فن يخرج من النفس التي تتأمل وتنتج، ويُمحو الموت بالحياة.
ضحى عبدالرؤوف المل
يعكس الفنان "ثاي بوي" (Thai Bui) الإحساس بالاضطراب النفسي إلى أشكال تحمل الكثير من الرموز والإشارات الجمالية، التي يضعها في قالب فني عبقري يثير الذهن، فيشحنه بالطاقة الفكرية المولدة لعدة أفكار أخرى درسها جيدًا قبل القيام بها، كالفعل وردة الفعل البصري، بعد أن يجرد الشكل من كل الزوائد. كأن ما يقوم به هو خربشات النفس التي تكتسي من الوعي نضوجها الفكري. ليصمم أشكاله الفنية بنوع من التصميم القائم على استقراء الشكل خياليًا، وعلى معادلات فيزيائية ورياضية ناتجة عن قدرة المادة على التشكل تبعًا لقوتها وضعفها وتحملها، وما يمكن أن ينبثق عنها من فن يخرج من النفس التي تتأمل وتنتج، ويمحو الموت بالحياة، أو كل ما من شأنه أن يتجلى من طاقة سلبية وإيجابية، أو من متناقضات يعتبرها سر الوجود والتوحد معه، بأحاسيس تضعك في متاهة الوجود واللاوجود، ودون الحواجز التي تعيق ولادة الشكل الذي يسعى إلى إظهاره أو ولادته إلى الحياة. لنجد أن أعماله غالبًا ما تحمل التسلسل الجيني النابع من التآلف بين كل ما هو سلبي وإيجابي، وبقدرة الصمود أمام ظواهر الحياة نفسها التي يقاومها بالفن بكل أشكاله وأنواعه وتصميماته، وحتى ابتكاراته الناتجة عن النفس واضطراباتها، وكل ما يتولد منها، أو بالأحرى كل ما يتشكل فيها ويستطيع تنفيذه ليراه البصر بفكر استقرائي يربط الجزء بالكُل، ويجعل من قدرات الإنسان هي القوة الحقيقية في الحياة والفن والجمال.
يجمع الفنان الأمريكي "ثاي بوي" الأضداد ويضعها في تقارب مع أخرى، لتكوين انعكاسات تتشابك مع الواقع، وتجعله ضمن دوامة النفس التي خرج منها، وإلى طفولة يعيد تشكيلها تبعًا للأشكال الفنية التي يجعلها كنوع من اللغة الإنسانية المشتركة ذهنيًا مع البصر الذي يرى ويحلل ويفكك، ويجمع ويعيد تشكيل الأشياء تبعًا لما هو داخل نفسه. لهذا، فهو يحاكي الآخر بالفن، أي الإنسان الآخر، أو ربما هي الشخوص مع الأشياء الراسخة في الذاكرة، لكنها تعاود الظهور بأساليب شبحية أخرى، أو بأساليب الوعي النفسي الذي يجعل منه "ثاي بوي" خلية فنية تتكاثر منها الأشكال والأجسام، وكل ما يرمز لخلية الوجود أو الحياة داخل الوعي الإنساني، وهي محاولة إعادة إحياء لذاكرة طفولية تستنبش بالرسم والنحت والأعمال الإبداعية كل ما هو حي داخل النفس الإنسانية القوية، بما تتمسك به، فلا يغادرها إلا ويعيد تركيبها تبعًا لما وضعه فيها من أسس حسية ومادية، بتناغم بصري مع الطبيعة من حوله، أو مع الأشكال التي تؤلف عدة مواضيع مختلفة تبعًا لرؤيته الخاصة والتسلسلات الناتجة عن الابتكار أو التأليف الفني المرتبط ببعضه البعض، سواء من حيث الشكل أو المادة، أو من التناقضات التي تخلقها التوازنات الناتجة عن ذلك، أي عن المتناقضات أو الانعكاسات، أو الداخل والخارج، والمتغيرات التي تفرض نفسها مع الزمن، لتبقى وسيلة الإنسان في الحفاظ على وجوده الخاص.
