قسوة الدوران العبثي

قراءة في رواية "ناي بدوي" للروائي "نزار سيف الدين"

ضحى عبدالرؤوف المل

تحرر الروائي "نزار سيف الدين" في روايته "ناي بدوي" الصادرة عن "دار العلوم العربية" من الرومانسيات الروائية، وذلك برسم الواقع الزمني الذي يحيا فيه الراوي، مستكشفًا زوايا الحياة اليومية بعد عمر مضى بجميع أشكاله الاجتماعية ومشكلاته الأسرية التي يتعرض لها الفرد. وبتحليل يقدمه دون نسخ لواقع يعيشه، وإنما بتفرد سردي ذي أسلوب رفض فيه المثالية أو تقييم الفشل والنجاح بين الأفراد كافة، تاركًا للقارئ اكتشاف الأخطاء والحسنات، السلبية منها والإيجابية، في مسيرة بدوي الذي يعيش في مجتمع معاصر. إلا أن اسمه يحمل من البداوة مفاهيم يرفضها، أو بالأحرى يتعايش معها وفقًا لمبدأ الكاتب المختبئ في طيات تفاصيل الحياة التي تمتحنه أو تضعه في متاهات العمر وأرذله، أو تجعله يتذوق قسوة الدوران العبثي. "فوالله قبيح أن يأكل الإنسان ويشرب وينام ويستيقظ ويتبول دون هدف أو غاية." إذ لم يخدع الروائي "نزار سيف الدين" القارئ، بل وضعه على خط روائي يعكس العالم الحقيقي الذي نعيش فيه كما هو في جميع جوانبه، كمرآة واقعية في الحاضر الذي يمثل المجتمع بقيمه وأخباره ومشاكله، وتنوعه الاجتماعي من الكاتب إلى سائق التاكسي فالسياسي أو الحزبي، وكل ما من شأنه أن يبرز خلفيات تسمح للقارئ بمشاركة الروائي رؤيته للمجتمع، وما وصل إليه بعد رحلة من العمر لم يجد فيها الراحة رغم وصفه للعقول والصراعات والعلاقات، ودون أن يسعى إلى إيجاد مكانه بين أصحاب الفن والأدب، بل بالصمت أمام سائق التاكسي الذي يحلل الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، "ما بين إبداع العقول النيرة وأخبار الصراعات الدموية المستمرة." وقد أبدى تعجبه واستغرابه من التناقض ما بين التطور العلمي والعنف الذي يسود كرتنا الجميلة، التي حفلت بإنجازات فكرية وطبية وفلسفية وصناعية وزراعية مدهشة، معلقًا بأن الإنسان لم يتغير، وإن تبدلت المفاهيم الاجتماعية وأنماط التفكير ونوعية العلاقات بين البشر. "فهل يحاول "نزار سيف الدين" أن يقنع القارئ بمحاولات المفكر أو الكاتب أو الباحث بتصادمه مع مشكلات عصره؟"

إن توافق السرد الواقعي مع البيئة الاجتماعية ومشكلاتها المستهدفة خلق تأثيرات حقيقية تحاكي القراء على تنوعهم، "بات مقتنعًا بأنه في هذه البلاد البائسة، أي شكل من أشكال الإبداع سيذهب أدراج الرياح." وما بين القيمة الجمالية في الرواية والقيمة الاجتماعية، هناك أبعاد مثيرة للجدل، خاصة وأنه رصد حيوات أخرى تتماثل وتتماهى معه. معرفيًا أو بغموض الروائي الباحث عن الحقيقة، لينتقد المجتمع والطقوس، لبدوي الذي أضاف له العصر الحديث الـ"التعريف" بتوازن وتأثير وموضوعية تمتليء بالقيمة الفنية الواقعية ذات الشرخ المرضي. ومعاناة الإنسان ما بعد عمر الخمسين، تحديدًا، بالأحرى بعد انتكاسة صحية حولته إلى شبه طيف يتذكر تارة الحرائق والخراب والصراعات، وتارة أخرى الاختباء خلف الكلمات والألفاظ والخوف من "لا." فهل "ناي بدوي" هو شخصية حركية تنتمي إلى الماضي والحاضر في واقع لا ينتمي له البدوي، ولا "ناي" الشخصية التائهة في واقع لوثته الحروب فيما مضى والانتكاسات الصحية وعودة الإنسان إلى أرذل العمر؟ وهل رواية الواقع هذه هي مقهى ذكريات قرأنا فيها سحر اللحظة السردية؟ أم هي صوت "ناي" في رواية تعزف على الأوتار الاجتماعية الواقعية؟

