قراءة في كتاب " من أعماق الذاكرة "
ضحى عبدالرؤوف المل
" تلك أيام حلوة ذهبت من دون عودة "
تحررت المذكرات من وهج ذاكرة تؤرخ لحقبة عاشها الدكتور صاحب ذهب حين أخذنا معه برحلة عبر كتابه "من أعماق الذاكرة " إلى الماضي حيث تاريخ حياة تضافرت فيها أحداث ساهمت في تكوين رجل استطاع تحقيق خطوات، لا ترتبط به فقط كفرد يحيا في وطن عربي، ومجتمع عراقي مازال يحمل منه عبق النجف" ومكانتها في حفظ التراث العربي، وصيانة لغة الضاد" لنقرأ ما خطته أنامل الذهب من لغة ضاد تشرق معها النفس، وكأنك تقرأ سيناريو روائي تاريخي نقدي تشاهد فيه تفاصيل دقيقة، اجتماعية، وعاطفية، وتراثية، وتاريخية، وسياسية، وهذا ما جعلني أكمل قراءة "من أعماق الذاكرة" لأغوص في ذاكرة وطن تألم، وما زال يتألم، ولكن بأنامل وإشراقة تمنح القارئ إحساسا بأن تاريخنا فيه أسماء عظماء من كل الصنوف الاجتماعية والحياتية مثل جمال عبدالناصر، صدام حسين، شارل حلو، أم كلثوم، عبدالوهاب، الجواهري، أمين الريحاني، لميعة عباس عمارة، والكثير من الوجوه السياسية والفنية والاجتماعية التي دخلت التاريخ السياسي أو الفني.
لم يسمح الدكتور صاحب ذهب لنظرته العامة على تاريخه الذاتي ونضاله الحياتي أن يسطو على الحقائق العامة ، كما إن نقده لأحداث سياسية كان منطقيا وحياديا، بل ابتعد فيه عن الانفعال، وقدم تسلسلا سعى من خلاله إلى تقديم حياة عاشها مع الجماعة من أصدقاء وأقارب، وزملاء عمل تشارك معهم الأحزان والأفراح، وكان وفيا للعراق وللنجف بشكل خاص، مسقط رأسه حيث عدد أغلب العائلات العريقة متل : قاسم محي الدين، علي الجشي، رؤوف الجواهري، حمودي الساعدي، باقر الحسني وغيرهم كثر، وكأنه يخط تاريخ العراق بحبر من ذهب، ليبقى في ذاكرة استخرج من أعماقها رؤية معاصرة ، تتكون في مخيلتك، وأنت تخطو معه خطوة خطوة نحو مسيرة وطن عربي يفتقد " لأيام حلوة ذهبت دون عودة "
إن لذة الاكتشاف تلاحقك، وأنت تقرأ بلغة شاعرية متمكنة بفصاحة تبعد عنك الضجر، وتفتح عيون مخيلة ترى أجمل الصور المشهدية، وهو يصف رحلته في الباخرة "وبدأ العصر يطوي ساعاته، وأخذت الشمس تلتمس طريقها إلى المغيب، وكأنها تريد أن ترمي بثقلها في عبابه" فهو لم يقدم أدبا اعترافيا يعتمد على الأنا، بل قدم نقدا باطنيا جعلني أشعر بصدق المعاني وجدانيا، وما تحمله من قدرة على خلق نقد تمتلكه بصيرته الناقدة ، ولا سيما وهو يقول في هذا: " وأنا دارس اقتصاد، ولست دارس آداب."
