هل نخاف الموت أم نخاف من الحياة؟
قراءة في رواية "حياة" للروائي "دافيد فاغنر"
يعالج الروائي "دافيد فاغنر" في روايته "حياة"، الصادرة عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع"، موضوع الحياة نفسها وعبثية الوجود في مكان هو للعلاج والعودة بعده إلى الحياة. إلا أنه يشبه الذاكرة البيضاء عند الولادة، قبل أن تخط الحياة عليها روايتنا أو الأحداث الحياتية التي تصيبنا بالأمراض. فالمكان الأبيض والدماء المتناثرة والتهاب الكبد المناعي وسريالية المشهد لا تمنع القارئ من الدخول إلى المستشفى مع "دافيد فاغنر" ورمزية حوته الأبيض، بل ترافقت معه في كل مشهد تلو الآخر، كأن المكان هو رسالة شكر يتوجه بها إلى متبرع وهبه الكبد، وجعله يفكر في حياته الماضية كلها أو بالأحرى حيواتنا الأدبية والسينمائية والفكرية والشعرية، مصورًا كل ما ارتسم في الشعور المبهم الذي تحول إلى كلمات مكتوبة في رواية واقعية فلسفية تجري أحداثها في المستشفى وخارجها، ملتقطًا بدقة اللحظات الكئيبة لأحداث سياسية كثيرة جرت في برلين والعالم.
إضافة إلى تكوين الحياة الاجتماعية والمباهج المثيرة للجدل، التي تعكس قوة الحفاظ على معنويات المريض الذي ينتظر فرصة حياة أخرى بعد موت الآخرين من خلال التبرع بالأعضاء. فسوء انتحار أحدهم قد يؤمن له فرصة زراعة كبد أخرى، أو تعرض أحدهم لحادث مميت قد يمنحه الحياة التي امتدت بتعقيداتها وغموضها مع الحاضر الساخر من الماضي، معتبراً المستشفى في حالته المرضية "دار الحكايات، دائماً حكايات جديدة، كل مريض يحضر حكاية معه. فلأصغِ إذن، وماذا بإمكاني أن أفعل غير ذلك؟" فهل حاول "دافيد فاغنر" الحفاظ على معنويات القارئ في حال وقوع أي حدث مأساوي في الحياة؟ وهل نخرج من كل أزمة مرضية اجتماعية أو سياسية إلى حياة أخرى؟
تغرق الرواية بالمشاهد الدرامية أو بالأحرى الجاهزة سينمائيًا، مع الراوي الذي يصارع الموت بانتظار متبرع لكبد جديد. إلا أنه يستعرض حياة الآخرين بكافة تفاصيلها المتنوعة. فالتهاب الكبد المناعي الذاتي يدخلنا في أمراض أخرى أصابت المجتمعات من حولنا دون أن نشعر أننا نحتاج لزراعة أفكار جديدة لتتطهر الحياة من أمراض كثيرة، وبدقة طبية وصف من خلالها الأعراض والتقنيات العلاجية والأحاسيس المرافقة لكل ذلك. إضافة إلى تطور التقنيات الطبية التي لم تكن موجودة في أواخر القرن التاسع عشر؛ فجأة أمكن إضاءة الجسم البشري، المظلم بامتياز، من الداخل، ليتحول اللاشفاف إلى شفاف. فهل المجتمع الطبي في الرواية هو صورة للمجتمعات الأخرى في الحياة؟
هل نخاف الموت أم نخاف من الحياة؟ سؤال لا بد أن يطرحه القارئ لرواية "حياة" الممتعة في تصوير أبعاد كل مشهد كتبه بأسلوب سردي رصد من خلاله أحاسيس المرضى الذين ينتظرون الموت والحياة، وأيضًا بانتظار متبرع للأعضاء. إذ حين يموت المتبرع بعضو من أعضائه، يعيش الآخر من ذلك. مستحضراً أول عملية نقل كبد وردات الفعل الفاشلة والناجحة وتطورات الطب وصولاً إلى اللحظة التي زُرع له كبد فيها. إضافة إلى الإيحاءات النابعة من رؤيته النقدية للمجتمعات بتبطين سياسي واجتماعي وأدبي وفني من خلال ما يدور في رأس المريض المنتظر لزراعة الكبد في مستشفى، هي الرواية بحد ذاتها، والاسترجاع التخيلي لأحداث حياة جرت في الماضي مع جده ووالده وما رافقها من رؤى آمنوا بها، وبتفاصيلها المحملة بالكثير من الأحداث العبثية التلقائية متسائلاً: "متى كان بمقدور الإنسان أن يقرر عبر توقيع استمراره المحتمل في الحياة؟" فهو إن تنتظر كبدًا يهبها متبرع مات، لا يعني أنك ستستمر في الحياة إلى الأبد، فالنجاح الطبي والاختراعات العلمية ما زالت في تطور مع تقدم الزمن، وما هو ناجح اليوم يصبح مضحكًا في الماضي حتى فيما يخص الممرضات. "لم تعد الممرضات يلبسن غطاء، رغم أنه كان في ما مضى جزءًا من صورتهن." فهل التقدم الطبي يقابله تقدم بطيء اجتماعي أو تقدم سياسي، أم هي سخرية يعيدها من خلال حكايات عديدة، منها حكاية جده الذي أسره الروس في المجر؟
