الروائي العراقي سعد محمد رحيم لـ«اللواء»: من عاش حرباً ستزوره كوابيسها حتى الرمق الأخير

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

قرأت روايته «فسحة للجنون» وازداد فضولي لمعرفته ومحاورته، بل! حتى لاستضافته في طرابلس ضمن ندوة كانت مقررة في شهر تشرين الثاني لمناقشة روايته التي تناولتها في مقال تم نشره سابقًا. وحقيقةً، لا أعرف لماذا تأخرت لأشهر في نشر حواري هذا معه، ربما لأننا لا نفكر بالموت الذي يخطف الأنفاس بسرعة الضوء، لنستفيق ذات صباح على صدمة رحيل الروائي «سعد محمد رحيم» الذي أبكاني ووضعني تحت صدمة استوقفتني فترة من الزمن أمام هذا الحوار الذي وضعه بين يدي ليتم نشره في جريدة «اللواء» تحديدًا لمحبته للبنان ومعالمه الأثرية التي أحبها، حتى شعرت أنه لم يرحل، بل! بقي في أعمال أدبية تجسد مدرسة روائية لأديب وروائي استطاع اختزال الجملة، ومنح القارئ قدرة على رياضة ذهنية في فن روائي يدركه النقاد الذين لو وضعوا أعمال «سعد محمد رحيم»، رحمه الله، تحت الضوء الفعلي للنقد الأدبي والفكري لوجدوا أنه ابتكر أسلوبًا روائيًا يمكننا من خلاله تعليم فن كتابة الرواية التي تحاكي مرونة الجملة، وقدرتها على الاختصار الثلاثي المبتكر والمتمسك بالفراغات التخيلية التي تسمح بتوسيع أفق الرواية، وبتشويق لا يفقدها الترابط والتناغم والسلاسة. لهذا أقول: عذرًا أيها الروائي الذي جعلني أتمسك بهذا الحوار وأقرأه ألف مرة قبل أن أرسله للنشر، لأن موتك صدمني رغم أنك الحي في وعي أعمالك الأدبية والروائية. ومع الروائي «سعد محمد رحيم» أجريت هذا الحوار، واسمحوا لي نيابة عنه أن أشكر جريدة «اللواء» لنشرها هذا الحوار الحي مع روائي خطفه الموت ومنحنا وعيه الروائي.

- ماذا عن روايتك (فسحة للجنون)، وما الذي أردت قوله فيها؟

هذه الرواية أعوِّل عليها كثيرًا، وأرجو أن يجد القراء فيها ما أردت أن أقوله حقًا. هي شهادة عن حقبة من منظور آخر، وهي تجربة مختلفة تحكي عن شخصية استثنائية قاومت الحرب بالجنون.. احتجّ بالجنون على الاستبداد وروح القسوة والعنف والكراهية، وأدرك شناعة المأساة المقبلة قبل أن يفطن إليها الآخرون. تمثل (فسحة للجنون) صرخة الحياة الأليمة والعارية ضد قوى الظلام والحقد والموت. وبطلها (عامر) أو (حكمت) كما زعم بعد تحوّله الدراماتيكي، يقدم صورة مكثفة للعراقي المبتلى بظروف قاهرة، وللإنسان الذي يثبت خصاله الإنسانية بالحب على الرغم من كل شيء.

- تتميز روايتك بدقة الملاحظة في التفاصيل. هل منحتها ذلك لاحتياجات روائية أم من أجل رؤية خاصة؟

التفاصيل ضرورية لمنح الرواية بعدها الواقعي وجعلها مقنعة. لكنها تكشف أيضًا دواخل الشخصيات التي تعيش معها وتنظر إليها وتتحسسها. لا أكتفي بالوصف المجرد، بل أعرضها عبر عين راءٍ وحواسه. للتفاصيل عندي وظيفة بنائية في السرد شكلًا ومضمونًا. وكانت تتلخص رؤيتي في أن أفضح القبح من منظور جمالي خاص.

