أتعس الخيانات هي خيانة الذات
قراءة في "رواية الجدران الخفية" للروائي "محمد عاطف عريقات"
يقدم الروائي "محمد عاطف عريقات" في روايته الصادرة عن "دار الفارابي" بعنوان "الجدران الخفية" عدة إشكاليات، محاولًا الوصول إلى معادلة هي تحديث للقضية الفلسطينية عبر الزمن، أو العصر الانفتاحي على كل التقنيات، من العلوم والفن والأدب إلى شبكات التواصل الاجتماعي وعمليات القلب المفتوح التي أصبحت فلسطين بحاجة إليها. فالحقائق التي يقدمها كتساؤلات تضئ الزوايا المعتمة في شمعة هي الرواية التي وضعها بين الجدران الخفية، بتعرية الكثير من التفاصيل ذات الدعامات السردية فنيًا، والقائمة على إبراز النظرة الشبابية للقضية الفلسطينية التي تتوسع لتتخطى العالم من خلال التاريخ الذي بدأ يكشف زيف ادعاءات الصهاينة وأسلوبهم المركب في استخراج الأدلة، متسائلاً: كم مرة يزورنا الموت في حياتنا؟
يبني الروائي "عريقات" بألوان روائية تنتمي إليه كفلسطيني يقتحم الواقع، ليفتح بصيرة الخيال من خلال لوحة هي وليدة الاحتكاكات الدائرة حوله. وبوصف فني هو أداة رسام، جعل من السيارات التي تخشى الانزلاقات عجائزًا، حيث تتبدد قيمة كل شيء من حولك عند الإحساس بفقدان الهوية أو الأرض التي تنتمي إليها، أو بالأحرى بلغة بطل الرواية الذي يحاول إزالة الضبابية من خلال الفنان ورسام لوحة يترجم واقعها إلى الخيال التاريخي، وهي فلسطين، الواقع الذي أصبح السفر إليه هو اعتراف بإسرائيل. "فمجرد وضع الختم الإسرائيلي على جواز سفري يعني ضمنيًا قبولي التنازل عن حيفا"، والوجع الأكبر حمله من نزح للحظات طويلة، عكس من نزح للحظات صغيرة ومات وهو يقاتل من أجل فلسطين، راسماً الكثير من علامات التعجب حول يهود فلسطين بعيدًا عن الصهاينة أو الاحتلال أو أولئك الذين تم طردهم من فلسطين لأنهم رفضوا الانسياق خلف الفكر الصهيوني. فهل يثير "محمد عاطف عريقات" قضية قديمة جديدة في رواية وضعها بين الجدران الخفية؟
يستبطن الروائي "محمد عريقات" التساؤلات تحت ألوان السرد الروائي الذي يقدمه ضمن معرفة مبنية على رؤية شبابية لم تخرج من رؤية الأجداد، إنما بتحديث زمني لأحداث ارتبطت بقضايا فلسطينية جديدة تبرز واضحة من خلال المغتربين. وهنا أقصد بالمغتربين المتوزعين في الدول الغربية، أو أولئك الذين يحملون جنسيات ألمانية أو فرنسية أو أمريكية، وفلسطين في دمائهم وجيناتهم الوراثية. وما بين صورة الماضي وصورة الحاضر وما سيؤول إليه الأمر، يأخذنا الأسلوب الروائي البسيط بسلاسته وعذوبته من بين جدرانه الخفية إلى الطقوس العربية والكوفية المترنمة، والمدن التي يطغى بعضها على بعض في الواقع والخيال. فشواهد فرنسا ليست شواهد أريحا، ولكن من المؤكد أن الكازية العتيقة وصبحي المجنون في الذاكرة التي تحتفظ برائحة تربة الوطن، وكل من تمسك به أو غادر ميتًا أو حيًا هم يوسف. وما الاتكاء على شجرة الخروب إلا الرمز الذي يرفض التخوين لأوليڤير، ولمن جذورهم ما زالت عالقة في فلسطين الأم. وإن أصابهم من الشتات ما أصاب هوياتهم التي منحتهم المهد واللحد والوفاء والتخوين، "كانت الأرض المسلوبة تمثل مهدًا للذكريات القديمة وأصبحت تمثل لحدًا لها". فما الفرق بين يوسف وأوليڤير؟ وهل يمكن نسيان الجذور، وأن ينسى الإنسان نفسه، أو أن بات الزمن في الماضي والمستقبل هو لحظة غامضة لا يمكن الوثوق فيها؟ وهل الجدران الخفية هي هويات متعددة لأشخاص أنجبتهم فلسطين وخرجوا من واقع أرضها إلى الخيال المفعم بأمل العودة؟
