فن العيش الفلسطيني وإحياء الوجود الذي لا يموت بالفن
ضحى عبدالرؤوف المل
يلعب الفنان "علي غازي عبدالعال" دورًا مهمًا في إحياء الوجود الفلسطيني عبر لوحاته التشكيلية، بمختلف الأساليب، وإن شدد على التكعيب في بعض لوحاته. إلا أن صياغته اللونية والحبك التشكيلي الموضوعي المعزز بمعنى الكفاح والتحرير من خلال الفن يتضمن حكايا النضال والبقاء بعيدًا عن الاحتلال وهموم الصراع، والاستمرار في تقليص أوجاع الشتات الفلسطيني من منظور فن العيش الفلسطيني وإحياء الوجود الذي لا يموت، بمحاولات فنية هي نظرة خاطفة على الماضي والحاضر لاسترداد كل الغموض الذي يكتنف المستقبل، للعودة إلى جمالية الأماكن، واسترداد المنظر الطبيعي للحياة الفلسطينية التي يحلم بها "علي عبدالعال"، ويحاول وضعها في لوحات تخلق تخيلات حول ما تم انتهاكه من حقوق الإنسان الفلسطيني الذي رسمه وهو جالس تحت شجرة ينتظر قطيعه، أو امرأة دمجها بزوايا تكعيبية وألوان تحمل عدة تعبيرات بتشابك تعبيري، وإن حافظ على النكهة التكعيبية من خلال النقاط وتوازنها في التوزيع. لتكوين زوايا حادة مخفية هي تعبير عن وجع كل فلسطيني، وعن أوجاعه الذاتية التي يرسمها وفق خطوط غير مرئية يخفيها بالألوان، وقدرتها على إظهار المعادلات البصرية التي ينتهجها "علي غازي عبدالعال" في لوحات تمثل الشتات الفلسطيني والعودة في الزمن المعاصر والماضي الجميل الحي في الفن الفلسطيني الذي يصرخ في لوحات عبدالعال بجمالية تمثل الحصول على الاستمتاع بالحياة، والحفاظ عليها لأنها التحقيق الأمثل للعودة. فهل لوحات الفنان الفلسطيني "علي عبدالعال" هي الوجود الحي للفلسطينيين في ذاكرة أبنائها ومستقبلهم الذي يطمحون الوصول إليه؟
يقاوم الفنان الفلسطيني بريشته المغموسة بالألوان حق العودة، وبعدة طرق يمارسها، هي مقاومة لاحتلال لا يمكنه السيطرة على المشهد البصري الذي يضعه الفنان الفلسطيني بين مساحات كل لوحة. لتطهير أراضيه من احتلال لا يمكنه استعمار لوحة تشكيلية تتحرر كليًا من الضعف، بل تجسد قوة لمقاومة فنية يتم تنشيطها بالألوان والأشكال والأحجام والمعاني والعاطفة الوطنية، والعقلانية المخفية بتكعيب هو هندسة ذهنية يحافظ عليها عبدالعال، وقد منح لريشته الحكايا أحيانًا، تاركًا عجوزًا هنا وامرأة هناك وأطفالًا عراة يتناغمون مع حنان الأم والوطن، وكأن فلسطين ما زالت كما هي ولم تحتل. بل يترك للتكعيب قوة تمثيل النضال الذي يحتاج إلى عدة نقاط يوازنها بصريًا ببراعة وتلقائية ومرونة، هي إدراك لعبارات فنية تتشكل مع الخطوط والشفافية، وبتوثيق يكشف عن الحياة البسيطة التي يعيشها الفلسطيني بعيدًا عن الاحتلال. وأيضًا يتحدى الصعوبات التي تواجهه بالفن الذي يقدم من خلاله رؤى بصرية تحرره من الحصار المفروض عليه في كل مكان، وبتأليف لمشهد فني فلسطيني يحمل هموم قضية بعيدًا عن الرؤية النمطية الضيقة. بل بالتخطي وبخلق حياة موازية يمحو بها المفاهيم النمطية عن شعب يعاني، ويناضل بكل الوسائل ليبقى وفلسطين على قيد الحياة.
