الانتظار اللامتناهي في رواية "هيبي" للروائي باولو كويلو
ضحى عبد الرؤوف المل
استحضر الروائي باولو كويلو في روايته "هيبي"، الصادرة عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع"، فترة الانتفاضة على الأعراف التي كانت سائدة في أمريكا، والتي عُرفت بالهيبيين، وجرفت معها الكثير ممن دخلوا العالم الذي بدا حقيقياً ومغلوطاً في آن. إذ اتصفت هذه الحركة بالابتعاد عن المجتمع المادي، وخلق نمط عشوائي أو ثائر على التقاليد المجتمعية، وحتى اعتمادهم على الأطعمة النباتية والطب البديل، والتخلي عن الوظائف العادية. مما أدى إلى خلق حركة مضادة للثقافة الأمريكية التي كانت سائدة، والتي حددها باولو في أيلول عام 1970، حيث "كان الجميع يمتلكون قدرات خارقة أو كانوا في صدد تنميتها"، في رفض للمعايير الاجتماعية، بما في ذلك الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية. لتظهر علامات ذلك على الأشخاص الذين انخرطوا في هذه الحمى الهيبية التي أصابت الشباب، فتميزوا بالشعر الطويل واللحية والمخدرات وموسيقى الروك الصاخبة، مما ترك أثراً كبيراً في تاريخ أمريكا والعالم من حولها.
وفي رواية "الهيبي" لباولو كويلو، الذي روى قصة حياته مع الهيبيين برؤية تستقطب المزيد من التحليلات بعد عدة سنوات من انكشاف ضبابية هذه المرحلة، مع حبيبته كارلا وركوبه في قطار الموت الذي جعله وجه لوحة مع القضاء والقدر، والرحلة الحياتية القبائلية مع مجموعة من الهيبيين الذين يبتعدون عن الشعور بالسلطة من خلال السعي إلى الكمال الروحي. وخلق الهلوسات الناتجة عن الماريجوانا، محاولين إيجاد معنى للحياة. فهل يستطيع الإنسان فعل ما يستطيع فعله دون ضوابط مجتمعية وإنسانية؟ وهل التواريخ التي وضعها هي المفاتيح الحقيقية لروايته الهادفة إلى إثارة الكثير من التساؤلات عن الماضي، وأهمها أيلول الأسود؟
الهبت الاحتجاجات برمتها رواية باولو كويلو، التي ألغى منها ال التعريف، تاركاً تفاصيل روايته تكشف عن الأفكار التي جمعت الشباب من خلال المظهر والشكل تحت خيمة الهيبيز، التي تكونت من عناصر مختلفة تنتمي إلى قبيلة دون زعيم، لديها المعايير الموحدة في العيش والتكيف والحياة المتحررة من أي قيود، ضمن سمة واحدة: نعم للحب لا للحرب، مما يعكس عقيدة الهيبي وسلوكه، خاصة فيما يخص تجارة المخدرات المتلاحمة مع السرد الروائي المؤرشف لتلك الفترة الممسوسة بإعجاب بالحضارة الشرقية. إضافة إلى تحليلها التحليل الواعي الذي يخدم أهداف الرواية، "يمكن القول إن المخدرات قد منحت في الأساس طابعاً شيطانياً. لكن في هذه الحالة، بدا الناس على حق. كان تفكيره سخيفاً فعلاً. فهو الذي طالما دافع عنها، معتبراً أنها من أنواع مضخمات الوعي".
