الروائي حبيب عبدالرب سروري في حوار خاص: "كذلك حال الرواية الحديثة: قدرها أن تكون معملاً تتفاعل فيه أدوات تعبيرية وفنية ومعرفية متعددة."

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل.

برزت الطاقة الحية في رواية "وحي" للروائي حبيب عبدالرب سروري، الصادرة عن "دار الساقي"، التي تباشر بالتنوير حال يبادر الوعي بالسرد أو الكلام عن "وحي"، وهي كافة اللاشعور أو العظمة الإنسانية المتفردة بالمعرفة أو التنبؤ. لهذا سعى الروائي حبيب عبدالرب سروري إلى زرع رواياته بالتساؤل والشك لإيجاد العصف الذهني الذي يقود القارئ إلى اكتشاف الحقائق. كما سعى الراوي غسان إلى اكتشاف من هي وحي التي عصفت به، وبشكوكه ويقينه وتحليلاته، حيث سعى إلى اكتشافها حتى من خلال تاء التأنيث أو من خلال قدرتها على إثبات حضورها فيه، وبتفاعل هو أشبه بالوحي أو الطاقة الحية الكامنة في الإنسان قبل أي شيء آخر، وفق تداعيات الأزمنة وتكرار الأحداث المتشابهة في تشددها وإيذائها للإنسانية بأكملها. بأسلوب فلسفي روائي هو أقرب إلى خلق الوعي الفكري عند القارئ. مع الروائي حبيب عبدالرب سروري، أجريت هذا الحوار:

- من هي وحي، وكيف تحوّلت مصدر وعي في الرواية؟

وحي فتاة تقتحم حياة الراوي غسان على حين غرة، تدخل حياته من أبواب العالم الرقمي (الإنترنت). هوسها الرئيسي هو لحظة جوهرية تأسيسية مفصلية يرتبط بها، على نحو مباشر أو غير مباشر، كل اتجاهات رؤيتنا للحياة والتاريخ والمستقبل وسلوكنا اليومي: لحظة الوحي الغيبي الذي جاءت منه الأديان! لوحي آراء راديكالية عميقة رافضة لمفهوم هذا الوحي من وجهة نظر الفكر الحديث. منذ بدء تفاعلها ومراسلاتها مع غسان، تُفجر وحي شرارة الجدل الفكري معه حول مفهوم الوحي، انطلاقًا من ذكريات حدث بالغ الأهمية مرّ في حياته أثناء طفولته في قرية "طور الرعد" بالحواشب في اليمن: رأى غسان حينها من ثقب في أعلى قبة المسجد الصغير في قريته مسرحية تلفيقية داخل المحراب، مثّلها إمام المسجد وابنه عبدالقهار (الذي أصبح لاحقًا قهاروف!). جعلت غسان يعيد النظر في معظم مسلماته الدينية. من خلال جدل وحي مع الراوي، وتصادم وجهات نظرهما أحيانًا، ينبجس وعي جديد: تتشكل عندها بالضرورة لدى القارئ آراء خاصة به، وحقيقة جديدة عن مفهوم الوحي الغيبي. حقيقة ستتموضع ربما في منتصف الطريق بين رؤيتي الراوي ووحي لمفهوم الوحي الغيبي وعلاقته بتقنين العقلية العلمية، بالرؤية المقيِّدة للتاريخ والحياة، بالديكتاتورية، وبكل تفاصيل واقعنا العربي الراهن... يتوغّل مجال الوعي الجديد هذا بالضرورة في طريق يقود لاستيعاب حروبنا وتخلّفنا وواقعنا الثقافي العربي المعاصر (الواقع اليمني أنموذجًا هنا)، أزماته وخرابه، وديمومة الطغيان والديكتاتورية فيه.

