متاهة إنسانية لا يمكن الوصول إلى نهايتها
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية " طابق 99 " للروائية جنى الحسن.
تستحيل الحياة في وجودها إلى عدم عندما نفشل في تحديد رؤيتنا لها، أو أن نفشل في معرفة المستقبل، لأننا لا نملك كل مفاتيح الماضي الذي سها عنه الأجداد، وانصاعوا خلف متاهات الحياة دون الرجوع إلى الإنسان، وما بين حقوق الإنسان وحق العودة وقراءة الماضي مضت الروائية جنى الحسن مع مجد الفلسطيني هائمة خلف هوية الإنسان كأساس جوهري في عملية البحث عن الذات التي بحث عنها مجد من علو رأى من خلاله ما لا يستطيع رؤيته على الأرض، ومن عنوان ذي أرقام رمزية متشابهة في أولها وآخرها، من مكان ذي أبراج عالية مسكونة بالرؤية الاستقرائية ذات الاستنتاجات القادرة على التغلغل في نفس القارئ، وبحس إنساني لا تعاطف فيه برغم الانفعالات العاطفية المؤثرة على وجدان القارئ، إلا أن للرواية عقلية انفتاحية معاصرة خاصة بأرقام ترافق العنوان "طابق 99" وهو المكان الذي يشهد على عذابات العالم، أو بالأحرى العذابات الإنسانية .
الوقت كفيل بتغيرنا، فالزمن أو الوقت متاهة لا يمكن الوصول إلى نهايتها، لأنها تصاحب الأجيال في كل لحظة تختلف فيها الحياة، وهذا ما راهنت عليه جنى الحسن من خلال رواية قلبت فيها الزمن، وجعلت النقطة الزمنية هي الفاصلة بين مجد وهيلدا أو بين الانتماء الحزبي والوطني، وشتان بين الاثنين، إلا أن التشابه بينهما أن الفلسطيني قام بمعركة ليست على أرضه، بل على أرض لبنان، هذا انعكس على التفاصيل الروائية الأخرى من حيث تأصل جذور كل منهما إلى وطن ليسا فيه، مما سمح لهما بالتعايش معا برغم الفروقات الانتمائية لكل منهما، فالمكان يفارقه الزمن الذي يعشش في الذاكرة عندما تلمسها شرارة الاشتعال والتذكر، والشرارة في حياة مجد كانت هيلدا حيث استفاقت الذاكرة من علو شاهق في أميركا عندما بدأ باسترجاع المشاهد الطفولية معها، واكتشف خبايا نفسه من خلالها، فهل نتألم من الأمكنة، ونفرح مع الزمن الذي يفصلنا عن الحقائق المختبئة في ذات كل منا ؟ وهل هذا ما يحتاجه الإنسان في العالم بشكل عام؟.
الخوف من فقدان المرأة كالخوف من فقدان الوطن، وربما في توازنهما نوع من اطمئنان مزيف يوحي بقضية فلسطين التي باتت في مهب تجاذبات قوية استطاع فهمها مجد بعد نضج في بلاد زمنية لا قيمة للمكان فيها، لأن سرعة الزمن فيها تتفوق على الأمكنة، إذ يبدو الفلسطيني المغترب غريبا في غربته القوية التي لم يفهم لماذا حدثت، أو كيف، أو حتى نتائجها المستقبلية التي يفكر في القفز عنها، لأنه يعلم مسبقا أن التسوية والعودة هي بمثابة المكان الذي يصعب العودة إليه، لأننا نجهل إحساسنا فيه بعد فترة غياب زمنية محت بعض ملامحه أو كلها، فما بقي في الذاكرة لا ينتمي إلى الحقيقة الحاضرة في جرح رمزي يمثل البداية والنهاية ومسافة الألم بينهما الذي يصعب مغادرته أو محوه بعمليات تجميل تزيل ما هو مرئي، وتبقي على ما هو مخفي في مخزون النفس هو بمثابة" إغراء يجعلك لا تريد أن تعالج المأساة" فالصياغة التعبيرية ذات بلاغة رمزية تصور الحالة ضمن ربط يتلازم مع الإحاطة الموضوعية بأزمة مدروسة من جوانب متعددة حبكت خيوطها جنى الحسن سرديا وبسلاسة تحاكي القارئ بواقعية لم تخصصها فقط للفلسطيني، إنما للإنسان.
