عصر السلام الذي ينتظره الكثيرون
رواية "حين تستحيل الحياة نوراً" للكاتب "سارادار أوزكان"
ضحى عبدالرؤوف المل
بُلّغ المؤتمن الجديد للكتاب الذي جعل منه "سارادار أوزكان" في روايته "حين تستحيل الحياة نوراً"، الصادرة عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، الأمانة خاصة، وأنه سيكون الحافظ الجديد لها. ومن المهم معرفة أن كتاب الأمل ينتقل دائماً إلى طفل. أما محتويات الكتاب فهي الرحلة الحقيقية التي يصاحبنا فيها "سارادار أوزكان" مع المؤتمن الجديد لمعرفة المحتوى حيث "تردد ذكر المبارك في الكتاب أكثر من مرة، ووصف بأنه آخر حفظة الكتاب"، بأسلوب يضفي الحكمة عليه نوعاً من الوعي الوجودي المكتشف تبعاً للبحث والتفكر بالخالق. عبر طفل اختبر الحياة بتسلسل زمني، وكتب عن معناها دون الوقوع في فريسة الأوهام التي يبعدنا عنها بتؤدة وانسيابية، وبسرد يكشف عن قيمة البعد الزمني الذي يحياه الإنسان بعفوية العمر أو السنين التي يبدأها طفلاً، ولا يعرف متى تنتهي. إلا أنه الحامل لكتاب المعرفة أو كتاب قوانين الحياة التي تتغذى على الوجود الإنساني وخصوبة الزمن المتتابع من الطفولة إلى الرشد في رحلة مذهلة للحب والأمل والحياة في عالم سحري تحتويه مفاهيم الحياة الحقيقية.
رغم بساطة الحدث الروائي، استطاع الروائي "سارادار أوزكان" إدخالنا في متاهة الأدب الفلسفي والوجود الخالد الذي لا يفنى، وصراعات النفس الأمارة بمختلف تنوعاتها، واضعاً فكرة الملاك والخلود بين هلالين، وضمن خاصية الرؤية التي لا يمكن أن ترافق الحياة، لأنها ضمن ما يشبه رايات تسلمها الأجيال لبعضها البعض. وهذا ما لم يفهمه عمر الطفل وعمر الشاب، والدلفين الذي رافقه في تساؤلات لا تنتهي، وهي الأفكار التي تراود النفس المجبولة على الخير والشر أو بالأحرى على الخطيئة والوساوس، وفكرة الموت التي تطغى على مخاوف الإنسان. فتجعله في جمود أو كالمحنط في العقائد والمفاهيم التي يحملها الكتاب دون محاولة من الإنسان فهمه أو ماهيته أو كنهه، أو حتى تبسيط مسألة الموت والحياة والخطيئة والإثم، والغنى والفقر والتفاوت البشري، أو التفاوت الإنساني. "فإن كل سعادة نعرفها في هذا العالم هي مجرد عبق سريع التلاشي، خلفته السعادة وراءها، وهي تتجول في عالمنا". فكل قيم ترحل تدفع إنساناً آخر إلى الرحيل، وما تركيبته الروائية هذه إلا معالجة للمفاهيم العقائدية التي ننشأ عليها، وتجعلنا ضمن حدود الخوف من الثواب والعقاب والخوف من الله. بينما الخالق أنعم علينا بجمال الكون وجعلنا في رحلة كونية مع أنفسنا نفتش عن الذات ونبحث عن الوجود لنرحل بسلام.