يصح القول في أعمال الفنان "ثاي بوي" إن بعض الأحلام تتحقق من خلال الأعمال الفنية والبصرية تحديدًا، ورغم طفوليتها، إلا أنها ملتزمة بالمعايير الفنية والنسب الهندسية والرياضية، وكل ما من شأنه أن يجعل منها قادرة على خلق معادلات فنية تتكاثر مع الأشكال الكبيرة والصغيرة التي ينتجها منها "ثاي بوي" بفن هو أشبه بإعادة إحياء الجماد، أو الإحساس بالطاقة الإيجابية في كل ما يحيط بنا، حتى من النوافذ والدواليب والأبواب والحجارة والحديد والألوان، وتصميمات البنية لكل شيء يضعه في ذهنه، ويمنحه التناغم والتألف والتركيب، والتلاحم حتى ضمن الاحتواء الفني والتكاتف الحركي مع المادة المختارة، أو الألوان، أو الخطوط والمساحة. إلا أن كل عمل فني من أعماله هو ولادة لعمل آخر متوقع، كبنية تخيلية تتسلسل مع الحياة.
برؤية أخرى يتجلى الفن كوسيلة تعبيرية عميقة، يحمل بين ثناياه أفكارًا غامضة ورؤى بصرية تستحضر مشاعر متباينة. يُعتبر الفنان "ثاي بوي" مثالًا حيًا على هذا النوع من الإبداع، حيث تتناغم عناصره الفنية مع النفس البشرية، وتلعب دورًا في محو الحدود بين الوجود واللاوجود.
الطابع الغامض تتسم أعمال "ثاي بوي" بالغموض، حيث تدعو المتلقي للغوص في أعماق ذاته. تتداخل الرموز والأشكال لتعكس الاضطرابات النفسية، مما يجعلها تجسيدًا لحالة نفسية مُعقدة. هذا الغموض يثير تساؤلات عميقة حول الهوية، الذاكرة، والتجربة الإنسانية. تنبعث من أعماله مشاعر مختلطة تتراوح بين الأمل واليأس، مما يجعلها محورية في فهم الوجود.
الرؤى البصرية تعتمد رؤى "ثاي بوي" على استخدام ألوان متباينة وأشكال غير تقليدية، مما يعكس صراعات داخلية. الألوان الداكنة والظلال العميقة تدل على التوتر والقلق، بينما الألوان الزاهية تبرز الجوانب الإيجابية والأمل. تعكس الأشكال المتداخلة تفاعل المشاعر المختلفة، مما يسهل على المتلقي أن يتفاعل مع العمل على مستوى شخصي.
الجانب النفسي يتجاوز التحليل الفني الأبعاد الجمالية ليغوص في النفس البشرية. يعكس فن "ثاي بوي" الصراع الداخلي الذي يعاني منه الفرد في رحلة البحث عن الذات. يتجلى ذلك في تكوينات شكلية مُعقدة، تشير إلى الصراعات النفسية والخوف من المجهول. تصبح الأعمال بمثابة مرآة تعكس مشاعر القلق والإحباط، لكنها في نفس الوقت تتيح الفرصة للتأمل والشفاء.
المعنى الجمالي الجمال في فن "ثاي بوي" ليس جمالًا تقليديًا، بل هو جمال معقد يُبرز التوتر والتناقض. يُظهر كيف يمكن أن تتجلى التجارب الشخصية في أشكال فنية تعبيرية، تدعو للتفكير والتأمل. المعنى الجمالي هنا ليس فقط في الشكل، بل في المحتوى، حيث يعكس الصراع بين الإيجابية والسلبية.
الخاتمة إن فن "ثاي بوي" يمثل تجربة فريدة تجسد الغموض والعمق النفسي، حيث تنسجم العناصر الفنية مع المشاعر الإنسانية. تُعتبر أعماله دعوة لاستكشاف الذات وفهم التعقيدات التي تعيشها النفس، مما يفتح آفاقًا جديدة للتفاعل مع الفن ومع الذات. إن هذه التجربة الجمالية تُبرز القوة التعبيرية للفن كوسيلة لفهم الوجود والتواصل مع العالم الخارجي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%AB%D8%A7%D9%8A-%D8%A8%D9%88%D9%8A-%D9%81%D9%86-%D9%8A%D9%85%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9/