لغة المفارقات أو الأضداد في لوحات الفنانة هبة كلش
ضحى عبدالرؤوف المل
تفتح الفنانة "هبة كلش" (Hiba Kalache) قصائد اللون على الضوء للتنفس، وتتشابك فيها الخطوط التي تتصارع فيما بينها، تاركة للون بهجته وللضوء شاعريته. إلا أنها تركت للتعبير اللوني حريته، ولتدرجات الضوء النسب الضرورية التي تمنحه البهجة، رغم تمزقه في بعض المساحات اللامتناهية، كخريطة تُجدد كما ينبغي فنياً. لتكون كالمسرح الصامت في ظل الضوء ومساراته وأبعاده، وحتى حركة الألوان المتوترة في بعضها، كالمتلاشية بعد ذوبان أو انصهار لمفهوم الألوان وفلسفتها في التشابه والتماثل وربط العلاقات فيما بينها. بل! كالحياة ومتناقضاتها تمامًا. وفي هذا نوع إبداعي من التمثيل الفني ضمن لوحة ذات مساحة محددة، جعلت منها لونًا متحررًا قادرًا على ترجمة كل الصراعات، وأيضًا كل ما يميل إلى إبراز حركة الحياة على الأرض.
تقنيات فنية معاصرة التزمت بها الفنانة "هبة كلش"، فانتجت رسومات فلسفية ذات وجهات نظر لعالم متعدد الأوجه تبحث عنه في حركة الألوان وتفاعلها. كمادة مع مادة أخرى جامدة، لتعزيز جغرافية الرؤية التي تنفذها بعدة وسائل. إذ تستنبط من الخطوط التفاصيل الجزئية الأخرى الأكثر ترجمة لأفكارها الفلسفية في الفن. كما أنها تعتمد على منظورين، وهما التمثيل اللوني والموضوعية في الشكل، لخلق معادلات بين جغرافية المكان وتأثير ذلك على النفس التي تتخبط تائهة دون أماكنها. مما يخلق في اللوحة الحدث الفني المقروء بصريًا وحسيًا من المتلقي، ومنها هي، كمترجمة لأحاسيس اللون والفلسفة التي اعتمدتها في مسارها الفني عبر هذا المعرض المتشكل من عدة نقاط مرتبطة نفسيًا بمعنى اللون وأبعاده ووجهة نظرها الفنية تجاهه. فهل تحاول ربط العلاقة بين الفن والجنون وقدرة اللوحة على تمثيل الوعي في فهم الجمال اللامتناهي؟
تتناسب ألوان لوحات الفنانة "هبة كلش" مع الطبيعة الهادئة والمتوترة، وبوجهين يمثل كل منهما الإنسان، متجاوزة بذلك الخطاب التقني. لتوضح قيمة التوترات أو الذبذبات في ترجمة الشكل أو ترك اللون يتحرر، وفق الأسلوب الذي تمنحه فيه حريته على مساحة حددتها له وفق نسب الضوء. وبهذا تكون "هبة كلش" تكمش وتحرر أدواتها الفنية، كوسيلة لإعادة تجديد الذات الإنسانية التي تلهث خلف الحركة حتى الفناء أو التلاشي الكلي، وهذا الأسلوب التحفيزي الذي تتبعه هو لخلق المفارقات أو الأضداد. لتقريب المفهوم إلى الحس الفني، وتبسيطه ضمن لوحة هي جغرافيا الشكل واللون والضوء، والمادة التي تتحرر في فضاءات متخيلة من أجل الإصلاح النفسي من خلال الفن أو لتكوين ذاتي ابتكاري لأحاسيس تتشكل تلقائيًا مع اللون الذي تحاكيه "هبة كلش" بفلسفة خاصة.
لماذا ننسى الحقيقة إن كانت اللوحة وهمًا أمامنا؟ ولماذا ننسى قيمة الصراعات إن كان التنافس اللوني يتشكل بصريًا أمامنا بمتاهة تساؤلية لا تنتهي؟ لذلك يجب أن نفكر في موضوع اللوحة الفني عامة، التي تتمثل من خلال عناصرها المختارة بدقة وعناصرها الحسية المتحررة الأخرى. وربما يرى المتلقي البساطة في اللوحة، إلا أن للمادة فيها دورها الأساسي والموضوعي جمالياً من خلال ما يمثله كل لون، وعبر طبيعته الشفافة في عالم اللوحة أو العالم الآخر الممثل لها، وهو العالم البشري الذي تفتش فيه "هبة كلش" عن القيم الجمالية والإنسانية، والتلاحم بين الأضداد لضمان الاستمرارية أو للحفاظ على جغرافيا تندثر وتتجدد. نبحث عنه في لوحات غارقة بالتمثيل الفني المعالج للنفس من خلال إعادة بناء اللون في كل مرة، ونسبه الرياضية وحركته وقدرته على المحاكاة.
برؤية أخرى تحديثية تسعى الفنون التشكيلية إلى التعبير عن أعماق النفس البشرية من خلال أشكال وألوان تحمل معانٍ غامضة تتجاوز مجرد الشكل المرئي. تتناول الأعمال الفنية التي تتميز بتعابير غامضة أفكارًا ورؤى بصرية تخلق تفاعلاً عميقًا مع المتلقي، مما يسمح له بدخول عوالم جديدة من التجربة والإحساس.
يعتبر الغموض عنصرًا مركزيًا في التعبير الفني، حيث يسهم في توسيع آفاق الفهم الشخصي للوحة. تعابير الأشكال والألوان غالبًا ما تحمل دلالات مزدوجة، مما يحفز المتلقي على استكشاف معاني مختلفة. هذا الغموض يخلق جوًا من التساؤل، مما يجعل المتلقي أكثر تفاعلًا مع العمل.
تتداخل الأفكار والرؤى البصرية في الأعمال الفنية الغامضة، مما يمنحها طابعًا خاصًا. مثلاً، يمكن أن تعكس الألوان الداكنة مشاعر الحزن أو القلق، بينما الألوان الفاتحة قد تشير إلى الأمل أو الفرح. هذه التباينات تعكس التعقيد النفسي للإنسان، مما يسهل على المشاهد أن يتعاطف مع الحالة المعبر عنها.
المعنى الجمالي في الأعمال الفنية الغامضة لا يُقاس فقط بجمال الشكل، بل بمقدار ما تثيره من مشاعر وأفكار. الأعمال التي تحمل بعدًا غامضًا تدفع المتلقي إلى التفكير في موضوعات مثل الهوية، الفقدان، والوجود. هذا يجعل التجربة الجمالية أكثر عمقًا، حيث يساهم الغموض في خلق مساحة للتأمل والتفكير.
من منظور نفسي، تتيح التعبيرات الغامضة للفنان استكشاف أعماق النفس البشرية. يمكن أن تعكس الأعمال مشاعر غير معلنة، أزمات داخلية، أو حتى رغبات مكبوتة. الغموض يساعد على فتح قنوات تواصل بين الفنان والمتلقي، حيث يصبح العمل الفني بمثابة مرآة تعكس جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية.
تستند تجربة المشاهدة إلى تفاعل المتلقي مع الغموض الموجود في العمل. قد يشعر البعض بالارتباك، بينما يجد آخرون الإلهام. هذا التفاعل المبني على الغموض يدعو المتلقي إلى تقديم تفسيراته الخاصة، مما يزيد من عمق التجربة الفنية.
في الختام، تعتبر الأعمال الفنية التي تحمل تعابير غامضة وأفكار ورؤى بصرية غامضة تجسيدًا لعالم داخلي معقد. إن القدرة على إثارة المشاعر والتفكير من خلال الغموض تجعل هذه الأعمال لا تُنسى، إذ تترك أثرًا دائمًا في نفس المشاهد. إن الجمال الحقيقي يكمن في القدرة على التحفيز والتفكير، مما يجعل الفن تجربة إنسانية غنية ومتعددة الأبعاد.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com