استطاع الروائي "نزار سيف الدين" التركيز على الحدث الحقيقي دون الانحراف إلى الأخبار الزائفة أو المتخيلة، إن ضمن الإطار الروائي الواقعي، وبرؤية تتعادل معها الأحداث دون تكرار أو تكلف أو مبالغة، أو حتى إبراز العين التصويرية المتممة للمشهد الروائي بغض النظر عن استحضار الأماكن أو استحضار الحقائق السياسية، وإنما بإبراز النقاط التي يستعيدها الإنسان بعد عمر مضى لاستخراج العثرات والعودة إلى الطفولة الأولى التي يفتقدها الإنسان بعد الكهولة أو الشيخوخة، دون تجميل قصته أو الحدث مع الاهتمام بمزاج الشخصيات وآلامها النفسية وفقًا لطبقتها الاجتماعية، التي يُفهم منها العلاقات الأسرية أيضًا. فهل يحول "نزار سيف الدين" من خلال السرد إدخال القارئ في ذاتية الرواية بموضوعية وبقوة حيوية، وضعتنا على مفترق طرق مع الإنسان بعد عمر الخمسين، وبتلقائية خاضعة لمهمة روائية تتهرب من الموضوع الخيالي؟ فهو سمح بالتوافق بين الواقع والسرد المستجيب لرغبة الواقعية، وإن ضمن المتخيل الروائي المتجذر بالواقع، وما "ناي بدوي" إلا الصوت الإنساني في مجتمع فضحته انتكاسة صحية لرجل خمسيني.

برؤية أخرى تحديثية في روايته "ناي بدوي"، يسعى الروائي نزار سيف الدين إلى استكشاف عمق الحياة اليومية، مُلقيًا الضوء على واقع المجتمعات المعاصرة من خلال عدسة شخصية "بدوي". تعكس الرواية صراع الإنسان مع قسوة الحياة، حيث يتجلى ذلك في التنقل بين الذكريات والتجارب الشخصية، مما يعكس قضايا اجتماعية معقدة.

سرد واقعي يواجه الفوضى

تتميز الرواية بسردها الواقعي الذي يتجنب المثالية، حيث يعرض الروائي تفاصيل الحياة اليومية بجرأة. بدوي، الشخصية الرئيسية، يعيش في حالة من الفوضى النفسية والاجتماعية، مما يجعله يمثل شريحة من المجتمع تعاني من تناقضات الحياة. من خلال رصد سيف الدين لمشكلات الفرد، من الفشل العاطفي إلى التحديات الاقتصادية، يقدم نقدًا عميقًا للأوضاع الاجتماعية والسياسية.

تتجلى في الرواية قضية الهوية والانتماء، إذ إن اسم "بدوي" يحمل دلالات ثقافية واجتماعية عميقة. فبينما يسعى بدوي للانتماء إلى مجتمع معاصر، يبقى عالقًا في خيوط الماضي. هذا الصراع بين البداوة والحداثة يمثل معضلة شريحة كبيرة من المجتمع العربي الذي يتأرجح بين تقاليد ماضية ومتغيرات العصر الحديث.

يتجاوز الروائي الأحداث السطحية ليغوص في التأملات الوجودية، حيث يطرح تساؤلات حول هدف الحياة ومعنى الوجود. من خلال اقتباسه "فوالله قبيح أن يأكل الإنسان ويشرب وينام ويستيقظ ويتبول دون هدف أو غاية"، يُعبّر سيف الدين عن إحباطات الجيل المعاصر، مما يجعل القارئ يتفاعل مع الشخصية ويستشعر آلامها.

تعكس الرواية صورة المجتمع بكل تناقضاته، إذ يتم تصوير الشخصيات بتفاصيل دقيقة، من سائق التاكسي إلى السياسي، مما يعكس تباين القيم والمواقف. هذا التنوع يجعل القارئ يشعر بأنه جزء من القصة، إذ يُسلط الضوء على قضايا واقعية مثل الفساد، الفقر، والصراعات الداخلية.

يسعى نزار سيف الدين من خلال "ناي بدوي" إلى توصيل رسالة مفادها أن الحياة ليست مجرد تجارب فردية، بل هي معركة جماعية مع التحديات التي تواجه المجتمع. الرواية تُظهر كيف أن الفنون والأدب يمكن أن تكون وسائل للتعبير عن الألم والقلق والبحث عن الأمل.

"ناي بدوي" ليست مجرد رواية تتناول قصة شخصية واحدة، بل هي مرآة تعكس جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية والسياسية. من خلال أسلوبه الواقعي والموضوعي، ينجح نزار سيف الدين في تصوير قسوة الحياة والدعوة إلى التفكير العميق في معنى الوجود. تظل هذه الرواية صدى لمشاعر كثيرين، مما يجعلها تلامس قلوب القُرّاء وتدفعهم للتأمل في واقعهم.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%82%D8%B3%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%AB%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%A7%D9%8A-%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B1-%D8%B3%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86/