقذفت به في جحيم اعترافي الأخير ورحت أسائل عن شجر المعجزات." هناك إحساس بأن الاعتراف هو جحيم الغموض اللانهائي حيث الأمنيات بالمعجزات، وبتشويق يغزو مخيلتنا من خلال القصيدة ونظراتها الحوارية المنتظرة للمجهول، ولبوح كاد يتمم الجواب الشافي للصدور. غير أنه أنهى القصيدة ليبقي على السر مخفيًا. "إني لاستحلف الشعر ألا يبوح بما كنت أهذي لديه طوال انتظاري المبرح، سداَ لبوابة الأسئلة." فهل نضع الفواصل أمام الحس الشعري وتدفقه ليبقى مصونًا من الانفعالات العاطفية؟

تتعايش الحواس مع جميع الدلالات الشعرية التي يتلاعب بها "محمد زينو شومان" بمنطق يولد الحرية التعبيرية في لغة الاستعارات الفنية أو الإيقاعات الراسخة في صياغة تنتج المعرفة الاجتماعية التي يستجوبها شعريًا، كعلاج للوضع المنطقي المسبب في ولادة القصيدة، ولزيادة القدرة على التأثر والتأثير بين الكيمياء الشعرية، وفكرة الإحساس بها مجازيًا إلى ما لا نهاية، أو حيث المفاجآت اللفظية التي لا تعترف بالمفارقات الدلالية، وعلاقاتها بالواقع والخيال، أو الاختلافات ذات المغزى المحتفظ بحركة المعاني وغرائبيتها، كأنها تشفير لرؤية تتناظر فيها التأثيرات المجازية في الشعر. "وغمك، هل ستواريه في مدفن اللقطاء كأنك لست بصاحبه، أو أبيه وحامل سر الولد؟! أتحسب أن الخوارق طوع يديك؟ تلفت إلى ما تربى هناك في ذلك الحجر في داخلك، أليس بشبل صغير من الحقد والأثرة يشب رويدًا.. رويدًا بقربك، في عقر صدرك؟ فما هي المفارقات المنطقية التي تتميز بوظيفة دلالية للإبلاغ عن معنى بتشكل أمامنا وفق صدى المعنى وتأثيره الشعري؟

سمة لنواة شعرية فاصلة تجمع ولا تفرق، وتضع التناقضات الشعرية بين مزدوجين لقياس حركة الدلالات اللغوية والأسلوبية التي تؤدي إلى إظهار المعنى المتحرر من الاستعارات، وجدلية نظام القصيدة التي يعتمدها "محمد زينو شومان" وترتكز على القوة الإدراكية للحياة الاجتماعية وتكوينها المستخلص من خصائص المجازات التي تحرك المعنى الأدبي والاجتماعي، وبتلقائية تجمع سمات الشعر المميزة بين عناوين القصائد وعنوان الديوان، وبتنازع الأضداد. "تتنازعني الأضداد، وجهي ينظر نحوي شزرًا، قدماي كأنهما قيدان، فمتى تتحرر ذاتي من ذاتي؟" فما هو القيد الذاتي، ومتى يتشكل الوعي الشعري وتتبلور قواعده في قصائد الشاعر محمد زينو شومان؟

