الصورة الفوتوغرافية التي تعمق الفلسفة نحو المجهول من الأشياء
ضحى عبدالرؤوف المل
يتساءل الفنان "نيكولاس هيرمان" (Nicolas Hermann) عن مفهومين غامضين بالنسبة للإنسان، وإن استطاعت العدسة الكشف عن اتساع المدى الكوني للضوء والعتمة وللزمان والمكان، وكل ما هو غير مألوف للإنسان. وإن تعلقت به الحواس وحاولت تفسيره للتعرف على جوهره، تبقى الثوابت المجهولة، أو كل ما هو علمي معرّف، أو كل ما يراه البصر مرتبطًا بمعرفته وحدوده اللدنية. أما الصورة الفوتوغرافية التي تعمق الفلسفة نحو المجهول من الأشياء الموجودة حولنا، ولا تراها العين المجردة، فهذا ما يثير الفنان "نيكولاس هيرمان"، مما يجعله يتلمس الطريق الضوئي لفهم محور اهتمامات الإنسان وتحليلاته الفلسفية باحثًا عن الوعي الوجودي من خلال الصورة وغموضها الأكبر المتعلق بتفاصيل الأنماط المختلفة في الطبيعة أو الكون وتطوراتها ضمن العتمة والضوء والفكرة الرمزية للوجود وللبيئة من حولنا، وغرابتها خاصة عند التقاط جزئيات من مشهد نراه أو حتى لا نراه. إنما نحاول اكتشافه من خلال جزئيات الضوء الصغيرة القادرة على منح الصورة حيوية الإنسان وتفاعله مع من حوله.
إن ضمن مفردات فوتوغرافية تنسج من خيالاتها تساؤلات عن الوجود الذاتي ووجود الآخر في فضاءات مختلفة مادية وحسية، صغيرة وكبيرة، كونية أو بيئية محدودة، وفي جميع الحالات هي محاكاة فلسفية ضوئية من خلال الصورة الفوتوغرافية وأهميتها في التقاط بصري يتمدد مع الحواس ويمنحها الكثير من النبض الحيوي المؤتلف مع مفاهيم المكان والزمان والضوء والعتمة وغير ذلك. ومن خلال ما يترجمه الفكر من حركة معاكسة لما نفكر به، ويدفعنا له المشهد الجزئي المثير للتفكر، وبالتالي لالتقاط الصورة التي تشكل الذاكرة لما فكرنا به أو بحثنا عنه أو تعمقنا في ماهيته. فهل كل ما حولنا يتشكل كما نتشكل نحن؟ كيف نفكر؟ كيف نتصور الوجود؟ كيف نجمع بصريًا المحاور في صورة تتجانس فيها العناصر مع المساحة المحدودة للصورة، وغير المحدودة لخيالنا الذي يسمح بالاتصال بين ما هو محسوس وغير محسوس؟
كأن الفنان "نيكولاس هيرمان" يبحث عن التجانس المركزي، وكل ما هو فوضوي الحواس والدقيق النظم، أو عن العبثية والوجودية والتكييف الزمني مع النقيض المكاني. أو بالأحرى الاستحضار الوقتي للزمن والزمان، أو المادية والروحية الناتجة عن غواية الضوء للعدسة وقدرتها على جمع المكان المتأثر منه ضمن جغرافية دنيوية، وأخرى ما ورائية. وكأن الفنان "نيكولاس هيرمان" يمتلك فلسفة ضوئية يترجمها من خلال الصور التي يلتقطها، ويجعل منها المعنى الباحث عن الإنسان في كل زمان ومكان منذ الخلق وحتى الآن.
تلعب الذاكرة دورًا أساسيًا في حياة الإنسان وفي الزمن وفي الضوء الذي يشكل ترجمة فوتوغرافية لكل ما تلتقطه العدسة بثنائية تتناقض مع بعضها البعض، كالعتمة والضوء، أو الزمن القديم والحديث وما يجمعهما، أو الملموس والوهمي، وقدرة التذكر للإنسان لتشكيل الوعي بين الماضي والحاضر، والجزئيات المشتركة في إطار الصورة الفوتوغرافية أو التمثيل الإيماني بالوجود وقوته وصورة الذاكرة الشبيهة بالضوء. لهذا فإن نيكولاس يبحث في الفكر الضوئي عن تطور الفكر الإنساني الغيبي عن الأشياء من حوله، كالماضي والأساطير، والتاريخ وأساسيات الوجود الواحدة التي يتشكل منها المكان، وبتعاقب الحياة مهتمًا بالفكر الإنساني ومسؤولياته من خلال صورة يضعها أمام المتلقي، ليثير التفكر ويفتح حدود الفلسفات الأخرى نحو الطاقة الخلاقة وفضاءاتها التي يتخطى من خلالها الإنسان ماديات وجوده بعد حيوات، لإدراك الكائنات التي تعيش معنا ولا نراها، إنما يدركها الحس الفلسفي ويستنتجها المنطق المتأثر بجغرافيا المكان أو الأبعاد.
