النيو بوب ومتغيرات الواقع المعيشي من حولنا

ضحى عبدالرؤوف المل

يحاول الفنان "مروان شمعة" (Marwan Chamaa) في لوحاته أن ينتج من الصورة السريعة في فن البوب الجديد آلاف الألوان المتناقضة مع بعضها ومع الأشكال التعبيرية المختلفة، في رؤية قصصية غالبًا، وبتضاد يثير البصر لقوة الحركة التي يتميز بها هذا الفن المتجدد مع تجدد الحياة اليومية، بشعبية المواقف والأفكار، وسرعة الإيقاعات الناتجة عن التمثيل اللوني أو الحركي عند فناني البوب الجدد، وثورية رسوماتهم التي تضج بحكايا الشارع، والانطلاق نحو التصوير والتعبير بأساليب تمثل إيقاع الحياة وسرعتها المعاصرة، بمهارة هزلية ذات جماليات نابعة من الإحساس الفني والسخرية من المواقف بمشهد أو وجه أو شارع أو حديقة وما إلى ذلك. مما يمكن أن يستخرج منه الفنان ما يستوحيه، ويترجمه وفق أسلوب فن البوب الجديد المتوائم مع السرعة البصرية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي ساعدت في ولادة هذا البوب ارت الجديد الذي يتصف بإعادة قراءة المواقف الحركية بفن يحيط بالخيال، وحقيقة الهوة البشرية وفق تصويرات ورسومات الحركة في النيو بوب ومتغيرات الواقع المعيشي من حولنا. أو بالأحرى النيو بوب والفن الشعبي التشكيلي المتميز بصوره الاستهلاكية السريعة فنيًا، وبهيمنة تزدحم فيها الكثير من التفاصيل الجريئة والألوان الصاخبة، كأنها أضواء لونية ترتق الهوة بين أجيال وأجيال أخرى، أو بمعنى آخر تصنع جسراً حيوياً يساعد على تضييق المسافات العصرية من خلال الألوان الزاهية والقوية التي تعكس قوة المعاني في أشهر الصور. إن لفنانين أو لإعلانات أو لقصص وحكايا أو لرؤية يترجمها الموقف المتمثل في ذاكرة أو متخيلة أو حتى شرائط مصورة، كرسوم متحركة، وهي تعتبر ردات فعل من واقع شعبي يتجسد في النيو بوب أو التعبيرية التجريدية المختنقة بغموضها ومجازيتها، وحتى سرياليتها وتجاوزاتها عن كافة الأساليب الأخرى المتجددة بطرق مختلفة في هذا النوع من الفن الذي اشتهر به الكثير من الفنانين في العالم.

يستمد الفنان "مروان شمعة" خصائص رسوماته من فلسفة شعبية ذات أهداف جمالية تستقطب بمعانيها عدة سمات فنية يكثفها بالخطوط والألوان لقصص من وحي الواقع المبالغ فيه أو الهزلي، والزركشة والأضواء والسطوع، وبعشوائية تثير الكثير من التساؤلات في أسلوب هذا الفن الذي يتسارع في التطور والتجدد في إيقاعاته، وترجمته النقدية المبطنة بسخرية وهزلية تتشكل من التقاط التعابير القوية، وتحويلها إلى حركة بصرية تصويرية ذات صلة شعبية وجماهيرية في تطلعاتها نحو التجدد أو الانتفاضة على القديم أو على ما هو مستهلك، وبجاذبية تشبه إلى حد ما الثورة على الأنماط القديمة في الفن أو الخروج عن المعايير التشكيلية الثابتة، لتستبدل بثقافة تشكيلية شعبية منحها اسم النيو بوب كابتكار عصري يهز البصر بكائناته الغرائبية أو المنفصلة عن واقع خرجت منه، وبأداء إيقاعي بصري سريع بتردداته وموجاته اللونية العالية، التي تعزز معنى هذا الفن من خلال الذبذبات بين قوة الضوء والظل. لينعكس الواقع المعاصر في لوحات ذات تقنيات تشكل نوعًا من الهزات الفنية القابلة للانتقاد، وإن طرحت في ثناياها قضايا مهمة. إلا أنها تشبه فن تكثيف الصورة أو منحها فنيًا تفاصيل أخرى وفق الأبعاد الشعبية التي خرجت منها الفكرية الموشومة بما يسمى النيو بوب أو الإيقاع السريع المتجدد في الشكل واللون، وقبل كل ذلك بالمضمون. فهل تحمل لوحات الفنان "مروان شمعة" رؤية شعبية لبنانية أو عربية في طياتها، أم هي تجسيد لثقافة فنية غربية تتصل عربيًا بقضايا سرعة العصر الاستهلاكي ومشاكله الروتينية في الفن؟

برؤية أخرى تتجلى الفكرة الأساسية للفن من خلال إيقاعه الحسي، حيث يستفيد الفنان "مروان شمعة" من الألوان الزاهية والأشكال الديناميكية لخلق تجربة بصرية تُشعر المتلقي بالحركة والنشاط. الألوان المتناقضة تعكس الصراع والتوازن، مما يثير مشاعر متنوعة، مثل الفرح والقلق، في آن واحد. الإيقاع الحركي في اللوحات يعبر عن تسارع الحياة اليومية ويعكس الديناميكية الموجودة في الشارع.