إنه ينقل صورا عاشها، ليوضح الوقائع الاجتماعية والسياسية المرافقة لحياته من البداية إلى النهاية ، من مجتمع المدنية والحالة الاجتماعية إلى مجالس بغداد، حيث جعلنا نكتشف معه " أن التورية السياسية، إن صح هذا التعبير، سلاح ذكي لكل من يحسن استخدامه مستظلا بظل الدستور، ومتحصنا بما تسمح به القوانين النافذة، تخلصا من أي مساءلة قانونية، حتى إذا كانت التورية تمتد إلى التعريض الشخصي ببعض الرموز السياسية"
يضيف الدكتور صاحب ذهب إلى الذاكرة أبعادا تاريخية، لم يقصد من خلالها تصحيح المسارات إنما ليمنح الرؤية لجيل المستقبل، كي يبذل جهوده في قيادة الوطن العربي نحو المستقبل الخلاق، لتلافي أخطاء تاريخية وقعت، إلا أنه لم يكشف عنها بذاتية تحليلية يحاول من خلالها امتلاك ذهن القارئ، إنما عصف بالأذهان، لتولد الحقائق حرة، وتبقى في عمق الذاكرة تنتظر من يستخرجها من الذاكرة التاريخية ، كما استخرج الغواص كيس الذهب للخال " كان الخال إذن يخشى أن ينحدر الكيس إلى مواقع لا يمكن إدراكها والوصول إليها، وكشف في حديثه أن في الكيس فضلا عن النقود والمفاتيح وثائق وأوراقا يتعذر تعويضها." فهل فقد العراق، ومعه الوطن العربي في حروبه وثوراته وثائق وأوراقا وآثارا يصعب تعويضها ؟تساؤلات تعصف بذهن القارئ، ولكن كلما تساءل عن أمر جاء الجواب في الصفحات التالية، وكأنه يحاور القارئ بمنطق التحاور، فلم أشعر بالتعصب الفكري أو المذهبي، وإنما تكلم عن سلبيات وإيجابيات لكل شخصية ذكرها، ولكل حدث سياسي أمانة مؤرخ تجرد من الذات، وترك للحياة التي عاشها نقد مسيرته.
الكتاب يحمل قيمة جمالية لأزمنة لم نحيَ فيها، ولكن تجولنا فيها معه حسيا، وعبر أمكنة أحبها." "كالمحكمة" وهي الصالة التي يجلس فيها الحكيم" ومدينة النجف" ظلت هذه المدينة من أكبر المدن للفقه فناء، وأحسنها في الدين بلاء، وأوطأها للأدب كنفا." كذلك المكتبة العامة، ومقهى شط العرب، ومقهى البرلمان ، كما تعرفنا على المجالس الأدبية ، والجرائد والصالونات الأدبية ،بأسلوب تمهيدي مشوق فتح الباب بعده ليتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية في الوطن العربي والغرب، بعد أن أنهى رسالة الدكتوراه، وبدأ العمل في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
من مدينة كورونا كانت البداية الحقيقة للصعوبات، ولاستكشاف المجتمع الأمريكي، وتعدد الحركات الدينية فيه، ومع وما لفت نظره " فثمة بساطة متناهية عند أغلب السكان تستطيع أن تقرأها على وجوههم، وتستطيع أن تلحظها في ملبسهم الذي لا يكاد يفترق عن الغني" ليبدأ بالرؤية المشوفة في تحليلات العلاقات العراقية الإيرانية في عهد الشاه ، وبعد سقوطه إلى حرب تدمير العراق ، ومن ثم إلى دور العراقي المغترب إلى تكوين أنشطة ثقافية تحقق هوية وطن يحمل أدمغة وافئدة خلاقة، فهل " ما ظل عالقا في الذاكرة ولم يأت عليه النسيان" سيبقى في ذاكرة التاريخ؟ أم أن التاريخ ستكون أنغامه شبيهة بالكؤوس التي وصفها في مزاد بيع مقتنيات القصور الملكية " صنعت خصيصا لتشرب منها ملكة فرنسا أوجيني خلال افتتاح قناة السويس، فإذا قرعت الكؤوس بعضها ببعض إيذانا بنخب الافتتاح ، تحول رنين الكؤوس إلى نغم موسيقي متميز ."
أحب مصر وشعبها ، كما أحب العراق ولبنان ، وهو أول عراقي يدخل الأمانة العامة للجامعة العربية من بابها الرئيس، ففي الكتاب صور لمراحل مر بها. حقيقة حاولت البحث في القراءة الثانية للكتاب عن مواطن الكره في نفسه لأشخاص تحدث عن سلبياتهم ، كما تحدث عن إيجابياتهم ، إلا أنني لم أجد، فالمواقف الأدبية والسياسية كانت على الحياد، وهذا ما أقنعني أنه لم يعتمد على تشويه الوقائع، كما لم يتعاطف حتى مع صديق مقرب له، فما قاله عن أم كلثوم يقدم أبسط الأمثلة على ذلك، ليمنح القارئ الثقة بأنه الشاهد على كل الوقائع التي استخرجها من أعماق الذاكرة ، ليضعها بإخلاص في كل ذاكرة تقرأ كتابه " في أعماق الذاكرة ".
Doha EL mol