وكما يقول: "التصوير الفوتوغرافي هو الخيط الذي يربطني بالسعي الشخصي لهويتي، مما يغذي حاجتي الدائمة للمزيد من المواجهات الإنسانية المدهشة في كل مرة أفتتن بها بطعم المخاطر والمجهول، مما يجعلني ألتقط الصور لما أشعر به من خلال رحلاتي التي أصبحت ذاكرة ذاكرتي تدريجيًا، وأصبحت يومياتي بإدراك الواقع، وأحاول بذلك خلق العالم البصري من الزمن حيث يتأرجح الإنسان بين الأنانية والتوتر والغموض." فهل يمكن فتح الصور الفوتوغرافية على فلسفات مختلفة لتكون بمثابة النصوص البصرية القادرة على خلق فضاءات فلسفية مختلفة؟
برؤية تحديثية أخرى الفن الفوتوغرافي، كوسيلة تعبير، يتميز بقدرته على التقاط اللحظات العابرة وتحويلها إلى تجارب بصرية غامرة. يحمل كل عمل فوتوغرافي بُعدًا فلسفيًا وجماليًا، مما يتيح لنا استكشاف العلاقات المعقدة بين الضوء والظل، المادي واللامادي، وما هو محسوس وما هو مُعبر عنه.
تتنوع مواضيع الصور الفوتوغرافية، ولكن ما يميزها هو قدرتها على سرد القصص. يمكن أن تعكس الصور لحظات من الحياة اليومية، أو تعبر عن مشاعر معقدة من الوحدة والارتباط. في معرض "نيكولاس هيرمان"، نجد أن الصور ليست مجرد تمثيل بصري، بل هي تجسيد لأفكار وجودية تسلط الضوء على التوترات بين العالم المادي والعالم الداخلي للإنسان.
تستخدم العدسات والأضواء بطريقة تبرز التباينات، حيث يتم تسليط الضوء على العناصر الهامة، بينما تُغمر أخرى في الظل. هذا الاستخدام الماهر للضوء والعتمة يخلق عمقًا بصريًا يجذب العين ويثير الفضول. كل صورة تشكل عالمها الخاص، مما يجعل المشاهد يتساءل عن السياق والرمزية.
تتجلى الجمالية في التكوين، حيث تُنظم العناصر بشكل يلفت النظر. الألوان، رغم بساطتها، تلعب دورًا حيويًا في نقل المشاعر؛ الألوان الداكنة قد تعكس الحزن أو التأمل، بينما الألوان الزاهية يمكن أن توحي بالفرح أو الحيوية. الجمالية هنا ليست مجرد مسألة مظهر، بل تتعلق بتجربة المشاهد وتأثره بالصورة.
: يتجاوز العمل الفوتوغرافي التمثيل السطحي، ليغوص في أسئلة الوجود. يحثنا الفنان على التفكير في كيفية إدراكنا للعالم من حولنا، ويستفزنا لاستكشاف الحدود بين الواقع والخيال. الصور ليست فقط لمشاهد نراها، بل تجسيد لأفكار ومشاعر عميقة تتعلق بالوجود الإنساني.
يُظهر المعرض كيف يمكن للفن الفوتوغرافي أن يكون وسيلة قوية للتعبير عن التجارب الإنسانية. من خلال الجمع بين التقنيات الفنية والعمق الفلسفي، ينجح "نيكولاس هيرمان" في خلق تجربة بصرية متكاملة تدعو المشاهدين للتفكير والتأمل. إن كل صورة ليست مجرد لقطة، بل دعوة لاستكشاف الروح الإنسانية في عتمة الحياة وضوءها.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%86%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b3-%d9%87%d9%8a%d8%b1%d9%85%d8%a7%d9%86/