فن الإنشاء التشكيلي المثير للاهتمام البصري

ضحى عبدالرؤوف المل

تمزج الفنانة "بليندا زكّا" (Belinda Zakka) الوسائط الفنية المختلطة مع بعضها وفق الاتساق البنائي للوحة، بأسلوب تقطيعي أو جمع الكثير من القطع المختلفة مع بعضها البعض ضمن معايير اللوحة الفنية، وأبعادها المنتظمة برويّة تتلاحم معها الحدود الفنية التي خططت لها، بل تآلفت معها وفق الأسلوب الذي انتهجته، وهو فن الإنشاء التشكيلي المثير للاهتمام البصري ومحور الرؤية التشكيلية والقدرة على تحديد المنظور الفني. يمثل هذا الأسلوب خطوات الفن الكولاجي مع الألوان التي تدفع للبحث والتأمل والاستكشاف واللمس، مع المحافظة على ميزة إنشاء لوحة متكاملة اللمسات جمالياً وحسياً، وزيادة المؤثرات التي من شأنها إظهار العمق بطريقة فنية تؤدي دورها المؤثر على الظل والضوء والمقاييس، باستخدام كافة الوسائل من طباعة ومعدن وقماش وألوان. كل ذلك يمنح اللوحة عدة تفاصيل محتفظة بالنضارة البصرية لما تجسده التعبيرات في لوحاتها من حرية في الشكل والمضمون، وبعفوية نظمتها ضمن الأفكار التي طرحتها في كل لوحة صممتها وكسرت فيها رتابة اللوحة الزيتية أو الأكريليكية أو غيرها.

تحافظ الفنانة "بليندا زكّا" على الملمس البصري بمعنى التحسس الفني وتأملات التفاصيل الأنيقة في الاستكشاف المبني على عدة اختلاطات مستوحاة من عالم الأزياء والموضة قديماً وحديثاً، حيث تجمع صورة ماكينة الخياطة مع لوازمها وتزينها بصور وأدوات تعتمد على النظام والفوضى والخروج عن المألوف عبر نمط الكولاج والتركيب أو التأليف الإنشائي بعفوية تتدفق من تشكيل المادة داخل المادة نفسها، وقدرة اللوحة على الاحتواء الفني والوضوح في القبول الفني المعتمد على الاختلاط والتضاد والتناقض حتى بالمقاييس بين القطع الصغيرة، ورمزية الجزئيات الأخرى المستخدمة في اللوحات كافة. متفردة أسلوبها الذي يفرض الدهشة على المتلقي لبساطة أدواتها وتعبيرات تفاصيلها والمعنى المرتبط بالموضة والأزياء والجمال عبر أزمنة مختلفة. فهل تحاول بليندا تصميم لوحة هي عرض أزياء تشكيلي يعتمد على الكولاج والرسم والتصوير الفني المرئي الذي يجتمع في لوحة واحدة أضافت إليها الملامح التشكيلية؟

تبدو الاختلاطات الفنية في أعمال الفنانة بليندا ممتعة بصرياً، لأنها تتخذ أشكالًا لمسميات كثيرة لمسنا وجودها في القرن السابق أو العصور السابقة، إضافة لمستحدثات عصرية يمكن رؤيتها عبر مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية التي قامت بإنشائها مستخدمة الأدوات البسيطة، التي تشتمل معظمها على القطع الفنية من خيطان وأقمشة وزهور مطرزة ودوائر معدنية ومجوهرات تقليدية، وأسهم وريشة كتابة ورسائل قديمة ومخطوطات، وكل ما من شأنه أن يمنح لوحاتها جمالية المزج بين المحتوى والأسلوب والعناصر والقدرة على التأليف بتعبير فني كولاجي مؤثر جمالياً. إذ ترتبط التفاصيل المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتعبير عن الفن القديم من خلال أشكال يدوية تستنبطها بليندا مثل التجميع والكولاج، وقد تستمد بعض الأطر من أشكال لقلائد قديمة (تحويطة) في تصميم فني مستحدث، حيث يتم "تجميع" الأشياء التي تم العثور عليها بتأليف فريد من نوعه. لأنها تتضمن إعادة ترتيب العناصر الموجودة في كل قطعة اختارتها ووضعت لها عنواناً، هي مجموع ذكريات مضت في عالم الأزياء والإكسسوارات، وحتى البريد والتلفون في الزمن الماضي، مثل الورق والقماش والرسائل والمفاتيح وقصاصات الجرايد من جميع الأنواع (قصاصات الصحف، تغليف الهدايا، عتيق الطراز القديم، صفحات الكتب القديمة، الطوابع البريدية، البطاقات البريدية، إلخ)، بالإضافة إلى العديد من العناصر الصغيرة الأخرى التي تم لصقها على سطح الورق أو القماش أو الخشب. خلط بين الألوان والأشكال والقصاصات والمطبوعات والأقمشة، مثل الدانتيل وتضاعيف الأدوات الأخرى.