- المشهد في الرواية محكم البناء. لماذا أخذت دور العين السحرية المتحركة؟

أفكر بهارمونية بناء الرواية، بتوازنات عناصرها، وبإيقاعها الداخلي. وكل مشهد لابد أن يتعاشق مع المشاهد الأخرى بانسجام كما هو الحال في السيمفونية أو في فن العمارة. لا أحب الزوائد التي تثقل النص. أما الفراغات التي أتركها لفطنة القارئ، فأسعى كي تكون جزءًا من جمالية النص. ويسعدني أنكِ اكتشفتِ لا المشهد فحسب، وإنما العين التي تراه كذلك. وأظنني استفدت في هذه الرواية من تقنيات السينما في تصوير الأحداث وحركة الشخصيات وعلاقاتها، والتعاطي مع زمن السرد. وبهذا، كما أعتقد، ضمّنت شرط المتعة في أثناء القراءة.

- تفاصيل اجتماعية حتى في الخوف على الحيوانات من الحروب. متعة أم بذخ أم هو الحس الإنساني لحقوق المخلوقات كاملة؟

لسنا وحدنا على هذا الكوكب. ويقينًا، ألحقنا نحن البشر دمارًا هائلًا ببيئتنا وبيئة الكائنات الأخرى. والحروب لا تفتك بالبشر فقط، وإنما بالمدن والأنهار والأشجار والحيوانات كذلك، وقد رأيت ذلك بأم عيني. وكما ترعبنا الحرب وتقتلنا، فإنها ترعب كل ما هو حي وتقتله في الوقت نفسه. وشخصيًا، أرى أن دفاعنا عن حق الإنسان في الحياة يجب أن يوازيه دفاعنا عن كل ما يوجد ويعيش معنا. والرواية وسيلة إبداعية لنفصح عن احتجاجنا على قتلة الحياة والجمال.

- تفاصيل دقيقة لم تتركها بل منحتها صورة المشهد كاملة. قد لا يتقبل القارئ كل هذا. ما رأيك؟

الوصف عندي يُنسج مع حركة الشخصيات ومع التصعيد الدرامي للأحداث. فلست أميل إلى الوصف المجرد الذي يبعث على الملل. الشخصيات في رواياتي لا تتحرك في فراغ، وإنما في محيط طبيعي واجتماعي. ولكي يقتنع القارئ بما يقرأ، لا بد من إشارات لأشياء ذلك المحيط تجعل المشهد حيًّا. ولا أعتقد أن هناك وصفًا مسهبًا يستغرق نصف صفحة من غير أن يتخلله فعلٌ ما.

- الحرب هاجعة في هذه الساعة ومعايير لحرب واحدة تكررت صفاتها. متى نغادر عربيًا روايات الحروب؟

غالبًا ما ترسم الحروب أقدارنا، وطبيعة شخصياتنا ورؤانا إلى الوجود وكوننا النفسي والاجتماعي. وإذاً، كيف لنا أن نتحدث عن أي شيء إن لم تحضر الحرب على خلفية المشهد؟ كيف لنا أن نحب ونعمل ونلعب وننام ونصحو متجاهلين رماد الحرب الذي يلتصق بجلودنا وزجاجات نوافذنا؟ من عاش حربًا ستزوره كوابيسها حتى الرمق الأخير.

- هل اختصرت الجمل ورتبتها لتكون مهيأة للترجمة بشكل صحيح دون أن تفقد المعنى؟

حين أكتب، لا أفكر بشيء، لا بترجمة ولا بجائزة قد ينالها عملي، كما لو أن شخصًا آخر يكتب لاهيًا من خلالي. وحين أراجع جدّيًّا ما كتبت، لا أفكر إلا بقارئ مثالي، ناقد، مدقق، وقح وساخر يحصي عليّ إخفاقاتي وزلاتي. ولذا تصبح معي المراجعة مرهقة مؤلمة وطويلة. قد تعجبين إن قلت لكِ إنني أقرأ العمل الروائي قبل نشره أكثر من ثلاثين مرة. وفي كل مرة أغيّر، أضيف وأشطب وأرمم وأبحث عن الإيقاع. حينها أرى روايتي معروضة أمامي كما لو كانت على شاشة كبيرة، وأسمع الجمل كأنها ملحّنة. لذا، أي اختلال سرعان ما أشعر به، وأكاد أبكي إن لم أفلح بمعالجته. أبحث عن التناسب بين الجمل القصيرة والجمل الطويلة. وطول الجملة تقتضيه طبيعة المشهد الروائي وإيقاع حركته.