- لعلّ هذا الحوار الفكري مجرد بناء فوقي للرواية، لا غير. بناؤها التحتي هو كل هذه الشخصيات التخييلية، الذاكرة المخفية في اللاوعي وهي تجد طريقها عبر السرد، مشاغبات الطفولة واللحظات التأسيسية للشخصيات الرئيسية... جميع هذه الشخصيات والأحداث المصنوعة بمهارة، وبقريحة السرد المثير، تثير فضول القارئ ودهشته. ما رأيك؟

لرواية "وحي" مسرح، أو بالأحرى لها مسارح واقعية زمكانية متنقلة عديدة. أولها مسرح الطفولة في قرية "طور الرعد"، التي تظهر فيه بدايات حيوات ثلاث شخصيات رئيسة: الراوي غسان، وابنَي إمام مسجد العيدروس في القرية: عبد الباري وعبدالقهار. الرواية تتابع تطور حيوات ثلاثتهم خلال الزمن. ليس للرواية الأدبية عمومًا، في رأيي، دور أهم من دورها في حكاية سيرورة الزمن وتحولات النفس البشرية واستيعاب الطبيعة الإنسانية في مسرح يوميات الحياة. قد يبدو للقارئ، مع التقدم في الرواية، أن عبد الباري ضحية الإيمان الساذج بمسلمات الواقع. هو الذي تنقل من الإيمان الديني بالماركسية اللينينية إلى الهروب منها نحو الإيمان السلفي الذي قاده لذبح ابنه الصغير بالساطور الإبراهيمي، لتنفيذ أوامر إلهية جاءته في الحلم: "وفق الحلم، يلزمه أن يذبح طفله بالساطور الإبراهيمي، وليس بمسدس، وأن يبيع مسدسه بعد ذلك لشراء ثمن قبر ابنه، وأن يدفنه بيديه مع الساطور حينئذ، وحينئذ فقط، ستنتهي الحرب والعنف في هذا العالم. انتظرَ نهاية الأذان مباشرة. حرب أهلية جديدة تتفجر في جوفه وبين أضلعه. كل أفاعي العالم تلتف على بعضها في صدره. توكل على الله، بسم الله، قرأ آيات الكرسي والفاتحة، وذبح ابنه عند باب الجامع مباشرة، استجابة لدعوة الله له في الحلم، قربانًا لتتوقف الحرب ولينتهي الشر في كل العالم". أما عبدالقهار الذي ساهم منذ طفولته بالمسرحية والكذبة الكبرى في المسجد، فلم يتوقف عن التحول ليكون الابن المفضل للأب، ثم لكل رؤساء الدولة والقادة، عبر تغيير دائم لمعطفه: تحوّل في أحد مراحلها إلى قهاروف الذي يأمر المنظمة القاعدية الحزبية باتخاذ قرار حزبي بعدم وجود الله، وبعد ذلك بكثير تحوّل إلى "الشيخ الدكتور عبدالقهار"، صاحب براءة الاختراع بطرد الجن والشياطين بالواي فاي. الراوي غسان هنا أقرب للوجه الآخر المضاد لهما معًا: استقل عن مسلمات الثقافة، مارس الرؤية النقدية، انتقل إلى مواقع فكرية وفلسفية متقدمة.

- تجلّي ونورانية الراوي غسان هو نوع من الوحي المختلف عن الوحي الغيبي: وحي التنوير عبر التساؤل والشك والنقد والرفض، واستلهام فكر فلاسفة الحداثة وإضاءات العلم. هناك تطلع في أعمالك لتحديث مجتمعاتنا العربية عبر السرد الروائي كما يبدو من مشروعك غالبًا. ما رأيك؟