تشكيل سردي منطقي محبوك بنسيح لغة فلسفية تتناقض فيها الوجوه الإنسانية التي تنتمي إلى نفسها لا إلى الأوطان التي تتصارع وتتشابه مع بعضها ،منها مثلا النسخة الأميركية لصبرا وشاتيلا، وإن كان أكثر تحضرا، كان هذا شارع السود، وكنت أضحك حين أفكر بهم كأنهم فلسطينيو نيويورك، إذ لم تغادر الخاصية العنصرية مدينة كنيويورك برغم عظمتها الزمنية في تحديث كل شيء فيها " عشنا هنا لأننا لم نكن نملك المال لنكون في مكان آخر، وربما لأن هؤلاء الأشخاص كانوا أكثر تقبلا لكوننا عربا" وهذا التشبيه بين السود والفلسطينيين يشي بأهمية الإنسان في كل مكان حتى في بلاد كأميركا، وناطحات السحاب في علوها المبهر، لأنها في الرواية تمثل الارتفاع بالإنسان نحو الأعلى، أو جذبه إلى الأسفل، وفي التناقض الرمزي فلسفة تجسد الواقع المرتبط بأزمة الشرق الأوسط، والفروقات المختلفة في الآراء، هذا إلى جانب الانقسامات المؤيدة والرافضة في قضية أساسية ، العلو فيها لمدينة الخير والشر.
من أستاذ إلى مقاتل إلى بائع ورد ، مهن لكل منها رمزيتها في حياة رجل فلسطيني هاجر إلى أميركا بعد فقدان زوجته، والجنين ما زال في بطنها، وإصابة ابنه بجروح وإعاقة، ليحيا مع السود في أميركا، كأنه في" صبرا وشاتيلا" في لبنان لتوحي جنى الحسن بالفروقات الإنسانية حتى في بلاد تنادي بحقوق الإنسان وبالمساواة لأن " كل هذه الأوهام التي نسمعها عن العدالة في بلاد الغرب ليست إلا عدالة قائمة على جثث الآخرين" تشبه منحوتات العم الذي يخفي مشهد الحرب التي اشتعلت في لبنان، والمنحوتة في ذاكرته تحت الأرض .
للمكان أهميته الخاصة في رواية " طابق 99 " من العنوان وصولا إلى" لا أعرف ماذا سيحدث حين أعود، ولا إن كان سيؤلمني المكان" ليحمل هنا صفة العودة، وهل سيتألم الفلسطينيون بعد العودة؟ وهل يجب أن تصبح العودة حقيقة لا بد منها؟ أم إنه يتضاءل حين يعتاد الإنسان على مكان ما ضمه منذ الطفولة؟ " لأن الناس يعتادون العيش في مكان ما، وإن كان ضيقا وغير مريح، يصبح من الصعب عليهم أن يغادروه" مع التواريخ الزمنية في كل فصل منحته زمنية معينة لتعيد إلى الذاكرة الأحداث الغامضة على جيل تريد له التفكر بتفاصيل الماضي، ليتصالح مع الذات، وينطلق مع الإنسان نحو المستقبل تاركا للتباعد النوعي انعكاسات تشبه انعكاس هيلدا على المرايا ، ليصبح النضج فعالا، ويؤثر في تكوين الشعوب مستقبلا، فهل تحاول جنى الحسن محاكاة المستقبل من خلال الماضي؟ أم إنها تبني رؤية روائية تقود الفكر نحو حقيقة الإنسان العربي والأميركي على السواء كعملة ذات وجهين، لا بد من استعمالها لتحقيق التوازن الفعلي؟
