دور الفيلم البولندي "عالمان" في فهم حاجات الصم والبكم

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم للمخرج "ماسيج أدامك" (Maciej Adamek) بعنوان "عالمان" (Dwa światy) يُظهر المخرج "ماسيج أدامك" (Maciej Adamek) متغيرات العصر الحديث ودور التقنيات التكنولوجية وتأثيرها على عالم الصم والبكم في فيلمه "عالمان" (Dwa światy)، الذي يضع حقائق العوالم المختلفة وتحدياتها أمام أعيننا. لندرك أن ما هو نعمة لفئة ما قد يكون نقمة لفئة أخرى، وما هو مجهول لفئة اجتماعية معلوم لفئة أخرى أيضًا في "فيلم عالمان"، الذي يفك الغموض عن عائلة من الصم والبكم لديها ابنة تبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، وهي تتكلم لغة الإشارة الخاصة بالأب والأم. إضافة إلى أنها غير مصابة بالصم والبكم كما والديها، وهذا بدوره جعلها تتقن لغة الصم والبكم. فتترجم لغة الإشارة ببراعة، لكنها بحاجة للكلام إليها صوتيًا. كما أنها لا تستطيع أن تتخطى الكثير من المتاعب التي تصاب بها كضجيج خطواتهما في البيت، وإشارات المنبه الضوئي، وتنظيف الصحون، وعدم سماع مناداتها أو التحدث عبر الهاتف. إلا أن عصر التقنية الحديثة ومتطلباته خفف من ذلك، إذ بدت لغة التخاطب عبر شبكات التواصل الاجتماعي هي من حلول العصر المُرضية التي ساعدت هذه الفئة من الناس أكثر من غيرها. فهل ينادي مخرج فيلم "عالمان" بإعادة النظر في حيوية ديناميكية العصر الحديث وتقنياته بالنسبة للصم والبكم؟ أم أنه فك شيفرة عائلة من ذوي الاحتياجات الخاصة لديها طفلة تعاني من صخب والديها في البيت؟

فيلم يفتح أبواب المعرفة عن أجوبة كثيرة يطرحها الإنسان العادي بشكل عام عن كيفية التعامل مع طفل طبيعي لوالدين من الصم والبكم، وهذا بحد ذاته يفتح حلول الكثير من الإشكاليات أمام قدرة أصحاب الاحتياجات الخاصة على بناء أسرة وفهم الصعوبات وتحليلها، وإظهار الإيجابيات ذات المتغيرات المفاهيمية المعتادة. لذا فإن "ماسيج أدامك" استطاع كسر رتابة المفهوم السائد عن طفل لعائلة من الصم والبكم في العصر الحديث تحديدًا، مما يجعل المشاهد شغوفًا بمعرفة خبايا وتفاصيل حياة هذه الأسرة التي تعيد فهم أصحاب الاحتياجات الأخرى وقدرة الآخرين على التعامل معهم وفقًا لمتطلباتهم وصعوباتهم في تحقيق العيش المتوازن مع الآخرين. فهل يمكن أن نتخيل أننا نعيش في عوالم مختلفة عن بعضها البعض لكنها تتعايش تبعًا للكينونة التي ولدت بها؟

تشهد الأفلام الوثائقية حاليًا على العالم المتغير بإيجابياته وسلبياته، وعبر الجرأة في الطرح والمعالجة وتكوين رؤية حقيقية يعيشها الأشخاص غير القادرين على النطق. إلا أن عالمهم ليس بالصامت كليًا، لأن سمعهم مغلق، وبالتالي هم لا يسمعون أصوات حركاتهم كخطى والتنظيف والتلفزيون، وهذا يسبب مشكلة لمن يعيشون معهم. إضافة إلى البصر الذي يشكل الفهم المباشر للغة الإشارة. فهل كنا نظن أن عالم الصم والبكم هو عالم هادئ جدًا؟

