هل دور العرض التشكيلي التي أُقفلت أبوابها عام 2018 تعادل دور العرض التي أُنشئت من جديد وفتحت أبوابها هذا العام؟
ضحى عبد الرؤوف المل
يلعب الفن التشكيلي دوره المهم في خلق الأبعاد التعبيرية المجتمعية واحتياجاتها البصرية لتنمية الحس الذوقي عند الأفراد. إذ تساهم المعارض التشكيلية بتنوعها في تعزيز المشاركة الفنية، إن من خلال المساحات المتنوعة ديناميكيًا بمدارسها الفنية وأسواقها التشكيلية، المساعدة على إيجاد المتنفس الحقيقي لسوق هذه المعارض التي تؤكد كل عام على وقوفها إلى جانب الفن، كالنحت والتركيب الفني والفن المعاصر المعتمد على الحركة بشكل عام، والتشكيلي بشكل خاص، وإن ببطء شديد إن صح القول. إلا أن دور العرض في لبنان ما زالت مستمرة، رغم ضغوطات السوق التشكيلية العالمية المؤثرة نوعًا ما على دور العرض الصغيرة والمحلية. فهي ما زالت تساعد في نشر أعمال الفنانين، ليس فقط في دور العرض، وإنما أيضًا عبر الإعلام المنفتح على القضايا التشكيلية، والتي أصبحت تتشكل غالبًا عبر الفريق الإعلامي الخاص الذي يواكب متطلبات السوق العالمية والمحلية. وتكون هذه الفرق ودور العرض معًا جسر التواصل الحقيقي بينها وبين الفنان الذي يمر بالكثير من المتاعب منذ أن ينتهي من اللوحة إلى وصولها دور العرض، ومن ثم مفارقتها أو الاحتفاظ بها في مستودعات بانتظار المعارض الأخرى. فهل من دعم لدور العرض التشكيلية في لبنان (الدعم اللوجستي كحضور طلاب المدارس وتعميم الدعوات إلى المراكز المهمة كالبنوك وغيرها)؟ وهل دور العرض التشكيلي التي أُقفلت أبوابها عام 2018 تعادل دور العرض التي أُنشئت من جديد وفتحت أبوابها هذا العام؟
ينظر الناقد إلى الفن التشكيلي، الذي يأخذ عدة أنواع مختلفة، إلى فهم المزيد من الأفكار التي يبثها ثقافيًا وفنيًا، ومن حيث أهميته الذهنية والعقلية والوجدانية، إضافة إلى استخراج الموازين والنسب الذهبية. وما حدث في الماضي ويحدث الآن وما سيحدث لاحقًا من تخيلات لنتائج يتصورها الفنان حول المجتمع والحياة، ربما هذا جعل من السوق الفني للفنان السوري في لبنان يتراجع نوعًا ما بالقياس إلى ثورته التشكيلية في لبنان والدول المجاورة في السنين السابقة. فلم نشهد هذا العام لوحات لفنانين سوريين بكثرة كما شهدنا سابقًا. ربما لأن اللوحة السورية منها ما انحسر ومنها من وجد السوق الأقوى في البلدان الغربية التي لجأوا إليها، فمنها من استقر في بيروت وعرض في معارضنا، ومنها من غادر أو تقوقع بين تجارة اللوحة وجودتها. إلا أنه لم يخلو الأمر من المعارض الخجولة للوحة السورية في لبنان هذا العام. فهل تميز الفن التشكيلي في لبنان عام 2018 أم أنه ثار في بيروت آرت فير وهدأ بقية العام؟
بيروت آرت فير بصالات عرضه الواسعة من فرنسا وسويسرا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية وبلجيكا وألمانيا وفلسطين وأرمينيا وساحل العاج وبيلاروسيا ومصر، وملحق بيروت آرت ويك بات يستقطب الأنظار كل عام حتى يمكنني القول إنه يختصر المشهد التشكيلي برمته كل عام. لأنه لا ينسى الكشف عن المواهب، إضافة إلى جائزة بنك بيبلوس للتصوير الفوتوغرافي في لبنان والعروض السينمائية في الهواء الطلق المرافقة للفن التشكيلي، وهذا يمنحه الروح التي تجمع فنياً الزائر والمتلقي والفنان في سوق واحدة ذات فوائد متعددة. ولكن إلى أي مدى يؤثر ذلك على صالات العرض خلال بقية العام؟
