هل تمثل شجرة الدر في رواية "سلطانة القاهرة" تاريخ المرأة في العالم الشرقي؟

ضحى عبدالرؤوف المل

أشفقت على شجرة الدر وأنا أقرأ رواية "سلطانة القاهرة" الصادرة عن "دار نوفل". شعرت لو أن شجرة الدر عادت إلى الحياة في هذا الزمن، لاختارت أن تموت كما ماتت في زمن لم يكتبها فيه الراوي المفسد للشخصيات التاريخية، وهو معرف معلوماتي غير قادر على التخييل أو على الإمساك بخيوط الشخصية الرئيسية، وتحليل مواقفها ليحافظ على مصداقيته الإنسانية دون الاستهتار بذهن القارئ. فالراوي المفسد للشخصيات التاريخية يمارس نوعًا من التدليس الإنساني، وإن وضع الأحداث كما هي تاريخيًا، إلا أنه يقلل من شأنها سياسيًا واجتماعيًا وعاطفيًا، وبالتالي يقتلها في ذهن القارئ بسلبية ومكائدها، ويضعها في دائرة المستضعفين على الأرض، وهي ليست كذلك.

ما هي مهمة الرواية التاريخية؟ وكيف يُكتب التاريخ؟ وهل من أرّخ لها هو المفسد؟ أم إن الرواية قطعة من "ألف ليلة وليلة" أو خرجت من أكمام الحمال وبناته السبع؟ أم أنها إسقاطات ذاتية حالمة على شخصية نسائية قوية؟

رواية، رغم أنها تعتمد على وثائق تاريخية، إلا أنها تجعلنا في أجواء "ألف ليلة وليلة"، وتجذبنا إلى عالم آخر أو إلى ما وراء الخطوط التاريخية التي استندت إليها "ديما دروبي"، كما سلطت الضوء على أبرز الأحداث الملتهبة في الشرق أثناء حكم المرأة التي تم اختطافها من جبال القوقاز، لتنضم إلى الحريم، ومن ثم تصبح زوجة الصالح أيوب، قبل أن تتخذ الأحداث منحى آخر بعد ارتباطها برجل آخر وهو أيبك. وتسلسل الأحداث معلوماتيًا ضمن الوصف الذي يتخلله الحدث. فهل من وجهات نظر تاريخية ناتجة عن فهم أبعاد الشخصيات وارتباطها ببعض ضمن حبكة تاريخية، أم إنها تنتمي إلى "ألف ليلة وليلة" وعصر الحريم في هذه الرواية؟

رواية تستند إلى الحقائق التاريخية معلوماتيًا، بتكثيف غير مترابط بين الشخصيات التي يشعر القارئ بأنها غير متوائمة مع قوة هذه المرأة التي استطاعت الوصول إلى سدة الحكم بعد وفاة زوجها. إضافة إلى المؤامرات التي حبكتها واستطاعت من خلالها الفتك بالكثيرين ممن حاولوا إبعادها عن سدة الحكم، إلا أنها في رواية "سلطانة القاهرة" امرأة مستضعفة حتى عاطفياً وجنسياً، وهذا يظلم الشخصية التاريخية في كثير من النواحي النفسية والسياسية.

ومهما يكن من تاريخ ملفق يكتبه عادةً وعاظ ومرتزقة ومدلسون وعبيد للمناصب والأديان والسلاطين، فإن عصر شجرة الدر كان من أقوى وأزهى عصور المماليك في مصر. فقد حكمت هذه المرأة ببراعة واجتثت معارضيها، وعمّ في زمنها السلام بعد أن بسطت نفوذًا قويًا على البلاد، فكيف لسلطانة بهذه القوة أن تُضعف شخصيتها روائيًا؟ لتكون في رواية "سلطانة القاهرة" مجرد امرأة تلهو في أقبية قصرها وتمارس سحر فتنتها وجمالها دون عقلها، أو امرأة حكمت الرجال الذين رفضوا أن يولوا أمرهم امرأة وهي السلطانة.

أو أن تشعر بالإذلال قبل أن يثبت لها "مشهد الخضوع الجنسي الذي كانت مضطرة إلى لعبه، أن أيبك نجح في القيام بانقلاب حقيقي ضدها وضد كل فلول النظام السابق". فلماذا الحذر في مشهد لم نعرف كنهه الجنسي؟ وما هي مقوماته التي لعبت من خلالها على أيبك؟ وأين سطوتها الجبارة التي وصفتها بمشهد الخضوع الجنسي المجهول التفاصيل؟ فهل هذه أبعاد البوح الجنسي في أدب الاسترجاع؟ وهل يمكن وضع شجرة الدر في الميزان الروائي الذي يستدرج القارئ نحو نص يغلب عليه التقرير والمعلومات أو الوثائق التاريخية؟

