حالتنا العربية والحواجز التي تقف في نموها العقلي وازدهارها المعرفي

قراءة في ديوان الشاعر سرجون كرم "سندس وسكين في حديقة الخليفة"

ضحى عبدالرؤوف المل

بدأ الشاعر "سرجون كرم" ديوانه "سندس وسكين في حديقة الخليفة" بالأمة ذات الديانات السماوية وأوجاعها القائمة على الحشو النفسي، فشكواه ناتجة عن إنصاف لا حلول لها، فما بين النصف المجرم والنصف الحجر تعطلت اللغة الإنسانية في حضارة تعتمد على ما هو مسند وبتواتر عن فلان عن فلان، وعلى ماهية الجهل بسلالة الإنسان أو بالأحرى بالأب الأول إبراهيم، وهو أبو الأنبياء بتبطين يتقد منه الماضي الحديث أو الذي يتم تحديثه على أسس لا يمكن الوثوق بها، لأنها تفتقر إلى المنطق أو إلى إعادة تصحيح، كأننا نعيش الجهل في مستقبل تنقلب فيه الوصايا إلى شظايا قاتلة للإنسان، وتختلط فيه الأديان التي أعادها إلى إبراهيم برمزية توثيقية ذات دلالة معرفية بالأسس الدينية التي تقوم عليها أمة "سرجون كرم" الانتصافية غير القابلة لتنبت أو تثمر بعد أن قطعها إلى نصفين، كحبة قمح إن شطرناها إلى نصفين تعطلت صلاحيتها وأصبحت غير قابلة للزراعة أو لتثمر. بالتالي هي أمة عقيم نصفها مجرم ونصفها حجر. فهل ثرثرات فلان عن فلان هي أخبار الماضي المنقول الخالي من المنطق؟ أم هي ميثولوجية يصعب رسمها أو تحتاج إلى رؤية بحثية تعالج تصحيح أمة أصبحت كعجوز عقيم؟

تعكس كلمات الشاعر "سرجون كرم" حالتنا العربية والحواجز التي تقف في نموها العقلي وازدهارها المعرفي، لأنها تفتقر إلى البصيرة أو الرؤية الناتجة عن التفكر الخالي من ملوثات الزمن وحكاياه التاريخية. ليحث النفس على توضيح الخفايا، بإيجاز شعري يميل إلى الرمزية التي تحتاج إلى قارئ لتاريخ الأديان، وخفايا النوايا الإنسانية الممسكة بكتبها التكفيرية التي جعلت من إبراهيم إرهابياً، وهو من ولد من نسله أبناء مكة وأورشليم، مستبدلاً التكوين بالتوحيد. ليجمع ما فرقته ظلمة الجهل بلغة ضاعف بها صورة العوائق الذاتية، الكامنة في الجهل بالأديان السماوية عبر تورية تحتاج إلى تفكر وبحث. إذ لا يمكن التغافل عن كلمة الشرك التي انفرد بها دون الضد المؤكد. لنفيها تاركاً لمن أراد النوم العجز الإيماني بينما أشعل نوره بكتابته لديوان "سندس وسكين في حديقة الخليفة" حيث يضعنا في كتب التاريخ بين المغول وهمجية الأحداث القاتلة التي تفتك بالإنسان، وبين الطوفان ويومه الأول حيث يعم السلام. "اجلس مثل كل رجل يشرب القهوة على رصيف نصف دائري اقتلع نصفه الآخر ورماه لمغول بقتاتون منه قبل أن يبدأ البحر تأتأة النهاية."