تعمل اللوحات على تقديم رؤية فنية مميزة تعتمد على تكامل العناصر البصرية. الأشكال الهندسية المتداخلة والخطوط المتشابكة تعكس الفوضى والترتيب في الحياة المعاصرة. رؤية الفنان لا تقتصر على مجرد تصوير الواقع، بل تتجاوز ذلك لتقديم تصورات مفعمة بالطاقة والحيوية، حيث تترجم التجارب اليومية إلى عناصر بصرية تحمل عمقًا شعوريًا.

من المنظور النفسي، يمكن اعتبار أعمال "شمعة" تعبيرًا عن التوترات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المجتمع. الألوان الصاخبة والتفاصيل الزائدة تعكس الضغوط النفسية التي يعيشها الأفراد. كما أن السخرية التي يتضمنها الفن تعكس نوعًا من الدفاع النفسي، حيث يستخدم الفنان الفكاهة كوسيلة للتعامل مع الواقع القاسي.

الفن هنا يمثل تجربة جمالية متكاملة تتجاوز الجمال السطحي. استخدام تقنيات متعددة، مثل الزركشة والسطوع، يمنح اللوحات بُعدًا جماليًا معقدًا. هذا التركيب الفني يتسم بالجرأة والابتكار، مما يخلق بيئة تفاعلية تجذب المشاهد وتحثه على التفكير والتأمل في المعاني الكامنة.

تتسم لوحات "مروان شمعة" بالطابع التعبيري الذي ينقل مشاعر الفرح والحزن، الأمل واليأس، من خلال الأشكال والألوان. الفنان يستثمر في التعبير عن التجارب الشخصية والجماعية، ما يعكس الوعي الثقافي والاجتماعي المحيط به.

بناءً على ما سبق، يظهر أن أعمال "مروان شمعة" تمثل حوارًا متفاعلًا بين الفن والمجتمع. من خلال الإيقاع الحسي والرؤى البصرية، ينجح الفنان في تقديم تعبيرات غنية تحمل في طياتها معاني متعددة، مما يجعلها تجربة فنية تثير الحواس وتدعو للتفكير في الواقع المعاصر بعمق. إذ يتميز فن النيو بوب بإيقاعه الحسي السريع الذي يعكس ديناميكية الحياة المعاصرة. الألوان الزاهية والصاخبة تشكل لوحة موسيقية بصرية، حيث تتداخل الأشكال والألوان لخلق شعور بالحركة المستمرة. هذه الديناميكية تعكس تسارع الإيقاع الاجتماعي والثقافي، مما يجعل المشاهد يتفاعل مع العمل الفني بشكل مباشر ويشعر بحيوية الحياة اليومية.

يستند فن النيو بوب إلى مزيج من الرموز الثقافية، الصور الاستهلاكية، والعناصر الشعبية. يستحضر هذا الفن مجموعة من الصور المعروفة التي تعكس الحياة اليومية، سواء كانت إعلانات، شخصيات مشهورة، أو مشاهد من الحياة الحضرية. الرؤية البصرية هنا تتجاوز مجرد تقديم الواقع، بل تخلق واقعًا جديدًا يتمثل في إعادة تفسير الصور المتكررة في المجتمع الحديث، مما يدفع المشاهد للتفكير في الاستهلاك والهوية.

على المستوى النفسي، يعكس فن النيو بوب مشاعر الاغتراب والازدواجية التي يعيشها الأفراد في عالم يمزج بين الاستهلاك والفراغ. الألوان المتناقضة والتفاصيل المتداخلة تعكس الصراع الداخلي الذي يشعر به الأفراد في مواجهة الضغوط الاجتماعية. السخرية والتهكم في العديد من الأعمال يمكن أن تُفهم كآلية دفاع نفسي، حيث يستخدم الفنانون الفكاهة لتسليط الضوء على التحديات التي يواجهها المجتمع.

يتميز النيو بوب بجماليته الفريدة التي تعتمد على الاستخدام المبتكر للمواد والتقنيات. التجريب بالألوان والخطوط يمنح اللوحات طابعًا حيويًا، بينما يُظهر الفنان حساسية جمالية تتجاوز الجمال التقليدي. هذا التحدي للمعايير الجمالية التقليدية يعكس رغبة في استكشاف الجديد ومواجهة الفنون الكلاسيكية.

التعبيرية في فن النيو بوب تتجاوز حدود العاطفة الفردية لتصبح تعبيرًا جماعيًا عن الهويات والثقافات. تتيح الأعمال للفنانين التعبير عن وجهات نظرهم حول المجتمع، الاستهلاك، والهوية، مما يمنحهم مساحة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية. هذه التعبيرية تتمثل في المزيج بين الجد والهزل، الجدية والسخرية، مما يمنح العمل الفني بعدًا شعوريًا معقدًا.

فمن خلال إيقاعه الحسي ورؤاه البصرية، يمثل النيو بوب تجربة فنية غنية تعكس واقع الحياة المعاصرة. يتجاوز هذا الفن الأبعاد الجمالية ليكون بمثابة تعبير حيوي عن الثقافة، الهوية، والتحديات التي يواجهها الأفراد في عالم سريع ومتغير. إن النيو بوب ليس مجرد نمط فني، بل هو لغة تواصل تعكس أعمق مشاعر وآراء المجتمع المعاصر.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%B4%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%88-%D8%A8%D9%88%D8%A8-%D9%88%D9%85%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%B4%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%88%D9%84%D9%86%D8%A7/