فك رموز "المدينة العربية والحداثة" في كتاب الدكتور خالد زيادة
ضحى عبدالرؤوف المل
تلعب المراجع المهمة الدور الأساسي في فك رموز كتاب الدكتور "خالد زيادة" الصادر عن "دار رياض الريس للنشر والتوزيع" تحت عنوان "المدينة العربية والحداثة"، وصولاً إلى "مدن إسلامية في عهد المماليك"، مما يشكل نوعًا من التوثيق الاجتماعي الذي يضفي على ملامح الزمن والتاريخ نوعًا من رؤية واضحة. تشكل دراسة تهدف إلى فك الغموض التاريخي أو إعادة خلق مساحة عربية لتفسير مصطلح المدينة أو إثارة التساؤلات المؤدية إلى استكشافها عبر التاريخ ضمن سياقات مختلفة.
كشف عنها إلى ما أبعد من دائرة الباحثين في ضوء مسيرة حياته واهتمامه في تفسير المدينة وتحولاتها دون أن ينسى طرابلس الواقعة في شمال لبنان، وهي المدينة التي وُلد فيها وشهد على تغيراتها نسبيًا إن صح القول. "تعكس تجربتي في المدينة والتحولات التي عرفتها المدينة في الخمسينات والستينات في القرن العشرين، وعشتها أنا." فهل من تباطؤ في حداثة المدن العربية؟ أم هو الزمن وتحولاته المؤثرة على الإنسانية بشكل عام؟
التمسك بالعربية، ووحدة المدينة وتراث جمعه العلماء من العصر المملوكي، ومفردات هي من الإشكاليات والمصطلح قبل الدخول إلى المدينة العثمانية والتعارض بين المدينة والريف في المجتمعات الإسلامية، وتراكمات تاريخية تؤدي كل منها إلى منح التتابع قيمة التغيرات التي حدثت بالفعل كالقسطنطينية وتحولها إلى إسطنبول، وما اكتسبته هذه المدينة على مر التاريخ، مما جعلها تتغير دون أن تتخلص من المكتسبات الاجتماعية الشيء الكثير. إلا بما يخص التغيرات السياسية أو تغيرات سلطة الحكم بين المملوكي والعثماني وصولًا إلى "سيطرة أوروبا الكاثوليكية على مداها الجغرافي." فهل كانت الكاثوليكية تشكل عائقًا لتطور المجتمع المسيحي؟ أم أن إظهار أخطاء الماضي وظروف التغيرات التاريخية على المدن العربية هي لإعادة إنتاج الماضي تحليليًا بأسلوب علمي تاريخي اجتماعي سياسي وغير ذلك؟
قواعد بحثية سار عليها الدكتور "خالد زيادة" وفق تراكم الأحداث في التاريخ نفسه، مسلطًا الضوء على أحداث الماضي، وبانضباط نستخلص منه الفهم المنطقي للحاضر. خاصة في فصل المدينة العثمانية وكل ما هو مرتبط بالمدينة الإسلامية وما تمثله إسطنبول من نموذج فريد سعى إليه ليؤكد أن ما نعيشه من تغيرات يومية تؤثر على سلوكياتنا مع الآخرين ضمن القواعد الاجتماعية الثابتة التي تثير الكثير من التساؤلات على صعيد الحداثة.