ما خبأته الألسن تظهره الأفعال، وما الضغائن إلا التغيرات الفيزيولوجية لفلسطين على مر السنين. وما رصد الأفعال في رواية أحكم رسمها "محمد عريقات"، مستعرضًا رموز بعض الأحداث التي أصبحت ذكرى لا تعيق تقدم القضية الفلسطينية العالقة في الواقع والخيال معًا فحسب، بل هي الجدران الخفية التي حطمها بتسلسل، وجعل منها لعبة الربيع العربي، الذي كشف الأوراق المختبئة خلفها، الخطط الشيطانية الشبيهة بصب الزيت على النار وفقدان القضية الفلسطينية أكثر لمسار وجودها. فمن يستطيع الإمساك باللحظة هو الرسام فقط، الذي يرسم غصن الزيتون والعباءة الفلسطينية والمفتاح وكل ذكرى النكبة، بينما ننسى العمر في غمرة المواقف السياسية التي لم تحقق حتى الآن العودة لشعب يحترق كما احترقت لوحات علاء. فهل استطاع محمد عريقات الخروج برؤية للوضع الفلسطيني الحديث من خلال رواية هي الضوء الساطع من الجدران الخفية؟ وما هي الخسائر المشتركة التي تجعل من الألوان قضية فلسطينية أخرى؟
برؤية اخرى يهدف عريقات إلى تجسيد معاناة الفلسطينيين بطريقة تعكس تداخل الماضي والحاضر. من خلال تساؤلات عميقة تتعلق بالهوية والوجود، يسعى إلى الإضاءة على لحظات الانكسار والأمل، مما يجعل القارئ يتفاعل مع الشخصيات كأنها تمثل جزءًا من تجربته الشخصية. إن استخدامه لشخصيات مغتربة تعكس شتات الفلسطينيين وارتباطهم الوثيق بجذورهم، يعكس واقعًا معاصرًا يواجهه الفلسطينيون في الشتات.
تتسم السردية بالبساطة العميقة، حيث ينقل عريقات الأفكار المعقدة بأسلوب سهل الفهم، مما يسمح للجمهور الأوسع بالولوج إلى عمق التجربة الفلسطينية. الأسلوب السينمائي الذي يستخدمه في وصف الأماكن والشخصيات يجعل من الرواية تجربة بصرية غنية، حيث يختزل كل مشهد في عواطف متضاربة تثير تأمل القارئ.
إضافة إلى ذلك، يتناول عريقات مفهوم "الجدران" ليس فقط كحواجز مادية، بل كرموز نفسية واجتماعية تعكس انقسامات الهوية الفلسطينية. هنا، تصبح الجدران الخفية تعبيرًا عن الهويات ، وتطرح تساؤلات حول إمكانية التوحد أمام التحديات المشتركة.
تسلط الرواية الضوء على العلاقات الاجتماعية بين الفلسطينيين، خاصة بين الأجيال المختلفة. يتجلى هذا من خلال التفاعل بين الشخصيات، حيث يبرز الفجوة بين الأجيال في كيفية التعامل مع الهوية والذاكرة. الأجيال الشابة، كما يقدمها عريقات، تعيش في عالم مختلف، تتقاطع فيه الثقافات والتقنيات، مما يساهم في إعادة تشكيل تصورهم عن فلسطين.
علاوة على ذلك، يعكس النص تحولات اجتماعية وثقافية نتيجة العولمة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، مما يسهم في خلق هوية فلسطينية جديدة، تأخذ في الاعتبار التحديات المعاصرة.
الرواية تترك أثرًا قويًا في النفس، حيث تجسد الألم والأمل بشكل متوازن. استخدام العريقات للغة الشعرية والرسمية في بعض الأحيان يضفي طابعًا خاصًا على النص، مما يجعله أكثر تأثيرًا. إن القارئ لا يكتفي بمتابعة الأحداث، بل يشعر وكأنه جزء من المشهد، يتعاطف مع الشخصيات ويعيش صراعاتهم.
"الجدران الخفية" ليست مجرد رواية فلسطينية، بل هي تعبير عن إنسانية الصراع، حيث تتقاطع مشاعر الفقدان والأمل في تجربة متجذرة في الذاكرة والتاريخ. عريقات، برؤيته السردية، يفتح لنا نوافذ على معاناة الشعب الفلسطيني ويطرح أسئلة وجودية تجعل القارئ يعيد التفكير في هويته الخاصة وعلاقته بالأرض والتاريخ. من خلال هذه الرواية، يؤكد عريقات على أن الأدب هو سلاح فعال في مقاومة النسيان، وتوثيق الذاكرة الجماعية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%AA%D8%B9%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D9%87%D9%8A-%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A7%D8%B7%D9%81-%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA/?fbclid=IwAR1iMxxvCk_an_hUiFT1UbE5RKRCAPFgMzUM6TcqILoB2SteFmohAlM8apI