أطلق الفنان شوقي شمعون ما يميزه دائمًا هذا العام من خلال معرضه في غاليري مارك هاشم المعتمد على تحديثه اللوحة وفق الجاذبية البصرية وثقل المادة، كما تميز الفنان البريطاني "ناثانيل راكو" في غاليري (ليتيسيا آرت)، والفنان "عياد عرفة" الذي أتى شخصيًا من القدس إلى بيروت لحضور معرضه في غاليري زمان، لما فيه من تناقض إيجابي بين نضج الموضوع وصرامته وحيوية المعالجة وشبابها، كما يقول مدير غاليري زمان "موسى قبيسي" الذي أثنى أيضًا على معرض "أماندا بوريل" من بريطانيا المسؤولة عن المركز الثقافي البريطاني في بيروت لمدة طويلة. فهل بيروت آرت فير استفز أصحاب المعارض لاستقطاب فن من الخارج؟ أم إنهم اعتمدوا على التلاقح التشكيلي بين لبنان والخارج؟ وهل يستمر ذلك عام 2019 ونشهد حركة تشكيلية ونحتية واسعة إضافة إلى الفن المعاصر؟
متحف سرسق وقصة شجرة الكاوتشوك للفنان اللبناني عبد القادري، والمنظور المترابط بين الشجرة والبيوت المهجورة، إضافة إلى فيلا عودة ومعرض بيروت مدينة التعايش للفنانتين لينا وهيلدا كيليكيان وغاليري أكزود، الذي بدأ العام مع الفنان أنطوان مطر، والفنانة باسمة بطولي، والفنان نبيل وهبي، ويولاندا نوفل، وجوزيف فالوغي، والتنوع الذي يضفي على الوجوه اللبنانية ميزة الفن في صالة قادرة على الاحتواء والاهتمام والاحتضان، إن صح القول، لمواكبتها احتياجات الفنان والمتلقي معًا.
أما غاليري أجيال المتلاحم مع غاليري صالح بركات، فقد استضاف في الأشهر الأخيرة من العام "أناشار بصبوص" ومعرض النحت لمادة الحديد وديناميكية الأسلوب عند "أناشار بصبوص"، الذي يسخر هذه المادة في النحت. وفي ذلك يقول صالح بركات: "نحن نركز على الفنانين اللبنانيين ولا نهتم باستيراد فنانين من الخارج بقدر ما نهتم بإبراز الفن على الساحة البيروتية، رغم أننا عرضنا لفنان عراقي وفنانين سوريين، لكن هم يستقرون في بيروت. بالنسبة لي الهم الأكبر أن أبرز الساحة البيروتية كمنصة إبداع، ومع ذلك عرضنا من غير اللبنانيين سيروان باران، وأنس البريحي، وسمعان خوام." باستثناء ذلك، كان برنامج عام 2018 حافلاً بالأسماء ذات الشأن الفني المرموق، سواء في غاليري صالح بركات أو غاليري أجيال.
كما أُقيم في لبنان هذا العام العديد من السمبوزيومات، إلا أن أهمها هو سمبوزيوم بعلبك الدولي الذي أقامته رئيسة جمعية الفنانين اللبنانيين ديما رعد بمشاركين من المكسيك والأرجنتين ومصر وفلسطين وغيرها من البلدان. فهل اقتصر النحت هذا العام على سمبوزيوم بعلبك ومعرض "أناشار بصبوص" في غاليري صالح بركات؟
تقول مديرة غاليري إليس مغبغب: "رغم كل الظروف الصعبة ما زال الفن التشكيلي وعالمه بصحة جيدة، وبصورة جيدة بل وقاوم حالة الركود. كمسؤولة عن مهرجان الأفلام الفنية وصاحبة غاليري، حاولنا بذل الكثير من الجهد لرفع مستوى النوعية وتجديد الجمهور الذي يشعر بنوع من الإحباط. وهذا يجب أن لا يستمر لأننا نمر بحالة مادية وبيئية صعبة. إلا أن الفن يرفع من مستوى التفكير ليقف الإنسان بشكل مشجع، فالفن ليس بالترفيه، لأنه رؤية جديدة ونظرة جديدة لنجد الحلول. النشاط الثقافي الفني يجب أن يستمر في لبنان، ونحن قمنا بمعارض ضخمة مع ديديدية لو نوريه والفنان شارل بيل، وعرضنا رسوماته الجديدة، وقمنا بتكريم للفنان بولس ريشة وعرض لأعماله، إضافة إلى أعمال لفنانين آخرين، إضافة إلى مهرجان بيروت للفيلم الوثائقي الفني على مستوى لبنان، وهو مشروع ضخم وأعطانا صورة واضحة عن حجم البلد والثقافة."
