رواية "وحي" للروائي حبيب عبدالرب سروري

الفعل العقلي لتحليل كل ما يدور من حولنا فلسفياً.

ضحى عبدالرؤوف المل

دخل الروائي اليمني "عبدالحبيب الرب سروري" في روايته "وحي" الصادرة عن "دار الساقي" سياق العقل من خلال الخيال أو الوحي المعرفي، والنطق الفعلي لتاريخ محشو بالتكرارات، وإن ضمن العصر الحديث في رواية فلسفية تحليلية، تؤسس لرؤية الأحداث في المنطقة بكاملها من تاريخ هو ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل. تحكمها "وحي" أو الفعل العقلي لتحليل كل ما يدور من حولنا بأسلوب يحيل القارئ إلى الشك واليقين، وإلى إعادة تشكيل الأحداث التي بدأت برسالة غامضة هي خطاب خيالي إدراكي الدلالات، وبخصوصية نفسية تتصل بالحقائق الحياتية التي عشناها في الطفولة ومؤثراتها على سلوكياتنا اليومية، بمجاز فلسفي يطرح ويعالج ويضع الحلول في زوايا روائية مخفية الاتجاهات، كأنه يسعى إلى تحفيز القارئ وتنشيطه ذهنياً من خلال المعلومات الفلسفية التي زرعها هنا وهناك في رسائل "وحي" والرد عليها دون أن ينسى ميل الرجل إلى المغامرة العاطفية، والشغب البشري حتى في العلاقة التي يستأنف من خلالها الخيال الروائي. دون أن ينصت إلى زوجته ونصائحها بحثاً عن رواية يكتبها، ما هي إلا الإنسان الغارق في متاهات الحياة والدين والإيمان، واليمن والمنطقة العربية، وما جرى ويجري فيها تحت مسميات أيديولوجية مختلفة، والبوابة الرئيسية هي عالم الإنترنت وعالمه الواسع الضيق وسلوكنا الغرائبي فيه من شبكات التواصل إلى البريد، والاندفاع نحو كل ما هو غامض، لما يثيره فينا من فضول وتحفيز للاكتشاف. فهل "وحي" هي التفسير الخاطئ للوحي الإنساني ولمعتقداته الفاقدة لهوية البعد عن المعرفة والخوض فيها لأبعد الحدود؟

سعى الروائي "حبيب عبدالرب سروري" إلى التوليف بين لغة الإنترنت اليوم والمعرفة الناشئة عن الكثير من الكتب والمواضيع التي أصبحت بمتناول الإنسان من خلال شاشة صغيرة وبريد إلكتروني، في موقف ازدواجي هدفه تصحيح الهوية الإيمانية. وانعكاساتها على الإنسان اليوم والوعي الذاتي للتفريق بين المصطلحات، كالإلحاد والكفر والإيمان والتدين، والنهج الفلسفي الخاضع لتنظيرات بروفيسور هو كاتب روائي، حتى في رواية "وحي" التي ما غادرتها وحي ولا غادرها الاحتكاك التنويري الذي يترجم تجربة هي بحد ذاتها رواية استجوب الراوي فيها نفسه من خلال رسائل "وحي" الغامضة، التي أثارت فيه البحث عن تاء التأنيث رغم المخاطرة أو المغامرة بدافع الميل الأخلاقي والفلسفي، وبتسامي يعيدنا فيه من خلال حادثة الطائرة، ومن خلال الخوف من المعنى الديني الذي تشكلت البشرية من خلاله وبطرق مختلفة. "تضاعفت تضرعاتي الصامتة، وتعاظم خوفي، ووعدت رب السموات والأرض ألف وعد بالتوبة" دون وهن في العودة إلى الحضارات الفكرية والمعرفية لإحصائها وإظهار عظمتها: "حضارة أعطت للعالم: بين الحكمة ببغداد، ألف ليلة وليلة، رسالة الغفران، اللزوميات، كتاب الجبر والمقابلة، رباعيات الخيام..." وضمن مرآوية ما يحدث في هذا الزمن وانعكاساته دون افتراضات، وإنما بجذب القارئ نحو المقصد الحقيقي للأديان أو للإيمان، بما فيه خير الإنسانية وليس تدميرها، وبالنوايا الشبيهة بنية غسان في معرفة وحي. رغم أنه يدرك أن هذا قد يجعله يخسر زوجته التي لا يطيق فراقها. فهل ولع الإنسان بالمعرفة هو فقط بمعرفة الآخر، أم يجب أن يكون كالوحي بشراراته العقلية والذهنية وما إلى ذلك؟

