الواقعية المثالية وتكويناتها الأكثر جدلية في رواية "أحبها ...ولكن"
قراءة في رواية "أحبها ...ولكن" للدكتورة "مهى خير بك"
ضحى عبدالرؤوف المل
صممت الدكتورة "مهى خير بك" مجموعة من المعايير والقيم المثالية في رواية تنتمي لتاريخ أدبي يسمى الواقعية المثالية، مما يؤدي إلى إشكالية لا يعترف بها غالبية القراء وحتى النقاد. إلا أنها من امتيازات النقد المجتمعي الذي يجمع بين المفاهيم الأدبية النظرية والجمالية المجتمعية المتنوعة، مشيرةً إلى الكثير من الحقائق الإنسانية والحساسيات الأيديولوجية. وهذا يعني أن الرواية هي خطاب دقيق متصل بالإنسان المثالي، والكمال، دون أن تنسى الرومانسية وردود الفعل الاجتماعية بفن روائي تمثيلي ذي موضوعية تقضي على الأنا، وتجعلها في الشخصيات التي هي الأبرز في تلخيص المواقف الواقعية المتخذة من العقبات أو العقد. مستويات دلالية هي مجرد انعكاس للحدث بجوانبه كافة، وصولًا للأخلاق الحميدة التي تزرعها بتؤدة وعمق أدبي، لتنبت في أفكار القارئ بصرامة وسلطة مارستها، لتجمع بين البشرية عبر الأفكار التي تؤمن بها إنسانيًا، مؤكدةً على قوة القيم الإنسانية في روايتها "أحبها ...ولكن". فهل من عقيدة أفلاطونية تمسكت بها في روايتها، أم هو الواقع الاجتماعي المتفسخ الذي يحتاج لرؤى مثالية غير مبتذلة في رواية تتطلع كاتبتها نحو المثل العليا في الحياة لتطهير الأنفس من الخبث والشر، ومحو الصراعات المختلفة من خلال زرع المثل: "الإنسان الحقيقي يا نور يتسلح بالقيم الإنسانية، وإذا فقد هذه القيم، لا يكون إنسانًا، ليست الإنسانية شعارات يطلقها حكام العالم، الإنسانية ممارسة دينية وحضارية وأخلاقية وفكرية وإبداعية، الإنسانية لا تحدها تعريفات، إنها مطلق حقيقة الإنسان وجوهره".
سمة أسلوبية واقعية تتسم بالجدية وكفاءة السرد المحتفظ بهوية طبيعية تحليلية لأدب روائي احتدمت فيه الرؤى اللغوية وسماتها الدلالية، وعبر عدة مستويات تتشابك مع بعضها البعض، وبتطور لمفاهيم زمنية ومكانية، وأخرى بين هلالين حدسية أثارتها عبر التساؤلات لإثارة ذهن القارئ ونفي الأنا. إلا أنها تشكل جزءًا من كل وبالعكس، مندمجة بالمعايير الروائية بين الرواية البرجوازية الكلاسيكية والرواية الواقعية القومية والمثالية أيضًا، وعبر الخطاب الروائي الموجه الذي تُرتّق به "مهى خير بك" التمزق الاجتماعي بعد الحروب التي تتسبب بالقتل، والتشرد، مما عكس واقعًا أيديولوجيًا صورت من خلاله الكثير من التشرذم الذي وقع أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وحصد الأبناء ما نتج عنه. إلا أنها جنّدت الشخصيات لخدمة المثل والقيم والأخلاق والرومانسية والحياة الشريفة والعشق الحلال وما إلى ذلك، وكأنها تقول للقارئ علينا أن ننظر إلى المستقبل بعيون خالية من الطائفية والمذهبية: "فالإنسان أخو الإنسان إلى أي دين انتمى". فهل تتماشى أحداث رواية "أحبها ...ولكن" مع الواقعية المأساوية وجمالية النفحة الشاعرية في الرواية وقنوت اللغة بتمثلاتها الفنية كافة؟ أم هي مسألة القيم الإنسانية وانسيابها التلقائي مع أسلوب الواقعية المثالية الذي تكون منه الخطاب الروائي في رواية "أحبها ...ولكن"؟