من حكموا التاريخ، من كان يحكمهن؟ سؤال طرحته على نفسي وأنا أقرأ هذه الرواية التي دفعت بي نحو شجرة الدر لاستخلاص الحقائق التاريخية الفعلية، ومسيرة حياة امرأة لا يمكن تحليل شخصيتها كاملة ما لم نتأمل المواقف السياسية التي اتخذتها وتأثير انعكاساتها على شخصية المرأة التي حكمت البلاد بعيدًا عن إضعافها من خلال استدراجها للرجل إلى مخدعها لتقول له: "الدليل أنني عند قدميك اليوم استغفرك عما قمت به في ساعات يأس". وبهذا تخرج الرواية عن كونها وثيقة تاريخية لتدخل في التعبير عن ذات مؤلفتها بعيدًا عن الموضوعية التاريخية للشخصيات الروائية، وإبراز قوة وضعف امرأة لم ينسها التاريخ.

برؤية تحديثية رواية "سلطانة القاهرة" للكاتبة ديما دروبي تفتح لنا أبواب التاريخ من منظور جديد، حيث تركز على شخصية شجرة الدر، المرأة التي حكمت مصر في فترة من أكثر الفترات اضطرابًا. تتناول الرواية ليس فقط الأحداث التاريخية، بل تعكس أيضًا التحديات الاجتماعية والنفسية التي واجهتها المرأة في مجتمع يتسم بالذكورية.

من خلال شخصية شجرة الدر، تسلط الرواية الضوء على التناقضات التي تتسم بها الحياة النسائية في الشرق. فرغم أنها كانت السلطانة، فإنها تُصور أحيانًا كضحية لقيود المجتمع وتقاليده. على الرغم من قوتها السياسية ومهاراتها في المناورة، نجدها تخضع لمشاعر الضعف والقلق في مواجهتها للمجتمع الذكوري. وهذا يعكس كيف يمكن للمرأة أن تمتلك السلطة وتظل في الوقت نفسه محاصرة بقيود اجتماعية.

تسعى الرواية إلى الجمع بين التاريخ والأسطورة، حيث تستخدم الكاتبة عناصر من "ألف ليلة وليلة" لتضيف عمقًا شعريًا على السرد. هذا الاستخدام لا يهدف فقط إلى التسلية، بل أيضًا إلى إظهار كيف يمكن أن تُحوّل الأساطير التاريخ إلى قصص محورية تمس جوانب من الهوية الثقافية. تجعلنا الرواية نتساءل: هل تمثل شجرة الدر التاريخ الحقيقي للمرأة في الشرق، أم هي تعبير عن رؤى وأحلام الكاتبة؟

قصة شجرة الدر تبدأ باختطافها من جبال القوقاز، وهذا الحدث يمثل تحولًا جذريًا في حياتها. يرمز الاختطاف إلى كيفية تغيّر مصير المرأة بيد القوى الخارجية، وكيف أن ظروف الحياة يمكن أن تفرض على الفرد مسارات غير مخططة. ومع ذلك، يظهر قدرتها على التكيف والنجاح، مما يسلط الضوء على قضايا القوة والإرادة في سياق المجتمعات المعقدة.

تتناول الرواية أيضًا العلاقة العاطفية بين شجرة الدر وأيبك، حيث تسلط الضوء على كيف يمكن أن تتداخل المشاعر الشخصية مع صراعات السلطة. إن تصوير العلاقة كمزيج من الحب والخيانة يعكس تعقيدات العلاقات في سياق السلطة، ويثير تساؤلات حول كيف يمكن للمرأة أن تحتفظ بقوتها وسط التحديات العاطفية.

تستخدم الكاتبة أسلوبًا سرديًا يمزج بين الوقائع التاريخية والأبعاد النفسية، مما يجعل القارئ يشعر بتوتر الأحداث وبحقيقة مشاعر الشخصيات. كما أن الحوار الداخلي لشجرة الدر يكشف لنا عن عمق معاناتها، مما يعزز من تعاطف القارئ معها.

"سلطانة القاهرة" ليست مجرد رواية تاريخية، بل هي أيضًا دراسة اجتماعية تبرز التحديات التي تواجه النساء في المجتمعات التقليدية. من خلال تقديم شخصية شجرة الدر في أبعادها المتعددة، تسعى الكاتبة إلى إعادة كتابة التاريخ من منظور يسلط الضوء على قوة المرأة وضعفها في الوقت نفسه. إن هذا التنوع في الرؤية يجعل الرواية غنية بالدلالات، ويدعو القارئ للتفكير في الدور الذي تلعبه النساء في التاريخ وكيف يمكن أن تتغير الرواية التاريخية إذا ما تم النظر إليها من زوايا مختلفة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A7-%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%85%D8%AB%D9%84-%D8%B4%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8A/