خاصة في المدن المكتظة مثل حلب التي تسببت الزيادة السكانية وهجرة أهل الأرياف إلى المدن هربًا من التكاليف الضريبية التي ما عادوا قادرين على تلبيتها. فما الذي اكتسبه نمو المدن العثمانية من حداثة جزئية أو بطيئة شكلت نوعًا من تغيرات لحقت ببيروت "التي كانت مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف نسمة في مطلع القرن التاسع عشر، فصارت مدينة كبيرة يتجاوز عدد سكانها المئة ألف نسمة في نهاية القرن نفسه وكان تطورها فريدًا." فهل من تطور يضبط عجلة الحداثة المؤثرة على المدينة العربية قبل أن يكون هناك سلام؟
سؤال يثيره الدكتور خالد زيادة بعد أن نقرأ ما كتبه عن بيروت المتوسطية وتاريخها القديم والجديد وصعوبة تخيلها في ظل التطورات المتلاحقة من حقبة الحكم المصري ونهوضها الذي تدين به لفترة (1832-1840) إلى أهميتها في منافسة إزمير والإسكندرية وصولًا إلى عاصمة اقتصادية لجبل لبنان من خارجه وبوابة لسوريا. "فهل التجديد في مدينة بيروت بعد الحرب، وتحديدًا ما قام به رفيق الحريري من إصلاحات وتحسينات وتصميمات حديثة، جعل منها واجهة شرقية للحداثة العالمية؟ أم أن الاستثمارات الاقتصادية، وهذا ما سعت له الكثير من الدول، هو من جعلها باريس الشرق الأوسط؟ وهل بيروت العثمانية وبيروت في الاحتلال الفرنسي تشبه بيروت الحريرية؟ وهل ارتباط مدينة بيروت بالماضي واستمراريتها بالتطور يضمن حداثة هويتها؟
عصف ذهني هو زوبعة معرفة تاريخية واقعية مؤثرة بالمعنى الحقيقي على تكوين صورة عن هوية المدن العربية والإسلامية، أثارها الدكتور زيادة من خلال مراجع كثيرة لتثبيت رؤيته عن المدينة العربية والحداثة، والأزمات الكثيرة التي أصابتها في الماضي، بالتفاف تاريخي موثق بدائرية ما خلت منها التفاصيل العمرانية والاستشراقية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وما إلى ذلك. ولكن هل من خطأ يقع على كل مدينة لم تتسارع فيها حركة الحداثة أم إن الأطماع الخارجية في كل زمن ولدت تغيرات كثيرة على واقع المدن العربية؟ لكن يبقى السؤال الأهم الذي يثيره الكتاب: هل تعاني الدول العربية والإسلامية من صعوبات في اتجاهها نحو الحداثة؟
برؤية أخرى تحديثية بعد صدور المقال في جريدة اللواء في كتابه "المدينة العربية والحداثة"، يقدم الدكتور خالد زيادة رؤية عميقة وشاملة تعكس مسار التحولات التي شهدتها المدن العربية عبر التاريخ. يسعى زيادة من خلال هذا العمل إلى فك رموز العلاقة المعقدة بين المدينة ككيان حضاري والحداثة كفكرة اجتماعية واقتصادية. يُظهر الكتاب كيف أن المدن ليست مجرد أماكن جغرافية، بل هي تجليات للهوية الثقافية والاجتماعية، تتفاعل وتتأثر بالعوامل التاريخية والسياسية.
يتناول زيادة مدنًا رئيسية مثل بيروت وطرابلس، حيث يستعرض التحولات التي مرّت بها هذه المدن في فترات زمنية مختلفة. يركز على الخمسينات والستينات من القرن العشرين كفترة محورية، حيث شهدت المدن العربية تغيرات جذرية في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية. يُبرز كيف أن هذه التحولات لم تكن نتيجة لعوامل داخلية فقط، بل تأثرت أيضًا بالظروف السياسية العالمية، مثل الاستعمار والحروب.
في سياق الحديث عن الحداثة، يُثير زيادة تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الحداثة قد حققت تقدمًا حقيقيًا في المجتمعات العربية، أم أنها كانت مجرد تكرار للنماذج الغربية دون فهم عميق للسياق المحلي. هذه الأسئلة تعكس الوعي العميق بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار عند التفكير في الحداثة.
يُظهر الكتاب أيضًا تأثير العوامل الخارجية على المدن، وكيف ساهمت الأطماع السياسية والاقتصادية في تشكيل الهويات الحضرية. من خلال تحليل التجارب التاريخية، يسعى زيادة إلى تأكيد أن الحداثة ليست مجرد عملية زمنية، بل هي عملية مركبة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والثقافية، مما يتطلب فهماً شاملاً لتاريخ المدن وهويتها.
تجسد رؤية الدكتور زيادة عصفًا ذهنيًا يتجاوز حدود البحث الأكاديمي ليطرح أسئلة عميقة عن الهوية والانتماء، مُسائلًا التجارب الحياتية للأفراد في هذه المدن. من خلال أسلوب سردي يجمع بين الموضوعية والانطباعية، يتمكن القارئ من الشعور بوطأة التحولات الاجتماعية التي مرت بها هذه المدن، مما يعزز من فهمه لواقعها الحالي.
في الختام، يمثل كتاب "المدينة العربية والحداثة" دعوة للتأمل في دور المدن في تشكيل الهوية العربية. إن البحث في هذا الموضوع ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو محاولة لفهم الحاضر والمستقبل في إطار تاريخي غني ومعقد. إن الأسئلة التي يطرحها زيادة حول تحديات الحداثة والمشكلات التي تواجه المدن العربية تدعو إلى حوار مفتوح ومثمر حول سبل التقدم والتطور في العالم العربي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%81%D9%83-%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AF-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9/