في المشهد الفني التشكيلي الطرابلسي أو الشمالي، إن شئت القول، تميز معرض "أطوار العمران" الذي تم افتتاحه في معرض رشيد كرامي والقلعة، رغم الانتقادات التي رافقته. إذ لم يشارك فيه الفنان الطرابلسي كما يجب، إلا أنه استطاع خرق روتين طرابلس التشكيلي بالفن المعاصر الذي كان يقتصر غالبًا على ما هو محلي. إذ شارك فيه الكثير من الفنانين من بيروت والخارج كالمكسيك، ولكن ضمن الفن المعاصر، كما كسر معرض الفنانة باسمة بطولي في طرابلس الجمود الفني التشكيلي المحلي ليستقطب معرضها الحضور الطرابلسي النخبوي في أجواء غمرها اللون واللوحة الجيدة. إضافة إلى الفنان جريج بوهارون من زغرتا، الذي أثبت هذا العام ميزة لوحاته التصويرية البورتريه الغني برؤية ذات قدرة عالية من التقاط التفاصيل التعبيرية للوجه بشكل خاص وللجسد بشكل عام. كما أُقيم في معرض الصفدي الثقافي العديد من المعارض التشكيلية التي اتصفت بالمستوى الجيد والتنظيم المساعد في إبراز جمالية اللوحة وجودتها ضمن المعايير التي يحافظ عليها مركز الصفدي دائمًا فيما يخص المعارض التشكيلية فيه. وأيضًا بيت الفن ميناء طرابلس الذي استطاع في إطار توسيع دائرة العلاقة بين فنانين الوطن العربي للتبادل الثقافي وتفعيل دور المبدعين العرب وتشجيعهم لأخذ المبادرة ولعب دورهم الحقيقي بالنهوض والعودة لريادة الخارطة الدولية. وقع مدير ومؤسس بيت الفن في لبنان عبد الناصر ياسين ومدير أتيليه القاهرة الفنان أحمد الجنايني، وذلك أثناء زيارات متبادلة لتبادل الخبرات والتجارب، ولعل ذلك يبث الدم الفني الجديد عام 2019 في طرابلس. ومع ذلك، ما زالت طرابلس بحاجة إلى استضافات فنية خارجية وسمبوزيومات دولية في الرسم والنحت والورش التدريبية، فهل ستتخطى ذلك عام 2019؟
أما الرابطة الثقافية، كما كل عام، لعبت دورها في فتح صالتها التشكيلية أمام أهالي الشمال كافة، وأمام كل فنان وزائر من خارج طرابلس. إلا أن النشاط التشكيلي فيها بقي ضمن المحليات، رغم الأوليات التي أعطاها أهمية كبرى مدير الرابطة الثقافية رامز الفري، تاركًا للمواهب فسحة تشجيعية ممهورة بالمواكبة والعناية والتنظيم، إضافة إلى الفنانين الآخرين. وبين معرض "ألوان الاستقلال" ومعرض "المحبة والسلام"، ما زلنا في طرابلس بحاجة إلى استضافات تشكيلية من خارجها، إضافة إلى الدورات والورش الفنية التشكيلية. فهل ستتخطى طرابلس ذلك عام 2019؟
هذه السنة، تم تنظيم معرض الجنوب 21 بمشاركة واسعة من فنانين من لبنان والخارج، واستطاع القيام بالورش التشكيلية إضافة إلى العروضات. يبقى السؤال، كما كل عام: أين معارض الفن التشكيلي في عكار شمال لبنان؟
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com