رغم برودة الحدث الروائي، إلا أنه استطاع تحفيز فضول القارئ لمعرفة نهاية شخصية عمر الذي يريد الخلود أو الانتقال إلى عالم النور، وهو ما يشبه رحلة يونس في بطن الحوت أو رحلة الخضر مع العبد الصالح، ولكن بأسلوب تفرد به عبر لغة يحاكي فيها كافة المراحل من خلال تموضع الشخصية الروائية وما كان يجهله في الطفولة، واكتشفه في الشباب، بات مدرسة يستطيع من خلالها تعليم الآخرين معنى الأمل والحب ومحو اليأس والخلود والحياة والخطيئة، كأن الانتقال من حياة إلى حياة أخرى مجهولة التفاصيل إلى الواقع الروائي والواقع الآخر المتخيل. لنستنتج أنه لا يمكن الحكم على الأفراد الذين نجهل ما بداخلهم أو نكره ما خلقه الله، وأن لا نبحث في أمر الخلود والخطيئة، ولكن يجب أن نعيش في رحلة نكتشف فيها أنفسنا التواقة للخير.
استطاع "سارادار أوزكان" التلاعب بالزمن الروائي وتقسيمه إلى أجزاء لا تنفصل عن الفكرة، ولكل منها مضمونه الخاص من صحبته للدلافين إلى صداقته مع المرأة. فالصداقة في الرواية كركن أساسي، وهي القناعة أن الصحبة في الحياة تجعلنا نبلغ النور الذي نبحث عنه في ماورائيات نؤمن بها ونجهل كنهها الحقيقي أو المادي. لأننا نشعر بها حسياً تبعاً للتربية والأساطير والعقائد وغيرها. فهل حين تستحيل الحياة نوراً هي المعرفة التي يجب أن يتبع نورها الخفي الإنسان الباحث عن حقيقة الوجود أو حقيقة الموت والحياة؟
وحش الأنا وضيق النفس في دنيا واسعة، وفلسفة الموت والحياة والبحث عن الإيمان المطلق بالجوهر والوصول إلى النور من خلال التقشف أو الالتزام بكتاب سلمه له ذلك الرجل، وهو بدوره سيسلمه لمن يخلفه. إلا أن رحلة الحياة الشاقة جزأت الرواية، وجعلت من كل جزء حكاية وصلت إلى أقل من ثلاثين، وإن بدا عمر راشداً في موت وحياة، وغموض اللحظات في قبر يصبح فيه الإنسان فيلسوفاً. فهل يحاول مزج طقوس الموت بأسلوب فلسفي وجودي يتخذ منحى البحث عن النور أو الجوهر أو الخالق، أو تبرئة الإنسان من عقائد محشوة في رأسه منذ الطفولة، وما هي إلا الطرق المختلفة التي يتبعها الإنسان منذ القديم وحتى الآن؟ أم هي تأملات في الموت والحياة لتحرير الأنا من سلطة التشدد؟
انشر الحب ولا تؤذِ نفسك، واحمل كتابك بيمينك وامشِ على ماء البحر، لتنشر المحبة والسلام في العالم. هذا ما يريده سارادار أوزكان من رواية فلسفية تؤكد على أحكامنا التعسفية، وعلى الأفكار المتوارثة والاعتقادات الخاطئة، وأن بأسلوب فلسفي بطيء يدفع بالقارئ نحو عمق طفولي يتساءل عن كل شيء في الوجود، عن القضاء والقدر، وعن الله، وعن البشرية من خلال الدلفين، وعن الملائكة من نور وملاك الموت. كل هذه الفلسفة في رواية ذات هلوسات نفسية تحدث عند الخوف من الموت والخطيئة والشر وقتل النفس. ليُمحى في النهاية ضبابية الأفكار السوداوية، رغم الأحذية الزرقاء التي تمناها، ومنعه والده من شرائها. ليقي التمني بالحرية قيداً نورانياً وتفاصيل حياتية جزأها وربطها في خيط هو الرؤية الفلسفية للرواية ذات الحبكة التساؤلية المكللة بوحش الأنا وقتله، ليُتحرر الإنسان.