تجلّي الراوي غسان ثمرة تفاعل كيماوي بين أحداث طفولته وماضيه، تنقلاته وأسفاره، اندماجه بالواقع اليمني والعربي أحداثًا وتاريخًا وثقافة، وانفتاحه على أفكار الحداثة... وقبل ذلك رؤيته النقدية واستخدامه الناضج لكلمته المقدسة: "لا". أو كما سردته الرواية: "ما الوحي إن لم يكن لحظة اشتباك الدوائر الكهروكيماوية للأفكار واندغامها في عصبونات الدماغ، لتشعل شرارة التجلّي؟ ما نفحة الوحي إن لم تكن شعلة الإلهام والرؤى وهي تضطرم وتضيء كل الغرف المظلمة في الدماغ دفعة واحدة؟ يسقط بعدها الستار الأصم الذي يمنع الوعي عن ابتكار أفكار إبداعية أصيلة، وتصميم عوالم تخييلية جديدة. وتبدأ نشوة الارتشاف من نافورة الخلق الخصب اليانع الدائم." هناك فعلاً تطلعات كثيرة في كل رواية أكتبها: بناء عالم سردي جديد، علاقة أعمق باللغة وتطويرها من خلال غزوات صياغات تعبيرية جديدة، إثارة أسئلة لدى القارئ وتفجير آرائه بكل تفاصيل الرواية ونقله إلى مواقع فنية جمالية وفكرية ترتبط بالحداثة والاندماج بالعالم المعاصر...

- الحداثة العلمية عالم تعرفه تمامًا لأنك بروفيسور في علوم الكمبيوتر بقسم هندسة الرياضيات في إحدى كليات النخبة في فرنسا: "الكلية الوطنية للعلوم التطبيقية، روان، نورماندي." والحداثة الأدبية تمارسها ببذخ في رواياتك التي يحضر فيها العالم الرقمي بشدة. لماذا تعدّد الأبعاد في حياتك ضروري جدًا؟

صار جليًا للعين المجردة أننا نحيا في العالم الرقمي بقدر حياتنا خارجه، إن لم يكن أكثر. كل هذه الأعين المشدودة للشاشات، وكل هذه المعارف والحيوات المختبئة في سراديب الكمبيوترات: عالم آخر يغلِّف عالمنا المادي، يتخلله، يبتلعه، قبل أن يتحول الأخير يومًا جزءًا ضئيلًا منه ليس إلا! تعدد الأبعاد لم يعد ثراءً في ثقافة اليوم. صار ضروريًا جدًا لمواجهة الإشكاليات العلمية والفلسفية الكبرى. لم يعد بالإمكان اليوم حل المسائل المفتوحة الكبرى في الرياضيات دون دمج نتائج آتية من مجالات متباعدة شتى. ولا يمكن الإجابة على الأسئلة الفلسفية الكبرى، مثل "كيف جاءت فكرة الآلهة في حياة البشر، ولماذا صمدت حتى الآن؟" دون استخدام نتائج الأبحاث في علوم الاجتماع، وعلوم عصبونات الدماغ، وعلوم النفس، والأنثروبولوجيا. كلها معًا في الوقت نفسه. كذلك حال الرواية الحديثة: قدرها أن تكون معملاً تتفاعل فيه أدوات تعبيرية وفنية ومعرفية متعددة. لعلي لذلك أحاول توظيف ثقافتي المعرفية في إطار روائي أحيانًا، لاقتحام عوالم جديدة يصعب اقتحامها دون تعاضد الثقافتين، الأدبية والمعرفية، وعناقهما.

برؤية تحليلية رواية "وحي" للروائي حبيب عبدالرب سروري تعكس رحلة غنية في البحث عن الهوية والوعي، حيث تستخدم الشخصية الرئيسية غسان كأداة لاستكشاف مفاهيم الوحي والوجود. من خلال الحوار مع شخصية وحي، يتحول النقاش إلى منصة لاستفزاز الأفكار وتفكيك المسلمات.

يتناول سروري تأثير الثقافة الرقمية في تشكيل الوعي المعاصر، مما يعكس تحديات المجتمع العربي في مواجهة التغيرات السريعة. من خلال مشهدية سردية معقدة، يجسد الروائي الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات، مما يدفع القارئ للتفكير في مسألة الدين والإيمان بطريقة نقدية.

السرد لا يقتصر على تقديم الأحداث، بل يتعمق في فهم التعقيدات النفسية والاجتماعية، مما يجعل القارئ يشارك في رحلة البحث عن الحقيقة. الهدف الروائي هنا يتجاوز السرد التقليدي ليشكل دعوة للتأمل والتفكير النقدي في واقعنا المعاصر، مما يسهم في بناء وعي جديد يعكس التحديات والأزمات التي تواجه المجتمعات العربية.