- لا مطابخ عامرة في البلدة لتحتال القطط على ربات البيوت وتسرق منهن قطع اللحم المعدة للطبخ. ألا تظن أن هذه الجملة اختصرت المعاناة في الرواية؟

ربما، لا أدري. هذا اجتهادكِ وتأويلك في القراءة. وأعترف أن اختيارك لهذه الجملة ذكي ولافت. وهي تشير إلى نزوح سكان البلدة وخلو الحياة في بيوتها بسبب الحرب، وإلى جوع الحيوانات التي لم تعد تجد شيئًا لتأكله. لاحظي أن في هذه الجملة نبرة ساخرة. وتبقى منطقة الرواية، كما تعلمين، أوسع من أن تختصر في مشهد واحد، ففي كل بقعة منها خزين دلالات ينتظر حذاقة القارئ للكشف عنها.

برؤية تحديثية تحليلية تتناول رواية «فسحة للجنون» للروائي العراقي سعد محمد رحيم موضوعًا معقدًا وعميقًا يتمحور حول الحرب وتأثيرها على النفس البشرية والمجتمع. من خلال شخصية عامر، الذي يعيش في صراع مع جنونه كوسيلة لمقاومة الاستبداد والعنف، يُقدم لنا رحيم تصويرًا دقيقًا لواقع إنسان مكسور يحاول العثور على معنى للحياة وسط الفوضى والدمار.

يتميز أسلوب رحيم السردي بدقة الملاحظة وعمق الوصف، حيث تسلط الرواية الضوء على تفاصيل الحياة اليومية والتفاعلات الاجتماعية التي تشكل هوية الشخصيات. لا يتوقف الكاتب عند تصوير مآسي الحرب فحسب، بل يغوص في العمق النفسي للشخصيات، مظهرًا كيف تعكس مشاعرهم آلامهم وآمالهم. إن القدرة على تقديم تجارب إنسانية حقيقية في ظل الصراعات، هي ما يميز هذا العمل، ويعكس رؤية رحيم الروائية في ضرورة الاعتراف بالإنسانية حتى في أحلك الظروف.

يتجلى الهدف الروائي في استكشاف قضايا الهوية والانتماء والإنسانية. يطرح رحيم تساؤلات عميقة حول كيف تؤثر الحروب على الروح البشرية، وكيف يُمكن للجنون أن يكون وسيلة للاحتجاج على قوى الظلام. الشخصية الرئيسية، عامر، ليست مجرد ضحية، بل هي رمز للصمود والتحدي، مما يفتح المجال لقراءة جديدة للجنون كفعل مقاومة. بهذا الشكل، يسلط رحيم الضوء على أهمية الحب والأمل كأدوات للبقاء في عالم مُعزول عن الجمال.

تحمل الرواية رسالة قوية تتجاوز مجرد كونها سردًا لأحداث الحرب. إنها دعوة للتفكير في القضايا الاجتماعية والنفسية التي يواجهها الإنسان في ظل الأزمات. أسلوب رحيم المتوازن بين السرد الدقيق والتحليل النفسي، يجعل القارئ يتفاعل عاطفيًا مع الشخصيات. إذ تبرز الرواية كمرآة تعكس صراعات مجتمع بأسره، مما يجعلها تجربة غنية تستحق التأمل.

في النهاية، تُعد «فسحة للجنون» أكثر من مجرد رواية؛ إنها تأمل في الحياة والموت، الأمل واليأس، الإنسان والحرب. يُبرز سعد محمد رحيم من خلال عمله هذا ضرورة أن نرى ما وراء الصراعات وأن ندرك أن الجنون، في بعض الأحيان، ليس إلا استجابة إنسانية عميقة لأهوال لا يمكن تصورها. بهذه الطريقة، يقدم رحيم ليس فقط سردًا روائيًا، بل رؤية فكرية وثقافية تدعونا للتفكير في مفهوم الإنسانية في زمن الحرب.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%85-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D8%B4-%D8%AD%D8%B1%D8%A8%D8%A7-%D8%B3%D8%AA%D8%B2%D9%88%D8%B1%D9%87-%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%B3%D9%87%D8%A7-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1/