القلب المخرمش في رواية "ترتر" للروائي العراقي نزار عبدالستار
ضحى عبدالرؤوف المل
أبحر الروائي "نزار عبدالستار" في عوالم "أينور"، المرأة ذات الأب الألماني والأم التركية، لتنعكس الصورة السلبية للمرأة العراقية في رواية "ترتر" الصادرة عن "دار نوفل"، التي تنتمي إلى تاريخ بدأه في إسطنبول عام 1898، شهر تشرين الأول، مع ابنة الرايخ الثاني. في بحث روائي يشبه الحملات العسكرية وديناميتها الخاصة بها، من حيث التواريخ والأحداث المتجذرة في العمق السردي والبناء الفني للرواية، وبتفصيل عن زيارة فيلهلم ومشروع سكة الحديد، يتنامى الحدث ببطء، تسرب إليه الإسراف بوصف أزياء أينور وحركتها المولعة بالأناقة وبالماركات العالمية.
لتستأثر أينور بصفحات الرواية الترترية ضمن متاهات التاريخ والحياكة النسيجية، والموضة، بمقاربات نفذها بأريحية ذاتية نابعة من حب الراوي للشخصية الأوروبية، وللحضارة التي أنجبت أينور، ابنة الرايخ الثاني، التي قامت بتأسيس مصنع جوارب في الموصل، تم تدميره فيما بعد، محققةً حلمها النسيجي دون حياكة لمؤامرات امرأة غادرت الموصل فجأة، تاركةً فيها عبق رودولف وبيت البهجة، أو بازار بيت الرغبة، أو بيت المتعة.
وبتقلبات مزاجية تنم عن تشابك الخيال دون التشبث بفرضية اللاوعي المرتبطة به، أو المرتبطة بالتحليل النفسي للشخصيات الذين انفردوا بمسألة الإعجاب بأينور، أو بالمهمة التي قامت بها في الموصل في ربيع 1906 أو شباط 1907، والشخصية التي لا وجود لها على الإطلاق وفق رسالة موجهة إلى الكولونيل تايلر إليوت من ليوتنانت روني لوك.
فهل هذه الرسالة هي بداية مشكلة الموصل الحقيقية؟ أم إن الألمانية الأب والتركية الأم واليهودي شاؤول جلعادي هما رواية شائكة في علاقة معقدة لم تتحرر من الصراع بين الدين والحداثة، ومن الأطماع الغربية في المنطقة العربية، وإن كانت سابحة في الجهل والتخلف تبعًا لرؤية الراوي في تخطيط رواية "ترتر" وصناعتها، التي تصور المواقف السياسية في الدولة العثمانية قبل احتلال الموصل؟
تشاركت فرنسا وبريطانيا في الإقليم العربي، كما تشاركت أينور ورودلف في قصة حب ينقصها الوفاء والإخلاص الذي لم يتحقق. كما بقي الشك عند أينور بخيانتها مع نساء الجنة بعد التشكيلات الاستخباراتية التي جعلت منها امرأة تقود الصراع بين الدول في مدينة الموصل، التي تتخبط بين القبول والرفض لعلم الطب الذي جاءت به، وعلم النسيج والحياكة لصناعة الجوارب، وشركة رودلف لتعزيز المشاريع التي من شأنها خلق فتنة بين أهالي الموصل والالتزام الاجتماعي أو الديني التقليدي.
فهل اقترنت أينور بالخطر العثماني الألماني في بلاد فارس؟ أم إن السرد في رواية "ترتر" تأثر بشخصية أينور لدرجة كبيرة، مما أعطى الكثير من الغموض في المعالم السردية التي تقطعت بين أينور والحدث التاريخي ضمن القوة الدبلوماسية التي امتلكتها أينور، وافتقدها أغلب الشخصيات في رواية وضعت أينور في مواجهة التغيرات أثناء وجودها في العراق مع المرأة العراقية أو الموصلية، التي لم يستطع "نزار عبدالستار" استحضار صورتها الرئيسية أو جمع تراثها القديم أو نضالها الذي لم يخبرنا التاريخ به.
استلهم الروائي "نزار عبدالستار" روايته من إلهاماته الأينورية، أو القمر الذي لم يكتمل، وما لبث أن اختفى دون أثر وطني غير مزدوج حقق غايته في استرجاع الأحداث. ومن مخطط روائي تكحل بالحقائق التاريخية الموصلية أولًا، دون اللجوء إلى النوع الرومانسي الذي ما جمعنا مع أينور ورودلف في مشاهد عابقة بالحب، وإنما بالذكريات المؤلمة والتصوير التخيلي القائم على امرأة فاتنة تؤدي طقوسها الأميرية الجافة، منعزلة بشكل سادي، ومبتعدة عن مشاركة الآخر الميت رغباتها في واقع تفتقده فيه كما فقدته في حياته. إذ بدا الخيال مغريًا في مسيرة التاريخ وتمثيلاته التي لم تترك أثرًا في رواية حملت بعض الأحداث من تاريخ مرّ على العراق في أعوام حددها، لتكون الرواية محدودة الزمن بين تشرين الأول 1898 حتى تشرين الثاني 1918، وبهذا تكون فترة أينور القمرية في ثلاثين سنة هي "ترتر" علم السلطة العثمانية الذي انحدر نحو الهاوية بعد احتلال الموصل. فهل رواية "ترتر" هي مرآة لعصرنا الحالي التي لم نستكشف من خلالها خصوصية المجتمع العراقي في السنوات التي منحها الهوية الترترية؟
برؤية تحليلية أخرى في رواية "ترتر" للروائي العراقي نزار عبدالستار، تتجلى معالم سردية اجتماعية تتجاوز مجرد التوثيق التاريخي لتغوص في عمق النفس البشرية والصراعات الثقافية. تبرز شخصية "أينور" كرمز للتحديات التي تواجه المرأة العراقية في ظل تأثيرات خارجية، حيث يمثل والدها الألماني وأمها التركية تجسيدًا للصراع بين التقليدي والحداثي.
يتناول عبدالستار في روايته قضايا الهوية والانتماء، مما يسهم في خلق مشهد أدبي يعكس تناقضات المجتمع العراقي في فترة التحولات السياسية والاجتماعية. تندمج الأحداث التاريخية مع العواطف الإنسانية، لتقدم لنا صورة متكاملة عن الصراعات الداخلية والخارجية.
يسعى الروائي من خلال سرديته إلى تسليط الضوء على دور المرأة كعنصر فاعل في المجتمع، رغم القيود التي تواجهها، ويستخدم "أينور" لتمثيل هذه التجربة. من خلال تفصيلات الحياة اليومية واشتباك الشخصيات، يكشف عبدالستار عن الجوانب المخفية في تاريخ العراق، مؤكدًا أن كل شخصية تحمل قصتها وأحلامها وتحدياتها.
في النهاية، تأتي رواية "ترتر" كمرآة تعكس الصراعات المعقدة للهوية العراقية، وتطرح تساؤلات حول المستقبل، مما يجعلها تجربة أدبية ثرية تتطلب التأمل العميق.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com