الفضاء السلبي وجماليته في أعمال الفنان نبيل وهبه
ضحى عبدالرؤوف المل
يلاعب الفنان "نبيل وهبه" (Nabil Wehbe) العناصر الإيجابية المؤثرة على الضوء من خلال مادة الحديد الصلبة دون حيادية في إنشاء الشكل البصري وتقاطعه الرئيسي بين مفهومين، اعتمد عليهما سلبياً وإيجابياً، لإظهار فضاءات مجسماته بأسلوب فني وجمالي يميل إلى الابتكار الناتج عن تساؤلات فيزيائية، وتساؤلات فلسفية عن العدم والحياة أو المادة الحية في الفراغ أو الشكل والمساحة، والتناسق أو التضاد بينهما. ومع ذلك، يستنبط في كل مجسم معادلة بصرية تختلف عن الأخرى وترتبط بالفضاء السلبي أو العكس، مما يجعل المتلقي يستلذ بها لما تحمله من إثارة ذهنية عند رؤيتها، ولقدرتها على أن تكون قطعة سلبية أو قطعة إيجابية مصممة تبعًا لنوعية المادة وليس للفراغ.
يفصل "نبيل وهبه" بين الكتلة والضوء، وبين الشكل وتعريفه، لترتسم معالم مجسماته بوجوه مختلفة، لكل منها سلبياته وإيجابياته وأشكاله المجردة. وإن ضمن الفضاء السلبي وجماليته في المادة وتضاده مع المادة الصلبة، معتمدًا على الظل والتشابه والتناسق أو المساحة التي يشغلها الضوء، والتي لا تقل أهمية عن المساحة التي يشغلها الظل، كأنه يفصل بين المتناقضات وبين المفاهيم الحسية. بالأحرى، بين الشيء وضده دون تنافر سلبي، إنما بتناغم بين متانة الحديد وليونة الشكل الحسي الحديث، بشكل إبداعي وبتركيز على قيمة المساحة ومعناها النسبي في التكوين البصري. إضافة إلى التأكيد على أنها ليست فارغة تمامًا، وإنما تشكل الفراغات في التصميم المعنى الخاص بالشكل. إذ لا تكتمل الأشكال دون فراغاتها الخاصة التي تحدد هويتها بين الخلفية والأمامية، وتحت وفوق والانعكاسات الأكثر تعقيدًا من مادة الحديد في تشكيلها وجوانب التكوين الخاصة بها. فهل يجعلنا بذلك نتساءل عن الأحجام وقوتها في الفضاء السلبي، أو هي الكتلة المنفصلة عن الفراغ؟
تبرز حيل الفراغات في أعمال الفنان "نبيل وهبه" إدراكية لوعيها في ترجمة أشكال الفراغ في الفضاء الحقيقي، أو إظهار المعنى الإدراكي لحالة الوعي بين ما هو سلبي وإيجابي وضمن فراغات معينة. إذ لكل منها قياساتها وأبعادها وانعكاساتها على المكان أو على النقطة التي وضعها ضمن مساحة محددة يظهر منها الضوء والظل سلبيًا وإيجابيًا، أو ما يعرف بالمسافة الفاصلة بين الشيء وضده، أو الجاذبية والتنافر الجزئي في الفضاء الإيجابي والسلبي، ودوره المهم في تشكيل وتحديد الزوايا أو الخطوط من خلال فهم قيمة المساحة، والفرق بين الفراغ والأشكال الإيجابية والسلبية، وخطوات التواء الخطوط أو انسيابها أو تكسرها أو الحفاظ على الأبعاد بين الخطوط السلبية والإيجابية وجمالية الفضاء السلبي في العمل الفني.