برؤية أخرى تُعد رواية "حين تستحيل الحياة نوراً" للكاتب سارادار أوزكان عملاً أدبياً يثير العديد من التساؤلات حول وجود الإنسان وهدفه في الحياة. من خلال استعراض رحلة شخصية عمر، يتناول أوزكان قضايا عميقة تتعلق بالهوية، الخلود، والمعنى الحقيقي للحياة. تتجاوز الرواية حدود السرد التقليدي لتغوص في أعماق النفس البشرية، مسلطةً الضوء على صراعاتها الداخلية وأفكارها الفلسفية.
كما تُعد أيضاً نصًا أدبيًا متشعبًا يستعرض الصراع الإنساني مع مفاهيم الوجود، الهوية، والخير والشر. من خلال شخصية عمر، يجسد أوزكان رحلة البحث عن المعنى، محاولاً التوفيق بين التجارب الحياتية والعواطف البشرية المتناقضة. تُقدم الرواية دعوة للتفكر في طبيعة الحياة والمصير، حيث تُعبر عن آمال الفرد وتطلعاته في عالم قد يبدو مظلمًا.
يسعى أوزكان من خلال روايته إلى تقديم رؤية فلسفية تُسلط الضوء على التجربة الإنسانية في مسعى للخلاص الذاتي. يتمثل الهدف الرئيس في استكشاف معاني الحياة والموت، والخير والشر، من خلال تفاعل الشخصيات وتجاربها. يتجاوز أوزكان الحدود التقليدية للرواية، ليخلق فضاءً يدمج بين السرد الاجتماعي والفلسفي، مما يعكس قلق الإنسان الحديث في سعيه للعثور على هدفه.
تتمحور الرواية حول شخصية عمر، التي تمثل الصراع الداخلي الذي يعيشه كل فرد في مجتمعه. يتفاعل عمر مع مجموعة من الشخصيات التي تعكس تنوع التجارب البشرية، مثل الدلفين الذي يمثل الحكمة والمساندة، والمرأة التي تمثل الحب والمشاعر الإنسانية. من خلال هذه التفاعلات، يُبرز أوزكان كيف أن العلاقات الإنسانية تُشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفردية، وأن التواصل بين الأفراد يُعزز من فهمهم لذواتهم.
تتناول الرواية صراعات وجودية عميقة تعكس القلق البشري تجاه الموت والخطيئة. يتساءل عمر عن معنى الحياة ووجوده في عالم مليء بالتحديات. هنا، يستعرض أوزكان بأسلوب سردي انطباعي كيف يمكن أن تؤدي هذه التساؤلات إلى حالة من الشك والبحث المستمر عن إجابات. تعكس الصراعات النفسية في الرواية التوتر بين الأمل واليأس، مما يجعل القارئ يتفاعل مع مشاعر شخصياته ويتأمل في تجاربه الخاصة.
تتجلى الفلسفة الكامنة في الرواية من خلال التأملات التي يقوم بها عمر. تتنوع تلك التأملات بين مفاهيم الخير والشر، الحياة والموت، مما يجعل القارئ يستشعر عمق الرسائل الروائية. تُظهر الرواية كيف أن مواجهة المخاوف والتساؤلات يمكن أن تؤدي إلى فهم أعمق للذات والوجود.
تُعد رواية "حين تستحيل الحياة نوراً" لسارادار أوزكان تجربة أدبية غنية تجمع بين السرد الاجتماعي والعمق الفلسفي. ينجح الكاتب في نقل القارئ إلى عوالم من المشاعر والأفكار، مُحفزًا إياه على التفكير في معاني الحياة ومواجهة التحديات. من خلال شخصية عمر، يُظهر أوزكان كيف يمكن للتجارب الشخصية أن تشكل الفرد وتساعده على البحث عن الأمل في عالم معقد، مما يجعل الرواية عملاً أدبيًا يستحق القراءة والتأمل.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://www.alquds.co.uk/%ef%bb%bf%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d9%83%d9%8a-%d8%b3%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a3%d9%88%d8%b2%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d8%aa%d8%b3%d8%aa/