لوحة الهيبي الأنيق للفنان الأمريكي مايكل جون بيرن

ضحى عبدالرؤوف المل

تصفو الألوان في لوحة الهيبي الأنيق للفنان الأمريكي "مايكل جون بيرن" (Michael John Burn)، الذي وضع الظل كألوان داكنة لا تختلف في أهميتها عن الخطوط والتعبيرات الداخلية المحاكية لتفاصيل فنه، يمكن أن تؤرخ لفترة زمنية، ولمنطقة خرج منها الفنان. تتميز اللوحة بقوة الخطوط الدقيقة والعريضة، أو الخطوط الأساسية والثانوية، المرسومة بنظرة تصويرية لا تخلو من حركة في تفاوت الضوء والخطوط. إذ يتخذ من المنطق الرياضي تفاصيل تشكيلية خلق منها متناقضاته البصرية بين البعيد والقريب، وبين الأبعاد في فراغات يلتقطها الحس من محيط تركه وفق معادلات جمالية تزيد من قيمة الشكل الذي استفزه في تكوين مفهوم انطلق منه بثبات.

ضمن البورتريه المحتفظ بالأسس التشكيلية في خلق تناقضات التصوير والتعبير والنسب الفنية المثيرة للحس الجمالي، يتساءل الفنان عن كيفية زيادة التفاعل البصري والحسي للوحة، التي هي جزء من تاريخ الهيبي. لكنه منحه صفة الأناقة، كما اللوحة الأنيقة في معادلاتها اللونية والرياضية، حيث ترتبط التأملات بالأبعاد قبل الهيبي الذي رسمه بفن تصويري ملتزم بالخط الفراغي المتكون بشكل إيحائي هو أساس اللوحة غير المرئي. إلا أن الخطوط انطلقت منه، لتتكون اللوحة بأسلوب السهل الممتنع أو التصوير بلغة تشكيلية تتقارب معها الحواس بتوليفة منسجمة مع الرؤية التي جعلت من اللوحة موضوعًا مكتمل الأركان تشكيليًا وبصريًا وفنيًا.

يفتح الفنان "مايكل جون بيرن" فضاءات لوحته بتجريد المحيط، وجعله عبارة عن قوام آخر معاكس للامتلاء، حيث يجعل من الريشة عدسة تضئ له جوانب اللحظة التي يرسمها بفن مختلف عن اللغة التشكيلية نفسها. إذ يضع الهيبي في خط مائل مع الخطوط الأخرى المتناغمة، بتداخل مع إيقاعات الألوان أيضًا، واتجاهات الضوء، وهذا يشكل نوعًا من النغمة البصرية المرتبطة بالهيبي والتناقض معه من حيث العشوائية الحياتية التي يتخذها. وإن كان السبب هو برودة الألوان، وبخربشات تشبه التصميم الأولي لرسم هو أساس لرسومات أخرى، وكأن الرمادي الحيادي لا يختلف عن الأبيض والأزرق، والخطوط الفاصلة التي تمنح الشكل تفاصيله الجمالية أو المؤثرة في الشكل من حيث قدرته على الانسياب في التكوين بسلاسة تحتفظ بالتعبير اللحظي الذي شدد عليه "مايكل جون بيرن".

من خلال التغيرات التي جعلت من البورتريه التصويري تعبيرًا نوعًا ما أو مجسدًا لضوء تتشكل بواسطته الأشكال والألوان، وضمن نقاط يمكن تحديدها بصريًا، إن حاولنا تجريد الشكل والاحتفاظ بالنقاط الأساسية التي تجمع كل خط بحركة مختلفة. ربما في هذا دراسة للضوء وانعكاسه بين النقاط أو بين الخطوط وصولًا إلى الحذاء، وغرابة تمرير اللون مع الظل كانعكاس يختصر اللوحة ومعناها أو للاحتفاظ بأهمية اللحظة التي جسدت الهيبي في لوحة محسوبة بدقة، إن ضمن نظرية الضوء وإسقاطاته على الأشياء، وحتى على الألوان وتأثيراته عليها ضمن حركة الظل مع اللون على مساحة متخيلة.