ما بين فلسطين في مخيلة الأبناء المنتظرين العودة، وما بين لبنان الملموس في بصائر أبنائه فروقات لا مقارنة بينها، لأن ما بين المخيلة والحقيقة مسافة كمسافة الجرح في خد مجد تلك الندبة التي أصبحت جزءا من المعاناة المفروضة على أبناء فلسطين، بل على أجيال عاشوا الصراع الحقيقي، ويحلمون بالعودة كعودة هيلدا إلى أهلها، لتشعر بالغربة أكثر، فجوهر العلاقات البشرية يفرض التسامح والمحبة التي تمثله المرأة في الرواية، وهي هنا فلسطين الأرض البكر، ومريم التي تزوجت، وتركت محمد خلف الأباجورة المغلقة، وماريان الأميركية التي ودعت زوجها المشارك في حرب الخليج بكلمات لم تبكها، وإيفا التي تحررت من حب، واتجهت نحو حب آخر ينسيها من تكون، بعد أن أصبحت نجمة سينمائية، وهيلدا التي رفضت قوانين الأب الصارمة، والمفاهيم المعبأة في أفكار محصورة بمصالحها" هكذا هي المرأة، حين تفقد البراءة الملصقة بها، لا شيء يعيدها إليها" فمن اغتصب فلسطين ؟ ومن استطاع قتل وطن الغيم المبني في مخيلة جيل يحلم بالعودة؟ "سيدرك أننا قوم محكوم عليهم بالماضي، لأنهم من دونه يفتقدون أي دليل على وجودهم" ولكن السؤال: كيف يتمسك الجيل الفلسطيني بالماضي؟ وهو عاجز في مخيمات سكنية عشوائية لا تقدم له سوى التكاثر النوعي؟
الأب المعصوم عن الخطأ والقدرة على الاستنساخ الذي فرضه على عائلة تمسك بالثوابت التي يؤمن بها، وإن ظلمهم وعاقبهم كما عاقب ماتيلدا، فهو يشبه أميركا ذلك البلد الذي جمع مجد وهيلدا، وتركهما في سخرية زمن لم يتوقف بل ضمن مكان حالم يرسم من حلو أحلام الشعوب التي تتهاوى" أميركا بلد خطير، لأنه يجرد الظلم من حقيقته، ويصنع ظلما آخر مزيفا" فوهم القوة المصطنع يحتاج إلى إرادة جيل يجمع شتات الماضي، ليمضي نحو المستقبل، ويبني العودة الحقيقية لا الحلم الذي يراود كل إنسان مغترب بغض النظر عن كينونته التي أرادت لها جنى الحسن التكامل النوعي محتفظة بروح المعنى في بعض الكلمات الإيحائية والرمزية التي تبحث من خلالها عن التكامل الأسلوبي والمضموني في الرواية ، فهل نجحت في ذلك؟ وهل تأثرت الرواية ببعض الصور الإيحائية المكررة؟ أم إن للمشهد المتكرر لغة تركتها لتحث بها ذاكرة القارئ؟
وهكذا من دون أن أحدث جلبة، انتهت الرواية بهذه الجملة المفتوحة على مصارعيها، والإيحائية في إنهاء الصراعات الإنسانية الداخلية والخارجية منها بثت جنى الحسن أفكارها الوجودية في رواية أرادت من خلالها أن تستفيق الحضارات على خسارات ذات وجهين القاتل والمقتول، لتبقى المعاناة الكبرى هي الدافع الأكبر لإيجاد الحلول التي تواكب سرعة زمن منفي من العنوان، لأنه جزء من المشكلة التي أنتجت قضية فلسطين، وكانت سببا في معاناة شعب عربي مقهور، وشعب غربي يخسر مقاتليه دون رغبة منه، لتتوازن قوى الشر والخير في العالم دون أن تحدث ضجة أميركا، لأنها تمثل الطابق 99 بكل ما فيه من رمزيات، ومن صنع الأوطان الوهمية المحبوكة بمشاعر لا ندرك كنهها، إلا إنها لا تشبه عاطفة الإنسان القادر على استرجاع الماضي من خلال الأمكنة، لتصحيح مسارات المستقبل، وبناء الحياة بشكل صحيح معافى من الجروح التي تترك آثارها على الإنسان بشكل داخلي، أو بشكل خارجي .
Doha EL Mol