يقلل التأثير الشعري في ديوان "محمد زينو شومان" من غموض العمل الفني في لغة القصيدة وحرفيتها الجمالية التي تدفعنا إلى إيجاد الأسلوب النقدي القادر على ترتيب الدلالات، وتسليط الضوء على تحليله الذاتي لمكنوناته التي يبررها بالأصداء الذاتية بين الدلالات والمدلول الذي يكشف عن الإيماءات والمغزى الفني للفاصلة بحد ذاتها. "أهذا هو المبتغى؟ لقد خاب ظني، فكيف أعود وليس بهذا الجراب الدرامي غير فتات الأمل؟" وهذا المعنى الحقيقي للدراما الشعرية في ديوان هو جراب ذو عوامل أساسية تعتمد على التفاعلات الفاصلة بين التعبير عن العواطف ومنطق الحياة من خلال العلاقة الفنية بين المفردة والمعنى والإيقاع المؤدي لترجمة الشعور الحقيقي بفواصل الواقع والخيال أو القصيدة وما تترجمه من تبادل الأحاسيس ضمن وحدة شعرية غريبة التكوين، لكنها متناغمة الأداء، لأنها تجمع بين غموض الأفكار وجمالية التعبير الشعري. "لست أدري ما اسمها، كيف طارت خفية، من خلف قضبان القصيدة؟ كم تساءلت: أهذي الأرض بعض من مواريث السلف؟ أهي ملك خالص لي؟ ولمن هذه السماوات التي تمشي الهوينا بافتخار وصلف؟ أهو قلبي بين كفيك رغيف من شغف؟ أم هو العشق يناديني.. ولا يترك لي فاصلة للشعر بين امرأتين؟"

ولو بشكل مختلف، استطاع الخروج من أنواع المضاربة الفلسفية أو الشعرية عن ما هو مألوف أو تقليدي، لكنه دمج بين نظريتين حدة التناقض في الشعر وأهمية المثنى في تأصيل الحدس العاطفي والقيم الاجتماعية في لغة الشعر.

برؤية تحديثية أخرى يتجلى الإيقاع الشعري في نص "محمد زينو شومان" كعنصر محوري ينسج خيوط التجربة الإنسانية من خلال استخدامه لأساليب متنوّعة. يستحضر الشاعر عبر تلاعبه بالألفاظ والإيقاعات، نسقًا موسيقيًا يتناغم مع المشاعر العميقة والعواطف المتباينة. يتنقل الإيقاع بين خفقات سريعة تعبر عن النشوة والشغف، وبين لحظات من السكون والترقب، مما يخلق توازنًا فنيًا يُشعر القارئ بعمق التجربة الشعرية.

تتسم ألفاظ الشاعر بالقدرة على نقل الأحاسيس بطريقة دقيقة. يختار "شومان" كلمات تحمل دلالات مزدوجة، مما يضفي على النص غموضًا وجاذبية. على سبيل المثال، استخدامه لمفردات مثل "فاصلة" و"امرأتين" يشير إلى التوتر الموجود في العلاقات الإنسانية، بينما تبرز كلمات مثل "شغف" و"عشق" العواطف الجياشة التي تحرك الشخصيات في النص.

تعكس أسلوبية الشاعر تعبيرًا فنيًا يتجاوز المعاني الظاهرة. تتداخل العناصر البصرية والسمعية لتُغني التجربة الشعرية، حيث يدمج "شومان" بين الاستعارات والتشبيهات، مما يجعل القارئ يشعر بأنه جزء من المشهد. تبرز الصور الشعرية المعقدة، مثل "كوخ الغد" و"شجر المعجزات"، كرموز للحلم والطموح، مما يضفي بُعدًا فلسفيًا على النص.

يمكن القول إن النص يترك أثرًا عميقًا في نفس القارئ، إذ ينجح "شومان" في خلق تفاعل بين الكلمات والمشاعر. يُحاكي النص التناقضات العاطفية بأسلوب فني يُشعر القارئ بحركة الزمن وعمق العلاقات الإنسانية. تكمن جمالية العمل في قدرته على الجمع بين الإيقاع المتناغم والدلالات الغنية، مما يجعل القارئ يتفاعل ليس فقط مع المعنى، بل مع الشكل والتكوين.

في الختام، يقدم "محمد زينو شومان" تجربة شعرية تتسم بالعمق والإبداع، حيث تتشابك الإيقاعات الشعرية مع الرؤى الجمالية في اللفظ، لتشكل لوحة فنية متكاملة تعكس تعقيدات النفس البشرية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com