الأسلوب الهندسي في الفن التعبيري المجرد

ضحى عبدالرؤوف المل

يبني الفنان الأمريكي "كلود بنتلي" (Bentley Claude) اللوحة بفكر هندسي تصاعدي التعبير، وبتجريد لفراغات هي عبارة عن استراحات بصرية ناشطة، أو بالأحرى تنشط تلقائيًا، لتعطي للمتلقي نشوة حسية إدراكية بالحركة الناتجة عن انعكاسات الألوان والخطوط المتناقضة مع بعضها البعض. وببساطة، تميل إلى الفطرة أو إلى دقة الملاحظة الكونية في هندسيات الوجود التي تتصف بالتعبير الفني التلقائي، وبفضاءات ثنائية الأبعاد، أو تجعل كل فراغ صاخبًا بالتجريد الهندسي للتعبير عن قيمة الوجود أو قيمة المناظر الكونية الخام التي تتفاعل مع ذاتها، وتنتج جمالية تتوازى مع تفاعل الألوان في اللوحة، وصخب الخطوط وقوتها، بل وحدتها في جمع النقاط، مما يجعل من أسلوب بنتلي عنوانه الطبيعة المجردة المسيطرة على التجريد الهندسي. والخيال البنائي للوحة هو نموذج لتضاد تفاعلي بين الجزء والكل، لخلق دهشة التقطها "كلود بنتلي" بصريًا وجسدها عبر لوحة تميزت بالأسلوب الهندسي في الفن التعبيري المجرد، والدائري الحركة لأنصاف الخطوط التي تكتمل حسياً عبر البصر المشبع بالمفاهيم الجمالية أو الكونية أو التأملات المسطحة، بمعنى الحاجة إلى فتح لوحة تضع البصر أمام حركة الألوان في الطبيعة أمامنا، وهي التي تغذي الخيال وتدفع الفكر إلى الإبداع والتحرر من النقطة والخط إلى الوجود الجزئي، فالكلي حيث يتم توضيح خطوط البناء الفني في اللوحة. لنستخرج فيما بعد الخطوط الأولى البنائية في كل مشهد نتأمله أو نراه ببصيرة مفتوحة الإدراك، والبارزة الحقائق التي يتم التعبير عنها بميزة تعبيرية مجردة ذات إبداعات حركية تتنافض مع حركة الكون من اليمين إلى الشمال وبالعكس. وكأن كل شيء حولنا في تسبيح يتعارض مع مادة اللون أو مادة الخلق، وما بين الخطوط والألوان في أعمال الفنان الأمريكي "كلود بنتلي" فراغات هي المفهوم الجمالي البارز الذي يجعل من الامتدادات البصرية استراحات أو واحات للبصيرة.

تختلط الأشكال في لوحة الفنان "كلود بنتلي" فتبرز الأفكار المجردة بشكل تدريجي مع التأمل الشديد بصريًا في لوحة تنتمي إلى التخيلات المنطقية أو الرياضية، الموزعة توزيعًا مدروسًا بدقة فنية متناهية. تترادف فيها تدرجات الألوان مع الخطوط، لتشكل موسيقى خاصة، تجذب البصر إليها بمرونة تعبيرية وفنية تقود الحس نحو نغمات الفن الهندسي أو التعبيري المجرد، أو حتى المتشكل من عدة عناصر حبكها الفنان "كلود بنتلي" هندسيًا ورياضيًا، وبديناميكية ناتجة عن التناقض التعبيري أو التمرد على مفاهيم الفن بشكل عام. إذ يعيد "كلود بنتلي" الفن المجرد إلى طبيعته المتحررة من المشخص أو الإدراك المجهول، والمنطقي في عودة الأشياء إلى طبيعتها الحية أو الطبيعة وحيويتها من خلال التفاعل مع العناصر المؤلفة منها. فهل لوحة "كلود بنتلي" هي نوع من التمرد الوجودي من خلال العودة إلى الفطرة الكونية ومفهومها المجرد؟