فهل يصف باولو كويلو في روايته هذه سلسلة من الحقائق تتميز بفعل حركته الهيبية كشخصية في رواية يرويها، ويمنحها السرد الظرفي للمكان الكافي لاختراق الزمن وإعادتنا إلى فترة شبابية ثورية قامت كاحتجاجات على حروب الفيتنام وعلى الحروب الأخرى؟
لم ينس باولو كويلو الروحانية في هذه الرواية، التي تشير إلى الخطأ والصواب، وإلى قدرة الوصول إلى الوعي الذي يتكون من مجموعة أسئلة عن الحياة والموت، والسلوك الصحيح والإيمان بالغيبيات. وهذه الرواية الهيبية هي رواية تعيد الرؤية إلى الصواب وإلى الحلم وقوته في تحديد مسارات الحياة، وإن تعرجت دون أن تثير القلق الوجودي كعادته في أغلب رواياته، إن لم أقل جميعها. فالروحانية في رواية "هيبي" هي "أن تجتاز الآلاف من الأميال للعودة إليه أمر آخر. يمكننا أن نختبر الروحانية أينما كنا. فالله موجود في كل مكان". فمن خلال المسارات الروائية، أو بالأحرى مسارات الشخصيات، يحدد باولو كويلو نقاط استرجاع المرحلة التي تشكل ثورة كبيرة في وجه القوانين الصارمة، وحرب الفيتنام تحديداً، والحروب الأخرى مثل حرب حبوب الهلوسة (LSD) القادرة على إخراج الإنسان من وعيه وإدخاله مرحلة خطيرة من اللاوعي، لنستنتج أنها حرب المخدرات والهلوسات والخروج عن المألوف، وحرب الشباب التائه الذي يتخبط في طرقات لا علاقة لها بما "جرى في فرنسا في أيار من العام 1968"، وتحديداً من باولو المصاب بفوبيا الشرطة والخوف منها في أي لحظة، مما تسبب له أيضاً بالكثير من المشاكل مع كارلا، ومع الماضي الذي سجنه وجعله أسير فترة هيبية خرج منها برواية يعالج من خلالها مشكلات الشباب في كل زمن يمر على الأرض، وما أيلول الأسود في رواية باولو إلا معادلة الماضي بين تواريخ عديدة استخلصها ودمجها لارتباطها الشديد بفترة الاستنكارات الكثيرة التي تسببت بانقلابات متعددة أصابت الإنسان وموجاته السلبية. فما هو الدرب المؤدي إلى الحق؟ وما هي جدليات الحروب في رواية "الهيبي"؟ ومن ذا الذي يشعل نار الحكمة؟ ومتى ينهي الإنسان المستنير تجاربه ليدخل رحلة حياة حقيقية خالية من التعقيد، أنهي فيها باولو روايته؟ والأهم، لماذا أحداث فرنسا عام 1968 وأيلول الأسود؟
برؤية ُ أخرى عد رواية "هيبي" لباولو كويلو عملاً روائياً يحمل في طياته تعبيراً عميقاً عن فترة تاريخية مهمة، وهي فترة الهيبيين في أمريكا خلال الستينيات والسبعينيات. تسلط الرواية الضوء على الصراعات الاجتماعية والثقافية التي نشأت نتيجة للتغيرات العميقة في المجتمع، حيث كانت الحركات الاحتجاجية تجسيدًا لرغبة الشباب في التحرر من القيود التقليدية والمادية.
من خلال تقديم تجربة شخصية مليئة بالمشاعر والتجارب، يسعى كويلو إلى استكشاف مفهوم الحرية الحقيقية، ليس فقط على المستوى الفردي، بل أيضاً على مستوى الجماعة. عبر تصويره لشخصيات الهيبيين، يعكس كويلو البحث عن الهوية والمعنى في عالم مليء بالتعقيدات، حيث يعتبر الخروج عن الأعراف الاجتماعية سبيلاً نحو تحقيق الكمال الروحي.
تُظهر الرواية تأثير الثقافة المضادة على الشباب، حيث شكل الهيبيون ردة فعل ضد القيم الاستهلاكية السائدة. من خلال نمط حياتهم، بما في ذلك الاعتماد على الأطعمة النباتية والممارسات الروحية، يعكس كويلو الصراع بين القيم التقليدية والرغبة في التجديد. ويعكس تصويره للأشخاص الذين يسعون للعيش بعيدًا عن السلطة تساؤلات عميقة حول مفهوم السيطرة والتبعية، مما يخلق بيئة فكرية متجددة.
الأسلوب السردي الذي يستخدمه كويلو يتسم بالتأمل والعمق، مما يتيح للقارئ الدخول في عالم الشخصيات وتجاربهم. الصور الشعرية والتفاصيل الحية تجسد اللحظات الحياتية والروحية، مما يساهم في خلق رابط قوي بين القارئ والشخصيات. تعكس المشاهد المتعددة للهلوسات والتجارب الروحية حالة من البحث المستمر عن الذات، ما يجعل الرواية ملاذاً للفكر الحر.
في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية، يعرض كويلو التحديات التي واجهها الهيبيون، من العنف الاجتماعي إلى صراعات الهوية. تُظهر الرواية كيف أن الاستجابة لهذه التحديات لم تكن مجرد ثورة ضد القوانين، بل كانت محاولة لإعادة تعريف الذات والعالم. يُظهر كويلو كيف أن تجربة الحياة في ظل هذه الظروف هي في جوهرها تجربة إنسانية تتجاوز الزمن والمكان.
تُعتبر رواية "هيبي" أكثر من مجرد سرد لقصص الهيبيين؛ إنها دراسة عميقة للروح الإنسانية والرغبة في الفهم. يسعى كويلو من خلالها إلى دعوة القارئ للتفكير في حدود الحرية ومعاني الحياة، مما يجعل الرواية ليست مجرد عمل أدبي بل تجربة فلسفية تعيد تعريف القيم والهوية في عالم متغير.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com