معرض الفنان جوزيف فالوغي: انعكاسات تفرضها الريشة التجريدية
ضحى عبد الرؤوف المل
تكشف لوحات الفنان «جوزيف فالوغي» (Joseph Faloughi) عن أشكال لطيفة منسجمة مع تجاذب الألوان وموسيقاها، لفهم المعنى واستكشاف التناقض من مكونات ذات اتجاهات اختارها لتلعب الانعكاسات دورها في تكوين القيم الجمالية مع الاحتفاظ بالغموض المستوحى من ثنائية الانعكاسات والنوافذ، والتأملات التي تفرضها الريشة التجريدية وإيحاءاتها المستبطنة دراماتيكياً، محتفظاً بأهمية فهم التناقضات واستكشافها بصرياً، والتي ترمز إلى الزمان والمكان والغياب والحضور بشكل مجازي، هو جملة من الإيقاعات والألوان التي تتماهى في مساحات حرّرها من الضوء ضمن جاذبية الفواتح والغوامق، وما يتولّد عنهما من تجديد يحتضن الفراغات أو الأشكال والدلالات والإمكانيات التي تحفظ قيمة كل شكل ومكانه في اللوحة، ليثير دهشة بصرية ذات تعابير تجمع ممارسات ريشة تتجه مع الضوء بحساسية التدرجات، وماورائية المعنى الممتص لهالات التجريد ومعانيها دون مباشرة في التشابيه بين اللطشات ذات السماكة اللونية، ليخلق من التوهجات رؤية تجريدية إدراكية تمثل الزمان والمكان وغموض التصورات المقترنة بالتطورات الوجودية ومصادرها، وضمن المنظور الحاضر الغائب أو بصمة الإنسان في الحياة رغم الألوان المختلفة. فهل من ثنائيات بين التجريد والتعبير وملامسة الغموض في اللوحة؟
تستفزُّ أعمال الفنان «جوزيف فالوغي» البصر، فتسهم في إضافة عنصر الجذب إلى اللوحات المختلفة في تطلعاتها وأشكالها الاستفزازية للحس الفني وجمالية الخصائص اللونية المتناقضة، لاستخلاص التحليلات التي ينبغي أن تقترب من الرؤية الخاصة به حول الأشياء ووجودها، ضمن الزمان والمكان، والاختزال الحقيقي للضوء الذي يجذب الأشكال إليه. ربما لا تستطيع العين التقاطه، وإنما يستقر في الحواس التي تنجذب نحو معرفة المعنى، في لوحات تستقطب الأفكار أو الانعكاسات المرئية المدعمة بنظريات يثبتها «جوزيف فالوغي» ليعطي المحتوى أو المضمون حكمة فنية احتمالية تتطلب دقة في الاتجاهات والانعكاسات، ضمن مؤثرات السماكة والشفافية، لخلق تضاد بينهما، وأيضاً لتوضيح البُعد الزمني وآثاره على بصمات الألوان التي يتركها الإنسان، لتترجم وجوده فيما بعد. فهل تحاول أشكال «جوزيف فالوغي» اللونية السباحة في فضاءات الأمكنة ضمن اللوحة، ليثري مخيلة المتلقي ويمنحها الغموض والجمال؟
يترك فالوغي بصمته على اللوحة لتحفيز الاستكشافات من خلال الحركة للضوء بين الفواتح والغوامق، لتمييز الشفافية والسماكة اللونية ضمن المتغيرات البصرية المائلة إلى إثارة البصر، ودفعه نحو البحث عن الانضباط الذي تفرضه الريشة على عشوائيات تجريدية تتجه نحو نفسها، مما يثير الكثير من التصورات عند التأمل في العمق، لتنبثق الأفكار من الإيماءات وانصهارها في تقنية ديناميكية بعيداً عن التقاليد الروتينية، وفق أصالة الأسلوب الذي يتمسّك بالرؤية وطبيعتها الفنية، والتي تنتمي إلى التجريد بمختلف اتجاهاته الملتزمة بفوضويات العصر، ولكن ضمن نظم الريشة ومشاهداتها وإيقاعاتها ذات النضارة والحيوية والإيقاع في لوحة هي الألوان في الزمان والمكان والحضور والغياب، والحركة الضوئية التي توسّع الإحساس بارتجال غريزي يمنحه اللون لفالوغي الملتزم ببناء اللوحة التجريدية وقدرتها على استقطاب الحواس.