تتمثل علاقة الحركة بين الخطوط في لوحة الفنان "كلود بنتلي" بعدم اكتمالها، لأنها تشبه النوتات أو نقاط البناء ذات الملامح الواسعة، كأن كل نقطة وكل خط هو جزء من كل يضعه "كلود بنتلي" كالصدى أو التردد الذي تلتقطه الأحاسيس، وتترجمه الألوان وترتسم معه الخطوط بانسيابية تترجم العمل الفني، وقواعده المنتظمة والدقيقة الحسابات، وإن كانت ناتجة عن أحاسيس التمرد والخروج عن المشخص المحدد، وغير المتطور في مسطحات مبطنة أو مخفية بالاستدارات أو الأطياف الحركية، وبشفافية تعبيرية تؤلف قاعدة جمالية لفن هندسي غير صلب التأليف، لأنه لاشعوريًا ينتج عن المنطق الرياضي والتضاد اللوني وقوة التلاحم بينهما. فهل الأسلوب الهندسي في الفن التعبيري المجرد هو الأسلوب المحاكي للتمرد في لوحة "كلود بنتلي" أو هو الفهم العفوي للحركة الكونية؟

برؤية أخرى الفن التشكيلي، بوسائله المتنوعة، يمثل تجسيدًا لرؤى الفنان وأحاسيسه، مما يمنحه بعدًا نفسيًا وجماليًا عميقًا. إن تحليل أي عمل فني يتطلب منا الانغماس في تفاصيله، واستكشاف إيقاعه، وتفكيك رؤاه البصرية.

يمكن اعتبار الإيقاع في العمل الفني بمثابة النبض الذي يعبر عن الحركات الديناميكية، والأشكال المتنوعة، وتداخل الألوان. في اللوحات التي تعتمد على التعبيرية المجردة، نجد أن الإيقاع يمكن أن يكون سريعًا أو بطيئًا، مما يعكس الحالة النفسية للفنان. على سبيل المثال، الأعمال التي تتميز بخطوط متشابكة وألوان صارخة تعبر عن حالة من التوتر أو الصراع الداخلي، بينما اللوحات ذات الألوان الهادئة والخطوط السلسة تنقل شعور السكون والسلام.

الرؤية البصرية في الفن لا تتعلق فقط بالجانب المرئي، بل تتجاوز ذلك لتشمل التفاعلات البصرية بين العناصر المختلفة في اللوحة. تعكس الألوان، الأشكال، والخطوط مفهوم العمق والبعد، مما يتيح للمتلقي الانغماس في تجربة بصرية غنية. عندما يتم استخدام الألوان التكميلية، فإنها تخلق توترًا بصريًا يلفت الانتباه ويشجع على التأمل.

الفن التشكيلي يعكس بشكل مباشر الحالة النفسية للفنان، سواء كانت من الفرح، الحزن، القلق، أو التمرد. إن استخدام الألوان والأشكال يمكن أن يكون له تأثير كبير على شعور المتلقي. على سبيل المثال، الألوان الدافئة مثل الأحمر والبرتقالي تعكس شعور الحماسة والطاقة، بينما الألوان الباردة مثل الأزرق والأخضر تعبر عن الهدوء والسكينة.

عندما نتناول الفن التشكيلي من منظور إيقاعي ورؤى بصرية، فإننا لا نتعامل فقط مع الأشكال والألوان، بل نغوص في أعماق الإبداع الإنساني. إن كل لوحة تحمل في طياتها قصة، شعور، ورؤية، مما يجعل الفن التشكيلي تجربة فريدة ومتعددة الأبعاد. من خلال هذا التحليل، ندرك أن الفن ليس مجرد تجسيد بصري، بل هو لغة تعبيرية تعكس عمق التجربة الإنسانية وتنوعها.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%84%D9%88%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D8%AA%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%B1%D8%AF/