السلوك الأخلاقي هو الوحي الإيماني في رواية "وحي" التي يتصرف فيها غسان كرجل حساس أخلاقياً معززاً بتعاليم دينية منذ صغره، وهو في تجواله داخل جامع العيدروس كالمصور على مسرح يرى عظمته لأول مرة، وما بين الإرادة والإدراك، تجاوز الراوي المعقول وغير المعقول باحثاً عن ضمير المؤمن أو الحالم برؤية الذبح التي جعلت من الذكريات المقتل الحقيقي لذاك الرجل الذي ذبح ابنه عند باب الجامع. وبتصرف بحث فيه عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان التي سمحت له ممارسة هذا السلوك الخالي من الأخلاقية الإنسانية تماماً. فقانون الفكر الإنساني ينبع من عمق الإيمان لإعطاء العقيدة بعداً يهدف إلى تحقيق المغزى المعرفي للإنسانية بأكملها. فهل "وحي" هي النموذج الفلسفي لأخلاقيات المؤمن الذي ينفي كل ما من شأنه أن يتعالى على الأديان أو يجعل منها الطريق المستقيم غير المتطور، أو الذي يعيدنا إلى العصور الحجرية في زمن شبكات الإنترنت والعصر الحديث، وإعادة النظر بمن هو الحاكم والمحكوم والقاتل والمقتول والجلاد الذي يفتقد للفضيلة والسعادة؟

برؤية أخرى في رواية "وحي" لحبيب عبدالرب سروري، يسعى الروائي إلى استكشاف الأبعاد النفسية والفكرية للمجتمع اليمني من خلال سرد متشابك يدمج بين الواقع والخيال. يتمحور النص حول الصراع الداخلي للشخصيات، خاصة غسان، الذي يمثل صوت البحث عن الهوية في عالم مضطرب. من خلال استخدام اللغة الفلسفية المعقدة، يطرح سروري تساؤلات وجودية حول الإيمان، المعرفة، والتواصل في عصر الإنترنت.

يظهر الراوي كعازف منفرد على مسرح الحياة، محاطاً بتحديات الواقع المعاصر، حيث تتداخل القضايا الاجتماعية والسياسية مع المفاهيم الروحية. يستحضر النص ذكريات الطفولة وتأثيراتها على السلوك، مما يسلط الضوء على أهمية الماضي في تشكيل الهوية. هنا، تبرز وظيفة الرواية كوسيلة لفهم الذات والجماعة، حيث تصبح الأحداث التاريخية متداخلة مع التجارب الفردية.

تحاكي الرواية أيضاً الصراعات الثقافية بين الحداثة والتقاليد، حيث يظهر الإنترنت كرمز للتغيير والتحدي. هذه المساحة الافتراضية تصبح نقطة انطلاق للغوص في أعماق الروح البشرية، حيث يتصارع الأفراد مع أسئلة عميقة حول الإيمان والإنسانية.

تتجلى رؤية سروري في تقديم نص روائي يحث القارئ على التفكير والتأمل، مما يعكس التزامه العميق بفهم تعقيدات الحياة الإنسانية. من خلال أسلوب سردي يعكس هذه الانطباعات، يستفز الروائي القارئ ليعيد تقييم مسار حياته ومعتقداته، ما يجعله تجربة غنية ومؤثرة على المستويين الفردي والاجتماعي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com