يعيد الفنان الفلسطيني "علي غازي عبدالعال" مفهوم الإنسانية إلى كل فلسطيني يرسمه تصويريًا أو تعبيريًا أو حتى تكعيبيًا، وبإيجابية يبعد عنها الصورة السلبية التي تحاول القوى المعادية إلصاقها به. فيجذب البصر نحو الحركة التي يخلقها في عمق الخطوط التي تنشأ من توزيعه لنقاط هي بمثابة العيون التي يراها تحيا كأطياف خالدة، لشعب يمارس حق العودة بالفن التشكيلي وفضاءاته التي تتسع لتفاصيل فضية شعب يحمل الحنين إلى أرض يراها بفنتازية تخللت بعض لوحات "علي عبدالعال". لتوسيع آفاق فكرة العودة وجماليتها، وهي تمثل وجودًا يحبكه في كثير من لوحاته بالفن التكعيبي وقدرته على مجابهة الصعاب بالصبر والأناءة، وبأسلوب منمق وغني من حيث الفكرة التي ينطلق منها متحديًا التصوير والتعبير والتكعيب بالخط وأسسها، وهو يمثل في أعمال الفنان الفلسطيني خط الدفاع عن فلسطين. وإن في لوحات الفن التشكيلي التي تمثل هوية فلسطينية لا يمكن انتزاعها من شعب يمارس حقوقه الإنسانية بجمالية الفن التشكيلي ودوره الكبير في تحقيق حلم العودة.
الإيقاع في الفن هو عنصر حيوي يضفي على العمل تشويقًا وحركة. في لوحات "علي غازي عبدالعال"، نجد أن الإيقاع يتجلى من خلال تداخل الألوان والأشكال. الألوان المتنوعة تستخدم لخلق تباينات قوية، مما يسهم في إثارة المشاعر لدى المتلقي. يمكن ملاحظة أن استخدامه للتكعيب يساهم أيضًا في إيقاع العمل، حيث تساهم الزوايا الحادة والتكوينات الديناميكية في خلق حركة بصرية تنقل المتلقي بين عناصر اللوحة.
تتجاوز الرؤى البصرية في أعمال "عبدالعال" مجرد تمثيل الواقع، لتصبح تعبيرًا عن الهوية والذاكرة الفلسطينية. تتضح الرؤى البصرية في دمج الرموز والموضوعات الثقافية، مثل الشجرة والمرأة، لتجسيد الروابط بين الإنسان والأرض. تخلق الألوان المتداخلة زوايا تفاعلية تنقل شعورًا بالحنين والأمل، مما يسمح للمتلقي بالتفاعل مع التجربة الفلسطينية بعمق.
من الناحية النفسية، تعكس لوحات "عبدالعال" معاناة الشعب الفلسطيني ورغبتهم في العودة. اللوحات تجسد التوترات النفسية الناتجة عن الاحتلال، حيث تُعبّر الأشكال والألوان عن الصراع الداخلي بين الأمل واليأس. التعبير الوجهي للوجوه المرسومة، حتى وإن كان غير واقعي، يلامس مشاعر القلق والحزن، مما يخلق تواصلًا عاطفيًا قويًا مع المشاهد.
الفن، بالنسبة لعبدالعال، هو وسيلة للتعبير عن الجمال في ظل المعاناة. الجمال لا يُختزل في الأشكال التقليدية، بل يتجسد في القوة التعبيرية للألوان والأشكال. الجمالية في أعماله تظهر من خلال التباين بين الألوان الزاهية والألوان الداكنة، مما يخلق إحساسًا بالتوتر والجمال معًا.
التعبير الفني في لوحات "عبدالعال" يعتمد على استخدام العناصر التشكيلية بشكل يعكس الحالة النفسية للفنان والشعب. تشتمل أعماله على مشاهد من الحياة اليومية، ولكن بأسلوب تعبيري يشكل صدى للصوت الفلسطيني. تتداخل العناصر التشكيلية لتكون تجسيدًا للوجود الفلسطيني، مما يعكس الصمود والإصرار.
يمكن القول إن أعمال "علي غازي عبدالعال" تشكل تجسيدًا لرحلة إنسانية وجمالية معقدة، تعكس الانطباعات النفسية والاجتماعية لفلسطين. من خلال الإيقاع والرؤى البصرية، تخلق أعماله تجربة غنية تغمر المتلقي في عمق الوجود الفلسطيني، ما يجعل من كل لوحة نافذة تعكس الصراع، الأمل، والجمال.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%BA%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF/