إدراك القيمة الواقعية في رسومات الفنان الأمريكي غوس هاينز
ضحى عبدالرؤوف المل
يعتمد الرسام الأمريكي الفوتوغرافي "غوس هاينز" (Gus Heinze) بالكامل على الصورة الفوتوغرافية في رسم يحظى بالنكهة الواقعية المجردة. وقد تتجلى الكثير من التأملات التي تفرض إدراك القيمة الواقعية الفوتوغرافية لما هو مرسوم في لوحة تم التركيز فيها على التكثيف الواقعي المجرد للأشياء التي نراها بعمق، ونتساءل عن ماهيتها. لأنها تمثل ازدواجية فوتوغرافية مرسومة بريشة وألوان، ولكنها تميل إلى الواقع المجرد الذي يفرض على الحس نوعًا من إعادة إنتاج الصورة تبعًا للريشة وقوانينها في قدرتها على خلق الألوان وفق تدرجات الطبيعة التصويرية التي لا يمكن إنكارها بصريًا، ولكنها تلتحم مع التصوير الفوتوغرافي ودوره الهائل في منح الأشكال واقعية يجردها الفن التشكيلي ويتركها ضمن قوانين ذاتية الرؤية. يؤكد من خلالها الفنان على قوة الملاحظة وقدرتها في مزج الحس الفني مع التصويري وقيمه التشكيلية المحتفظة بالشكل الطبيعي للأشياء من منظور مختلف تمامًا. فهل علاقة القيمة الفنية بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي في أعمال الفنان "غوس هاينز" هي الخاصية الجمالية؟
يشترك الفن الواقعي التصويري المرسوم وفق التناقض البصري والتطابق التلقائي مع الأشياء التي تثير أوجه التشابه بين التفاصيل، لدرجة خلق الأضداد مع الأنواع الأخرى، كالتعبيرية التجريدية وغيرها، وكأن الفنان يثور على الأساليب الأخرى، ويخلق من التصوير الفوتوغرافي فناً تشكيليًا يضاهي حركة فن البوب آرت، بلا وعي يعتمد بشكل كبير على ما تصوره اللوحات من علاقات في القيمة الفنية التي تمسكت بها هذه الحركة الفنية الأمريكية التي ظهرت في الستينات، وازدهرت في السبعينات، والتي تتطلب الكثير من التخطيط المسبق والمعقد نوعًا ما في الاختيارات الدقيقة للصور التي يحددها الفنان، ليرسمها وفق قابلية جمالية ترتبط بالفن الواقعي. فهل يمكن للمبالغات البصرية أن تنسجم مع هذا الفن؟ وهل العمل الفني الواقعي فوتوغرافي يمثل الحياة الصاخبة أم العكس؟
ما بين الغنى اللوني في العمل الفني المرسوم وفق التصوير الفوتوغرافي البارد لونيًا، وبين التفاصيل الأخرى، الكثير من الفواصل الساكنة أو الفراغات المنسجمة مع المساحات الصغيرة القادرة على خلق نوع من المحاكاة الصامتة. إلا أن غالبًا ما تكون اللوحات الواقعية المرسومة كبيرة جدًا، وغالبًا ما يستخدم الفنان فيها الألوان الزيتية والأكريليك. وقد سعى هاينز في تصويره الواقعي إلى التقاط الخطوط بفن حافظ فيه على الملمس الناعم أو الأحرى الحفاظ على سطح لوحة أملس بعيدًا عن ضربات ريشة مرئية من أجل جعل اللوحة تشبه الصورة الفوتوغرافية لدرجة كبيرة، وكأنه يتحدى العدسة وقدرتها على التقاط الكثير من التفاصيل بريشة تهتم بالتفاصيل والتكوين على نطاق واسع، وبمقدرة جمالية تثير الكثير من التساؤلات الفنية عن هذا النوع من الفن الدقيق في نقل الصورة من واقع إلى واقع مجرد بميكانيكية تتطلب الكثير من التركيز المكثف الذي يولد من التأملات، ويؤدي إلى حالات تأملية متعددة لاستكشاف مقدرة الريشة ومبارزتها لعدسة تنقل صورة من واقع إلى واقع آخر. فهل اللوحة الواقعية الفوتوغرافية هي رسم دراماتيكي بنظرة ثاقبة؟