يستخدم الفنان "نبيل وهبه" المساحة البصرية السلبية بطرق متعددة، منها بشكل تجريدي ومنها بشكل رمزي، وضمن حالات فنية يضع فيها رؤاه بعناية واهتمام لعلاقاتها مع بعضها البعض، وللفصل بين الشفافية والسماكة، أو شفافية الضوء وسماكة المادة، دون أن يطمس الحس البصري، ومنحه لذة الاكتشاف لغموض الشكل قبل استخراجه من مساحته الفعلية، وهي الفضاء السلبي في المساحة الإيجابية، أو هي الجزء الفني من التركيب البصري الذي يترجمه العمل النحتي وتوازنه بين عدة متناقضات يتمسك بها في انسجام مع الأنماط التقليدية لهذا الفن، وتصاميمه الحديثة بصريًا في عالم الضوء والظل أو السلبي والإيجابي، وما ينتج من تفاعلات بينها تؤدي إلى استكشاف المعنى الخفي للمادة والضوء، أو للظلمة والضوء، أو للظل والضوء، وفي جميع الحالات. إذ تتجاوز الرؤية البصرية الفضاءات المحددة نظريًا لواقع المادة الصلبة وقوتها، بل وتمسكها في مواجهة التلاشي أو الانصهار اللامتناهي. إذ يرسم وهبه شكل الموضوع بطريقة معاكسة وينفذه عبر المادة الصلبة وتقنية الأسلوب الذي يسمح بتنفيذ الفكرة التي يتمسك بها أو التي يريد إطلاقها في الفضاء السلبي.
برؤية أخرى تحديثية تتميز الأعمال الفنية التي تعكس تعابير غامضة بطابعها المليء بالغموض والتشويق. يتجلى هذا الغموض من خلال استخدام الألوان المتباينة، الأشكال غير التقليدية، والتكوينات غير المتوقعة، مما يثير تساؤلات عميقة لدى المتلقي. تلعب هذه العناصر دورًا محوريًا في إبعاد المشاهد عن الفهم السطحي، وبدلاً من ذلك، تدفعه للغوص في أعماق العمل الفني.
تعتبر الأفكار المتراكبة والرؤى البصرية من العناصر الأساسية في الأعمال الغامضة. تتداخل الرموز والمعاني، مما يتيح للمتلقي إمكانية تأويل متعددة. على سبيل المثال، قد يحمل استخدام الألوان الداكنة دلالات على الحزن أو الفقد، بينما قد توحي الأشكال المنحنية بالمرونة والحرية. كل عنصر بصري يُعد جزءًا من سرد قصصي يعبر عن مشاعر إنسانية عميقة.
تتجلى الجمالية في الأعمال الغامضة من خلال قدرتها على خلق تجارب حسية متنوعة. فالتعابير الغامضة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر، بل تخلق أيضًا فضاءات للحوار بين العمل والمتلقي. إن قدرة العمل الفني على إثارة تساؤلات وتأملات حول موضوعات الوجود، الهوية، والمشاعر الداخلية، تجعل منه تجربة جمالية فريدة.
: تتصل الأعمال الفنية الغامضة بعالم النفس بشكل عميق، حيث تعكس صراعات داخلية ومشاعر متناقضة. تعبيرات الوجه، الحركات، والفضاءات المستخدمة تعكس حالات ذهنية معقدة، مما يجعل المتلقي يشعر بأنه أمام مرآة تعكس عمق ذاته. هذا الارتباط النفسي يمنح العمل الفني عمقًا إضافيًا، حيث يصبح بمثابة نافذة إلى تجارب إنسانية شاملة.
الأعمال الفنية الغامضة تدعو المتلقي إلى التفاعل والنقاش، مما يعزز من تجربته الجمالية. هذا التفاعل يصبح بمثابة رحلة استكشاف، حيث يستدعي الذكريات، الأحاسيس، والتجارب الشخصية. من خلال هذه العملية، يكتسب المتلقي رؤية جديدة عن الفن والحياة، مما يعكس طابعًا جماعيًا للمشاعر الإنسانية.
إن الفن الغامض ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو تجربة متكاملة تحمل في طياتها تفسيرات متعددة ومعاني جمالية عميقة. من خلال تعابيرها الغامضة، وأفكارها المتنوعة، تفتح هذه الأعمال أفقًا جديدًا للتأمل والتفكير، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من الحوار الفني والثقافي المعاصر.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%AA%D9%87-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D9%88%D9%87%D8%A8%D9%87/