الأراضي الموصلية الحبلى ببقايا من أمل
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "حارس الشمس" للروائية إيمان اليوسف.
انطلقت الروائية إيمان اليوسف في حكايتها الدافئة والمحملة بعبق الموصل ومخاوف الحصار وفزاعة الجوع نحو الإعياء الرمزي الذي أصاب أم حسين، كأن سحر شهرزاد قد انطفأ فجأة، فالموصل مدينة قديمة كانت تكتظ بالحرفيين، وبمعالم أثرية وحياتية أرادت الروائية إيمان اليوسف تصويرها، لتبقى معالمها في رواية تحكي قصة العراق بعاطفة وطنية مصبوغة بالكثير من التشابيه التي تقود القارئ نحو تراثية المدينة، وما مر عليها عبر زمن يصعب وصفه، إلا أن الموصل" كالملكة الآشورية الصامدة التي تفتن أعداءها بسحرها وفتنتها." فالبناء الروائي اعتمد على التشبيه الشاعري كملحمة خالدة تعيد للموصل قوة مجدها وثباتها رغم الحصار الذي يتعاقب عليها على مر التاريخ، كما انطلق البناء الروائي من فكرة أم حسين والأولاد الذين يرمزون إلى أبناء الوطن، وبأسلوب تأملي خلطت فيه الأحداث الواقعية والمتخيلة، فارتبكت الصورة الوصفية عبر مسافات فصلتها أنطولوجيا بمرجعية الأحداث التي مرت على العراق من سرقة الآثار وصولا إلى قتل الصحافيين والأمراض، والجوع، والخوف، وبتكثيف لم تحدده في المشاهد، أو بالأحرى في اللعبة الروائية التي مارستها ببناء كتابي ذي منظور تكنيك بحت ولا سيما في العناصر البنائية التي لجأت إليها الروائية إيمان اليوسف، وبخدعة الوهم الانقيادي الممسك بالقارئ.
تميل الأهداف الروائية في رواية " حارس الشمس" إلى تمجيد الموصل، لتكون كقديسة لها مهابتها، ولها جمالها التاريخي الذي لا ينساه العراق، ولا العالم على مر التاريخ، فأهلها اعتادوا على الجوع والخوف والفقر، ولكنهم يتمسكون بأصالتها، وبكل حبة تراب فيها، وإن وقع أهلها فريسة الحروب التي فرضت نفسها على شعب مارس لغة البقاء بنفي الاستسلام حتى للمرض والقتل والتشرد، وقد نجحت في أرشفة الطابع التراثي لهذه المدينة بوثائقية جمعت فيها الشخصيات والأماكن بسرد خضع للغة مشحونة بالوطنية، وبفصل الخارج عن الداخل، ليبقى القارئ محصورا في الموصل الشبيهة بزهرة دوار الشمس، ودلالاتها التي تفصح عن ضعفها وقوتها، كلما أشرقت الشمس عند الصباح، وكلما غابت، فهل ساعد السرد التقني في اختزال الحدود التخيلية والواقعية بين القارئ والرواية؟
نمط سردي شاعري في تطلعاته البنيوية، لتقليص الرتابة عند القارئ المتطلع إلى نهاية سعيدة لهذه العائلة التي تنتمي إلى الوطن الموجوع بكل أجزائه تماما كجسد أم حسين، أو كالأبناء الذين يتطلعون إلى ضوء الشمس بمحاكاة تراجيدية تميل إلى الحزن والقهر، وحبس المشاعر المتأثرة بواقعية الأحداث التي توقظها بحس يسمو عند التفاصيل الصغيرة التي أكثرت منها في الكثير من المقاطع التي نفخت فيها حس التراث، وأمجاد الملكة الآشورية المتعبة من التاريخ الذي يتجدد في كل مرحلة من مراحل الحروب التي يختفي فيها الرجال، وتبقى النساء كالأوطان في انتظار أبنائها، وببنية ذاتية لم تخرج عن سياق البناء الفني للرواية، مما جعلها تصاب ببرودة فرضتها علاقتها بالأشياء المحسوسة في العراق، والتي يمكن إدراكها عاطفيا، وبتوليف عقائدي ارتبط بهوية المكان ورؤيا الوطن المتسامي فوق الجراح، وبمثالية تفوقت على قوة استحضار التفاصيل بمنطق القارئ والروائي.
تتسم الحياة الموصلية في الرواية بطبيعة الأشخاص الذين ينتمون إلى الأصالة، وبالبعد عن فكرة الهجر وترك الأوطان رغم أن البعض لجأ إليها، إلا إن الانتقاد الداخلي لهؤلاء حافظ على الانعكاسات البنيوية للأشخاص، وبمادية وجودية أصيبت بميكانيكية الشخوص وارتباطهم بالنص ولا سيما النابعة من ذاتية الكاتب بالبعد عنها أو ملامستها، وبنبض حياتي يوحي بعمق الفكرة وبساطتها في آن، إلا إنها لم تختزل الكثير من الأطر الاجتماعية متجاوزة الواقع بين صورة وصورة، ومنطق الأحداث وارتباطها بالتجانس الدرامي.
معالم أثرية ذات منهج تصويري تخيلي يرمز إلى البعد في المعايير الروائية التي ارتكزت على البناء وأهدافه أكثر من الموضوع وأهميته، مما تتطلب وجود دلالات تخيلية أقوى مما هي في الحقيقة الناتجة عن قوة هذه المدينة في التصدي لكل أنواع الحروب التي واجهتها، وضمن الخطوط العريضة للرواية الموصلية التي تلقي الضوء على مدينة تغدو كحارس الشمس المتلاحم مع كل تاريخها الوجودي من الأزل حتى الآن، فهل نجحت بذلك الروائية إيمان اليوسف؟ وهل استطاعت حفظ الموصل وتراثها في رواية "حارس الشمس."
Doha EL Mol