يرقد على سريره كالرّاقد في سفينة فضاء بيضاء منتظراً زراعة كبد، لكنه في الحقيقة يسترجع اعترافات النفس في لحظات جعلته بين الموت والحياة ضمن الأفكار التي يزرعها في روايته على ورق أبيض، وقلم حبر مميز يشبه الدم المتدفق في أورادته التي تنزف، بلهجة هزلية ساخرة من ماضي الحروب وماضي الأحداث السياسية مقارنةً بجدية الأدب والفكر وما تركه عظماء الأدب، والف من تراث ما زال يحمل الدهشة في نفوس قراء هو منهم مثل ديكاميرون وفيليب أريس أو إدغار آلان بو وغيرهم. فهزلية الأسلوب الساخر من المواقف الإنسانية برمتها على مدى قرون من الحروب العالمية إلى التقدم الطبي وهلوسات مريض وقف وجهًا لوجه مع "دريدا" كما ووقف مع كاتيا التي كانت تكره هيلموت كول، والأهم رسالة الامتنان أو الشكر لأهل المتبرع بالكبد المجهول الهوية بالنسبة له، ساخرًا من إمكانية أن يعيش إنسان بأعضاء بشرية ليست له، بينما الفكر يحيا في الكتب دون أن يلغي بعضه البعض، كما العلم الذي يؤمّن تقدم الطب الذي جعل الإنسان الذي يموت يؤمن فرصة حياة لإنسان آخر. لكن يبقى السؤال الأهم: هل من فرصة حياة ضاعت تعود ثانية؟
برؤية أخرى تبُعد رواية "حياة" للروائي "دافيد فاغنر" نصًا أدبيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليغوص في أعماق النفس البشرية ويستكشف أبعاد الحياة والموت. من خلال شخصية الراوي، الذي يقبع في مستشفى بانتظار زراعة كبد، ينفتح أمام القارئ عالم مليء بالتجارب الإنسانية المتنوعة التي تتراوح بين الألم، الأمل، والسخرية من عبثية الحياة.
يسعى "فاغنر" في روايته إلى تقديم نظرة شاملة حول الحياة من خلال استعراض تجارب الأفراد الذين يواجهون الموت في ظل الظروف القاسية. يبرز الكاتب التناقضات المذهلة التي يعيشها الإنسان؛ إذ يجد نفسه بين موت حتمي وحياة غير مؤكدة. يطرح السؤال الجوهري: هل نحن نخاف من الموت أم من الحياة ذاتها؟ هذا السؤال يحفز القارئ على التفكير في التجارب الفردية والجماعية، ويعكس عمق المعاناة الإنسانية.
تُعتبر الشخصيات في الرواية تجسيدًا لمجموعة من القضايا الاجتماعية والوجودية. نجد المرضى الذين يعيشون في المستشفى، كلٌ يحمل قصة فريدة ومعاناة خاصة. يُظهر "فاغنر" كيف أن الألم يمكن أن يربط بين الناس، وكيف أن تجارب الفقد والموت قد تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية. في هذا السياق، تتعاظم أهمية التبرع بالأعضاء كرمز للحياة الجديدة، حيث يتحول موت أحدهم إلى فرصة حياة لشخص آخر، مما يبرز فكرة التضحية والعطاء.
تتناول الرواية أيضًا القضايا الاجتماعية والسياسية التي تؤثر في حياة الأفراد. من خلال استعراض مشاهد من التاريخ الحديث، وخاصة ما يتعلق بألمانيا، يقدم "فاغنر" نقدًا ضمنيًا للمجتمعات وكيف أنها تتعامل مع قضايا الصحة والعلاج. تعكس المستشفى حالة المجتمع، حيث يتداخل الألم الشخصي مع الأزمات الجماعية، مما يعكس التعقيدات التي يعيشها الأفراد في ظل أنظمة صحية قد تكون غير عادلة.
يلجأ "فاغنر" إلى أسلوب سردي يمزج بين الجدية والسخرية، مما يمنح الرواية طابعًا فريدًا. تعكس السخرية من ممارسات المجتمع الطبي وتحولات الزمن، قدرة الروائي على رؤية العالم من منظور نقدي. يُظهر كيف أن بعض التقدمات الطبية قد تكون مصحوبة بتحديات اجتماعية وأخلاقية، مما يُجبر القارئ على التفكير في التناقضات الموجودة في عالمنا المعاصر.
بشكل عام، تمثل رواية "حياة" رحلة استكشافية للوجود البشري. ينقل "فاغنر" القارئ من خلال تجارب مأساوية وكوميدية على حد سواء، مما يثير تساؤلات عميقة حول معنى الحياة والموت. تتضح من خلال العمل رؤية فلسفية تركز على أهمية التفاعل الإنساني، ودور المجتمع في تشكيل هوياتنا وتجاربنا. إن قراءة الرواية ليست مجرد تجربة أدبية، بل هي دعوة للتأمل في قيمة الحياة، في لحظاتها الصعبة والجميلة على حد سواء.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com