تتعالى دكتورة "مهى خير بك" عن التشدد في مثاليتها الروائية منتفضةً على الذات، وموزعةً مشاعرها النبيلة على شخصية جوهرية تسربت لاشعوريًا من تطلعاتها المختزنة، الكثير من الشخصيات التي تتخذ في أبعادها مفهوم الشكل وتغيراته في الرواية المثالية. وبجذرية ذات خصوصية تجذب الانتباه نحو الشخصية الرئيسة، وهي نور/ميشلين، بينما الشخصيات الأخرى ما هي إلا الخيوط التي تنسج حول نور واقعًا هو التمثيل الحقيقي لرؤية بسيطة في مسعاها، معقدةً في تكوينها، لأن الواقعية المثالية في الرواية امتدت بدرجات مختلفة نحو التكافؤ في التطهير أو إزالة تدنيس النفوس في الحروب التي جعلت من الأم التعسة بدرية أماً لطفلين آخرين، والأم جانيت تستنطق شريط ذكريات نور، والشيء "الطبيعي أن تخبر الأم أبناءها عن طفولتهم". وهذا التطهير فرض عالمًا حقيقيًا ذا تمثيل عقلي يؤدي إلى نتيجة حددتها القيمة الواقعية أو المثالية، وشروط هيكلها في رواية ذات نظم حوارية، وتكوينات دلالية تناسب مستويات الكينونة الواقعية التي اتخذت منها نظرتها نحو الكمال الإنساني أو المثالية في جوانب الحياة كافة، وخاصة الأمومة وما تحتاجه من مثل عليا لتحقيق الأهداف الانجذابية لمستقبل يجب التخطيط له، لجيل المستقبل أو جيل جاد الجديد. فهل تبحث دكتورة "مهى خير بك" عن الاستقرار الوجودي في وطن عربي نشبت فيه الصراعات بمختلف أنواعها؟
برؤية أخرى في رواية "أحبها... ولكن" للدكتورة "مهى خير بك"، تتجلى عمق العلاقات الإنسانية في سياق اجتماعي متوتر، حيث تتصارع القيم المثالية مع واقع مرير يعكس التشرذم الاجتماعي الناتج عن الحروب. تقدم الرواية الشخصية الرئيسية، نور، كنموذج للإنسان المثالي الباحث عن الحب والانسجام في عالم يتسم بالصراعات الطائفية والمذهبية.
تتناول الرواية موضوعات مثل الهوية والانتماء، حيث تسلط الضوء على أهمية القيم الإنسانية كمرتكز للحياة الكريمة. تتفاعل الشخصيات بشكل يعكس تباين وجهات النظر بين الرغبة في الكمال والمثالية، وبين خيبات الأمل الناجمة عن واقع قاسٍ.
تجذب الرواية القارئ من خلال الحوار الداخلي العميق، الذي يكشف عن مشاعر الإحباط والأمل في آنٍ واحد، مما يجعل القارئ يشارك الشخصيات رحلتها. الأسلوب السردي يجمع بين الواقعية الشاعرية والتحليل النفسي، مما يعزز من القدرة على استشعار صراعات الشخصيات مع أنفسهم ومع المجتمع من حولهم.
من خلال هذا التركيب السردي المعقد، تنجح "مهى خير بك" في تقديم نقد اجتماعي واضح، يدعو القارئ للتفكير في إمكانية التغيير وضرورة القيم الإنسانية في مواجهة الفساد والانقسام. "أحبها... ولكن" ليست مجرد رواية حب، بل هي تأمل في الواقع العربي، ونداء للعودة إلى القيم التي تضمن للبشرية عيشًا كريمًا خاليًا من الفتن.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%AF-%D9%85%D9%87%D9%89-%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D8%A8%D9%83-%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%88%D9%84%D9%83%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9