فهل حاول "مايكل جون بيرن" رصد حركة الظل على الألوان في بورتريه تشبه لحظة فوتوغرافية احتفظ بها البصر وترجمتها تشكيلًا للحواس؟

الهيبي أو الأنيق أو التأمل اللحظي، أو حتى البورتريه المحتفظ بزمن يجعلنا نرى غرابة الفكرة في هذه اللوحة المثيرة لحسابات كل نقطة فيها ومجموعها. فإنطلاقة كل خط تعيدنا إلى المناظر المفتوحة على تلقائية التكوين الضوئي في الفضاءات المفتوحة. وكأنه يمارس لعبة الاختفاء خلف الشكل، وبإيحاءات تجعلنا نرى المقعد الذي يجلس عليه مستقلًا عنه. إذ يمكن تفريغ اللوحة بصريًا والإبقاء على الهيكل الضوئي الذي جعل من الأشياء موجودة في اللوحة، وهذا ما جعل من اللون الأبيض والرمادي في تقارب بصري مع الأزرق الداكن أو مع الخيالات الصادرة عن كل ذلك، وبفن تشكيلي احتفظ بالهيبي الأنيق.

برؤية أخرى تحديثية تظهر الأعمال الفنية ذات الطابع الغامض في كثير من الأحيان تعبيرات نفسية مكثفة، حيث تسلط الضوء على مشاعر إنسانية عميقة. في لوحة الهيبي الأنيق للفنان "مايكل جون بيرن"، تتجلى مجموعة من التعابير الغامضة التي تمزج بين الصراع الداخلي والبحث عن الهوية. يتمثل هذا الصراع في تداخل الألوان والظلال، مما يعكس حالة من الاضطراب والتوتر النفسي، حيث يتجلى القلق الوجودي في كل ضربة فرشاة.

تتعدد الرؤى البصرية في اللوحة، حيث تخلق الأشكال والألوان المتباينة شعورًا بالتناقض. الألوان الداكنة تعبر عن الحزن والعمق، بينما تبرز الألوان الفاتحة تعبيرات عن الأمل والتفاؤل. هذه الثنائية تخلق حالة من الجذب والتنافر بين المشاهد، مما يدعو المتلقي للتفاعل مع العمل بطريقة شخصية، مما يجعل كل تجربة فريدة.

الغموض هنا لا يعد عائقًا، بل يُعتبر وسيلة فعالة للتعبير عن مشاعر معقدة. استخدام الفنان للخطوط المائلة والتفاصيل غير الواضحة يخلق شعورًا بالتشويش، مما يعكس حالة من عدم الاستقرار. كأن الفنان يتحدث عن رحلة داخلية تتطلب من المشاهد التفكير والتأمل، بدلًا من تقديم أجوبة واضحة.

يتميز المعنى الجمالي في هذه اللوحة بجاذبيته للعيون والعقول. الجمال هنا لا يُقاس بالانسجام التقليدي، بل بالتحديات التي يطرحها على المتلقي. الجمال الغامض يستفز الأسئلة، ويحث المتلقي على البحث عن المعاني وراء كل تفصيل. يُظهر العمل أن الجمال يمكن أن يكون في عدم اليقين، في الظلال، وفي ما يُركب من تباين.

يمكن اعتبار لوحة "الهيبي الأنيق" تجربة جمالية تُعبر عن تعقيدات النفس البشرية. إن التعابير الغامضة والأفكار والرؤى البصرية تُعزز من قوة العمل، مما يتيح للمتلقي الانغماس في رحلة ذات أبعاد متعددة. إنه عمل يتجاوز الجمال السطحي ليغوص في أعماق المشاعر، مستدعيًا التفكير والتأمل، مما يمنحه عمقًا وثراءً فنيًا وجماليًا لا يُنسى.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com