رغم أن الفنان في هذا النوع من الفن يستند على الأشياء الحقيقية، لكنه يعتمد على تحويل فكرة الالتقاط الميكانيكي إلى إنشاء الكثير من الأجزاء الحقيقية غير الواقعية في مجملها، بمعنى خلق العصف الذهني ليتساءل المتلقي ما إذا كانت الصورة أمامه مجرد صورة لمشهد ما أو رسم غريب الأطوار لصياغة أخرى تشبه بعضها وتتناقض مع التفاصيل المألوفة بين الفوتوغرافي والرسم. مما يخلق شعورًا بعدم الراحة عن المتلقي لعجزه من اكتشاف غرابة الأسلوب. فهل يطمس الرسام الواقعي ما هو فوتوغرافي من خلال النظر إلى صورة؟ أم إن الريشة تتحدى العدسة بالفعل الإيجابي والسلبي من خلال الرسم؟
برؤية أخرى يُظهر العمل الفني تداخل العناصر الطبيعية مع التجريد، حيث تتجلى التفاصيل بطريقة تثير تساؤلات حول العلاقة بين الواقع والتعبير الفني. يخلق الفنان توازنًا بين الأشكال الواقعية والألوان المجردة، مما يعكس تجربة ذات طابع ديناميكي.
يعتمد الإيقاع في هذا العمل على التناغم بين الألوان والخطوط. فالألوان المتنوعة تعبر عن مشاعر مختلفة، بينما الخطوط تُحدد الحركة وتوجه العين عبر اللوحة. هذا الإيقاع المرئي يمنح المتلقي شعورًا بالتنقل بين الأبعاد المختلفة، مما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية.
ينقل العمل شعورًا بالتوتر والتوازن في آن واحد. فالألوان الجريئة تثير مشاعر الحماس والقلق، بينما الأشكال المنظمة تُعطي إحساسًا بالأمان والترتيب. هذا التباين ينعكس على نفسية المتلقي، مما يجعلهم يتأملون في المعاني الخفية وراء المشاهد.
يبرز العمل جماليات الشكل واللون من خلال استخدام تقنيات متقدمة، مثل التدرجات اللونية والظلال. هذه العناصر تساهم في خلق عمق بصري، مما يجعل اللوحة تبدو حية ومتفاعلة. يُظهر الفنان براعة في التحكم في المواد، مما يمنح العمل طابعًا فريدًا ومبتكرًا.
يُعتبر العمل تعبيرًا عن حالات الشعور البشرية، حيث تترجم الألوان والأشكال الأحاسيس الداخلية للفنان. يُظهر هذا التعبير تفاعل الفنان مع العالم المحيط به، ويعكس آراءه وتجربته الشخصية. هذا النوع من التعبير الفني يدعو المتلقي للتواصل مع العمل على مستوى عاطفي.
تتداخل الأشكال والخطوط بطريقة تخلق تجربة بصرية متكاملة. يُعزز استخدام الألوان المتباينة تباين العناصر، مما يدفع المتلقي إلى استكشاف تفاصيل جديدة في كل مرة يتأمل فيها العمل. تعكس الرؤية البصرية إبداع الفنان وتقديره للجمال في تفاصيل الحياة اليومية.
تقدم هذه الرؤية الشاملة للعمل الفني من منظور إيقاعي وجمالي ونفسي. يجمع بين عناصر متعددة تعكس تجارب الإنسان، وتؤكد على أهمية التعبير الفني في نقل المشاعر والأفكار. من خلال هذه الزوايا المتعددة، يصبح العمل الفني تجربة غنية تثير الحواس وتعزز التفاعل بين المتلقي والفنان.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com