الإنسان عدو ما يجهل، والنعمة في الجهل تؤدي رسالات شيطانية تطمس الحقائق ولا يُشفى الضرير منها، فالمعجزات في زمان انتهى تشبه علم التنجيم المؤدي إلى عبثية لا بداية ولا نهاية لها. لينهي "سرجون كرم" القصيدة الأولى بالشيء اليسير من الموت والأمل والحزن قبل دخوله جرمانيا التي جرد اسمها من التحديث المهلك لأمته الخارج منها بالموت الذي يقود إلى الأمل بحياة لا تدليس ولا خرافات. فهل الأمل في جرمانيا؟ أم أننا نحتاج لعاصفة هتليرية تعيد تجديد العالم؟

يتوجه "سرجون كرم" في قصيدة "جرمانيا" إلى الله، إلى الحقيقة المطلقة في نفسه، إلى المعرفة التي جعلته يحيا الغربة الحقيقية الموجعة للإنسان الباحث عن الإنسانية، والمحب إلى العودة الخالية من الشوائب، بتجديد لتصورات تفاوتت قيمتها. ليستحيل الاختزال إلى تدفق موضوعي يعطي المصطلحات قوة شعرية تخدم المعنى الإنساني الذي يزرعه في ديوان حافظ على حبكته في البناء المضمخ بالقضايا الجدلية، المؤدية إلى صراعات عقيمة ومعطيات تصحح الرؤى الخاطئة. لتاريخ يجب أن يكتب بالشعر لتعصف القوى العقلانية النافية للشفقة والتي تحث على البحث والتطلع إلى المستقبل المشرق للإنسان، وللانفعالات المرتبطة بإشكاليات البلاد أو جرمانيا التي بدأ قصيدتها باسم الإشارة للدلالة بقوة عن كينونتها، كبلاد علم مبنية على تعلم الإنسانية. "هذه البلاد علمتني الإنسانية، وقتلت في الشفقة." فقد استطاعت هذه البلاد تغيير المفاهيم التكوينية التي نشأت فيه كأنها قطرة ماء مشبعة بالحياة. "هذه البلاد علمتني أن الماء يغير شكل الأشكال"، محاولاً بناء صورة نموذجية عن البلاد القادرة على تكوين الإنسان تبعاً لإشكاليات شعرية تنطق بالرؤية التصحيحية لمساره، كشاعر يتتبع الضوء كنبي تلقى رسالة مشطورة إلى نصفين، ولم يستطع نسيان الماضي ولا العودة إلى الوراء، فالمضي إلى الأمام يحتاج إلى تحطيم المفهوم القابع في هموم الذكريات، وبتذبذب يقفز بعده إلى ما بعد الزمن والزمن الذي يليه، لأن البلاد علمته الترجل. "هذه البلاد علمتني الترجل في المحطة ما بعد الأخيرة." فهل للشاعر نبؤة مستقبلية ناتجة عن العلم الذي يبحث عنه كموسى الذي بحث عن نار يدفئ بها أهله؟ "يقول لي صديق: حلمت بك أعمى أعبر بك الطريق. قلت: أموت في الغربة وأنت تدفنني..." ليشطر القصيدة أيضاً إلى نصفين بعد "لو" والتمني المستحيل، لأن رؤية الغيب ناتجة عن العلم والمعرفة وعدم الرجوع إلى الوراء.

لا يسعني في هذه الأسطر القليلة الإحاطة بقصائد ديوان "سرجون كرم" الذكية التي فتحت نوافذ التاريخ، وأطلت على الإنسانية من خلال رحلته الشبيهة برحلة موسى التي جعلته يطفئ الأنوار ويبحث عن قبس لنار يستدفئ بها أهله، ليستكشف بالبصيرة كل المجهول الكامن في النفس، والموصول بالكبت الطفولي الناشئ من تربية قائمة على المنع والبتر. لتبرز عناصر تخلف الأمة التي خرج منها بجهل محاه بالعلم. فالتجانس الفكري في القصائد مرتبط بميتافيزيقية الشعر الحديث التي تلغي كلاسيكية الاختلاف في القصائد المجموعة في ديوان يشبه الإنسان المتكون من ماضي وحاضر ومستقبل. ورؤية لبلاد يترجل بعدها إلى محطة أخيرة تخضع لشروط المنطق والعقل بعيداً عن الشفقة والانفعالات وما إلى ذلك. دون أن ينسى التخبط السياسي والاجتماعي الراهن، بل! أوجاع أمته التي خرج منها وهو يطوح بالجمال الموضوعي في لغة الشعر التي يستبطنها بتعرية الخلل المؤدي إلى الحزام الناسف. فهل "سندس وسكين في حديقة الخليفة" هو عنوان استرجاعي للتاريخ المسبب لكل ما يحدث في الأمة العربية؟