يقدّم لنا الفنان «جوزيف فالوغي» في هذا المعرض التجريد الذي يرتبط بالمفهوم الفعلي لخصائص الشكل وأهميته من خلال التركيز على لطشات الألوان واتجاهاتها لتنشيط الذهن، وحثّه على الاستكشاف بمعزل عن الوضوح، تاركاً للخصائص الأخرى من غموض وسواه خلق المقارنات ضمن نوع معين من المستطيلات والخطوط المائلة والمنحنية وغيرها، والتي بدورها يمكنها إعادة إنتاج أخرى للشكل وتطوره، كنوع من إلتقاط الواقع المتعارض مع الفن التجريدي. فهل يحاول منح الشكل الكثير من المشاعر من خلال الألوان والأشكال اللانهائية؟
برؤية أخرى عند النظر إلى لوحات جوزيف فالوغي، يشعر المتلقي بموجة من الانفعالات الحسية الفورية. الألوان تتناغم، كما لو كانت ترقص معاً في إيقاع مرئي، مما يخلق حالة من الاستغراق. تعكس اللوحات تجاذباً بين الضوء والظل، مما يثير فضول المتلقي ويعزّز من شعوره بالدهشة.
تتسم أعمال فالوغي بتوازن دقيق بين الأشكال والألوان. الأشكال التجريدية تتداخل وتتقاطع، مما يمنح المشهد عمقاً وإحساساً بالحركة. كل لوحة تشكل بمثابة مقطع موسيقي، حيث تتردد الألوان وتتراقص بطرق متعددة، مما يخلق تجارب بصرية غنية ومعقدة.
تتجاوز لوحات فالوغي الأبعاد البصرية لتغوص في عمق النفس الإنسانية. تعكس الانعكاسات في الألوان والعناصر التوترات النفسية، حيث تمثل الأشكال والفضاءات تجارب وجودية مختلفة. هنا، تنشأ مشاعر الغياب والحضور، مما يخلق توتراً داخلياً يعبر عن البحث عن الهوية والذات.
الجمال في لوحات فالوغي لا يقتصر على الشكل أو اللون، بل يتمحور حول التعبير. الألوان، بتدرجاتها، تعكس حالات عاطفية متباينة، من الحزن إلى الفرح. كل ضربة فرشاة تبدو كأنها تنقل إحساسًا أو فكرة، مما يسمح للمتلقي بالتواصل مع العمل على مستوى أعمق.
يمثل الإيقاع في أعمال فالوغي تجسيداً للحركة المستمرة في الحياة. تتشكل اللحظات من تداخل الألوان والأشكال، مما يخلق شعورًا بالاندماج والامتزاج. الإيقاع هنا ليس فقط بصرياً، بل يتجاوز إلى إحساس الحركة والزمان، مما يتيح للمتلقي الشعور بتجربة حسية متكاملة.
تتفتح الرؤى البصرية في أعمال فالوغي، حيث تنعكس التجارب الإنسانية من خلال عدسة التجريد. الأشكال غير المحددة تفتح المجال للتفسير الشخصي، مما يجعل كل تجربة فريدة. المعاني تتباين من متلقي لآخر، حيث يلقي كل فرد ضوءه الخاص على العمل، مستخلصًا تجارب جديدة.
يُعدّ جوزيف فالوغي فنانًا يعيد تشكيل العلاقات بين الألوان والأشكال بطريقة تعكس تعقيدات النفس البشرية. تُظهر أعماله توازناً بين الجمال والإحساس، مما يجعل كل لوحة دعوة للتأمل والتفاعل. من خلال رؤاه البصرية وإيقاعه الحسي، يعيد فالوغي للمتلقي شعورًا بالتجدد والاكتشاف، مؤكدًا على قوة الفن كوسيلة للتعبير عن الأبعاد الداخلية للوجود.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%ac%d9%88%d8%b2%d9%8a%d9%81-%d9%81%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ba%d9%8a-%d8%a5%d9%86%d8%b9%d9%83%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d9%81%d8%b1%d8%b6%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%b4%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d8%af%d9%8a%d8%a9/