برؤية أخرى تتطرق الأعمال الفنية إلى مفهوم الحرية والتعبير الذاتي من خلال دمج العناصر المختلفة، مما يعكس تفاعلاً عميقاً مع تجارب الفنانة الشخصية وثقافتها. يستحضر العمل انطباعات متنوعة تتعلق بالزمن والتقاليد، بينما يبرز الفوضى والجمال في تناغم غير متوقع.

تتسم الأعمال الفنية بإيقاع متنوع، حيث تتداخل العناصر بشكل يخلق حركات بصرية متوازنة. يستدعي الإيقاع التفاعل بين الأشكال والألوان، مما يُشعر المشاهد بالحيوية والحركة. هذا الإيقاع المتجدد يجذب الانتباه ويعكس ديناميكية الحياة المعاصرة.

تتجلى الرؤى البصرية في تنوع الأشكال والألوان، مما يخلق عمقاً بصرياً يعزز من تجربة المشاهدة. تجمع اللوحات بين الأسلوب التجريدي والتعبيري، حيث تتداخل الألوان بشكلٍ يُبرز جمال التفاصيل الدقيقة. هذا التركيب البصري المتنوع يسهل على المشاهد التفاعل مع العمل على مستويات متعددة.

تستخدم الفنانة الرموز بشكل ذكي، حيث تعبر العناصر المختلفة عن أفكار عميقة تتعلق بالهوية والتقاليد. على سبيل المثال، قد تمثل ماكينة الخياطة تراث الحرف اليدوية، بينما تشير الأقمشة المزخرفة إلى التغيرات في الموضة وتطورها. هذه الرمزية تضيف عمقاً معنوياً للعمل وتُعزز من التجربة الجمالية.

تعكس الأعمال حالة من التأمل والتفكير. تعزز الألوان القوية والأنماط المعقدة شعوراً بالتشويق، مما يدفع المشاهد للتفكير في معاني العمل وكيفية ارتباطها بحياته الشخصية. هذا التأمل يخلق تجربة نفسية غنية، تعكس الصراع الداخلي والرغبة في التعبير.

تتسم التجربة النفسية للشخص بمشاعر مختلطة، من الإلهام إلى الفوضى، مما يضفي على العمل بعداً إنسانياً عميقاً. تتجاوز اللوحات مجرد كونها تجسيدًا بصريًا لتصبح وسيلة للتواصل مع مشاعر المراقب، مما يعزز من تجربة الانغماس في العالم الفني.

تتميز الأعمال بجماليات فريدة تمزج بين البساطة والتعقيد. يبرز الجمال في التناغم بين الألوان والأشكال، مما يخلق تأثيراً بصرياً مثيراً. يتمثل الجمال أيضاً في القدرة على التقاط اللحظات العابرة وتحويلها إلى تجارب فنية دائمة.

تسهم الألوان الزاهية والخطوط الديناميكية في تعبير العمل عن حيوية الحياة. يعكس هذا التعبير الفني القوي إحساساً بالحرية والانطلاق، حيث تمثل كل لوحة نافذة إلى عالم الفنانة الداخلية.

تقدم أعمال "بليندا زكّا" تجربة فنية غنية تدمج بين الإيقاع، والرؤى البصرية، والعمق النفسي. تعكس هذه الأعمال انطباعات متعددة عن الهوية والحرية، حيث يتمتع المشاهد بتجربة بصرية شاملة تأخذه في رحلة من الاكتشافات الجمالية والتعبيرية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A8%D9%84%D9%8A%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D8%B2%D9%83%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%87%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A/