برؤية تحليلية تحديثية أخرى يقدم الشاعر سرجون كرم في ديوانه "سندس وسكين في حديقة الخليفة" عملاً شعريًا متنوعًا يعكس حالة الاغتراب والبحث عن الهوية في ظل واقع عربي مليء بالتحديات. ينجح كرم في خلق توازن دقيق بين الرؤية الشعرية والمرجعيات الاجتماعية والسياسية، مما يجعل قصائده تمثل صدىً للأفكار المعاصرة التي تتناول مصير الأمة العربية.

تتجلى في شعر كرم صورٌ بصرية مؤثرة، حيث يستخدم رموزًا مثل "سندس" و"سكين" لتجسيد التوتر بين الجمال والفوضى. تعكس "السندس" الحياة المفعمة بالأمل والرخاء، بينما تمثل "السكين" العنف والمواجهة، مما يبرز التناقضات الحادة في المجتمع. هذا التباين بين الرمزين يجسد الصراع الدائم بين التطلعات الإنسانية وواقع القهر الذي يعيشه الفرد العربي.

من خلال تحليل النصوص، يتضح أن كرم يستند إلى تجارب جماعية، مُظهرًا كيف أن الذاكرة الجماعية للأمة تعاني من جراحات عميقة. تتناول قصائده مسألة الهوية والانتماء، حيث يعكس الصراع بين الجيل القديم الذي يحمل آلام الماضي وجيل الشباب الذي يسعى نحو التغيير. يتجلى ذلك في أسلوبه الذي يمزج بين اللغة الشعرية الغنية والتعبيرات اليومية، مما يجعل النصوص قريبة من روح المواطن العربي.

يبدو أن كرم يسعى من خلال شعره إلى توجيه رسالة سياسية ضمنية. استخدامه للرموز الدينية والتاريخية، مثل الإشارة إلى إبراهيم، لا يقتصر على السرد التاريخي، بل يمتد ليعبر عن الحاجة الملحة لإعادة تقييم القيم والمعايير الاجتماعية. يسعى الشاعر إلى تأكيد أن الجهل والتطرف هما نتيجة للانفصال عن القيم الإنسانية الأصلية، مما يدعو إلى مراجعة الهوية الثقافية والدينية.

تمتاز لغة كرم بالبساطة والعمق، حيث يتيح استخدامه للرموز والانزياحات اللغوية للقارئ فرصة التأمل في معاني أعمق. تعكس لغته حالة من القلق والتوتر، مما يجعل النصوص تتسم بالجدل والحوار الداخلي. تلك الخصائص اللغوية تدعم الهدف السياسي للشاعر، حيث تعكس الرغبة في الإصلاح الاجتماعي والتغيير.

يمثل ديوان "سندس وسكين في حديقة الخليفة" محصلة فكرية وشعرية تعكس التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة العربية. ينبهنا سرجون كرم إلى أهمية الاعتراف بجذور المشاكل الاجتماعية والسياسية، ويحثنا على السعي نحو فهم أعمق للهوية الإنسانية في عالم متغير. من خلال أعماله، يبقى كرم من الشعراء الذين يسعون للبحث عن الحقائق وسط الفوضى، مؤكدًا أن الشعر يمكن أن يكون وسيلة للتغيير والتنوير.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AA%D9%82%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%85%D9%88%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D8%B2%D8%AF%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A/