أبعد من رؤية الفيلم الوثائقي "عالمان" وتفنياته من حيث المشهد والصورة والمحاكاة الموسيقية والصوت، والبناء الوثائقي القائم على تنوع المتغيرات الملتقطة كالمنبه الضوئي والتفاهم على الخروج من المنزل للمشاركة بألعاب جماعية كالتزلج أو نزهة بسيطة أو غداء، كان موضوع الفيلم قادرًا على بناء التفاصيل اليومية لهذه الأسرة وخطواتها منذ الزواج فالإنجاب، فنمو البنت "لورا" بين والدين من الصم والبكم خلال مدة بلغت خمسين دقيقة كانت كافية لإضفاء الطابع المدهش أو خلق دهشة من عالم كنا نظنه هادئًا، فأثبت فيلم "عالمان" عكس ذلك. لأنه بحق عالمين مختلفين: عالم الصوت وعالم الإشارات، وما يصاحبه من صخب ناتج عن فقدان السمع، وبالتالي مستخدمًا أسلوب إظهار خصوصية هذه العائلة، وكيفية مواكبة رعاية الابنة. فالأهل هم المسؤولون عن أولادهم، إلا أننا هنا نجد أن "لورا" هي التي أصبحت مسؤولة عن والدين من ذوي الاحتياجات الخاصة. فهل من متاعب أصابتها وجعلتها تبكي وتشتكي؟ وكيف يذلل الأهل صعوبات ذلك على ابنهم الطبيعي دون عزل خصوصيات تمت تجزئتها في الفيلم كاللحظات الحميمة للوالدين، والأصوات الناتجة عن ذلك، ومؤثراتها على طفل هذه العائلة أو دليل حياتهم اليومي إن صح القول؟ فعلى من يقع الضرر: الأهل أم الطفل، وما هي صعوبات الفهم لعالمين مختلفين هما في بيت واحد وأسرة واحدة؟

فيلم "عالمان" الوثائقي استطاع الدخول إلى أعماق أسرة حقيقية لا تجعل المشاهد يشك للحظة أنه يرى فيلمًا وثائقيًا عاديًا، إنما هو فيلم يسلط الضوء على المشاكل والحلول لأسرة فيها عالمين مختلفين: أحدهما يسمع ويتكلم، والآخر لا يسمع ولا يتكلم، وما يجمعهما لغة الإشارة، بينما الآخر يحتاج لعالم الصوت أو عالم الكلام مع الآخرين. وهذه الصفة غابت عن الأم والأب، بل برز ضجيجهما في البيت الناتج عن فقدانهما السمع، وبالتالي على "لورا"، ابنة الثانية عشرة، التأقلم في العيش مع أسرة أنجبتها واستطاعت تقديم ما يمكن لها، رغم أنهما من ذوي الاحتياجات الخاصة التي تسبب للبعض عزلة بين جدران أربعة، مما خلق رؤية مختلفة عن عالم الصم الديناميكي المدرك للفروقات والمنفتح على العالم الآخر. وفي الوقت نفسه، ينشأ ابن هذه العائلة كوسيط أو كجسر بين العالمين، وببراعة وفهم لأهم المعضلات الناتجة عن ذلك. فهل استطاع المخرج "ماسيج أدامك" إظهار العلاقة بين الوالدين المصابين بالصم والبكم والطفل فقط، أم إظهار علاقة الطفل بالوالدين بشكل عام؟

برؤية اخرى فيلم "عالمان" للمخرج البولندي "ماسيج أدامك" هو عمل فني يسعى إلى استكشاف عوالم الصم والبكم من منظور إنساني عميق، ليكشف عن التعقيدات اليومية التي تواجه العائلات التي تعيش مع ذوي الاحتياجات الخاصة. في قلب هذا الفيلم نجد قصة عائلة تتكون من أبوين صم وبكم وابنتهما التي تعيش بين عالمين متناقضين: عالم الصوت وعالم الإشارة.

تتجلى قوة السرد في قدرة الفيلم على تقديم تجربة حقيقية وواقعية، حيث يُظهر تفاصيل الحياة اليومية لعائلة "لورا"، الابنة التي تتحدث بلغة الإشارة وتُترجم مشاعر وأفكار والديها. تنقل الكاميرا المشاهد بمهارة بين لحظات الصمت والضجيج، مما يجعلنا نتعاطف مع الشخصيات ونفهم صراعاتهم. استخدام التقنيات الحديثة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، يُظهر كيف أن التقدم التكنولوجي يمكن أن يكون جسرًا للتواصل، رغم أن العائلة لا تزال تواجه تحديات يومية.

تتمحور الانطباعات حول الشعور بالعزلة التي قد يواجهها الصم والبكم، وكيف أن هذه العزلة ليست مجرد غياب الصوت، بل تشمل أيضًا عدم القدرة على التواصل مع العالم الخارجي بشكل كامل. يُظهر الفيلم بذكاء كيف أن "لورا"، رغم كونها قادرة على التحدث والتفاعل، تحمل عبءًا كبيرًا في محاولة فهم والديها وتلبية احتياجاتهم. هذا العبء النفسي لا يقتصر على الترجمة فقط، بل يمتد إلى فهم مشاعرهم وآمالهم وتطلعاتهم.

يظهر الهدف الروائي بشكل واضح في السعي لخلق وعي اجتماعي أكبر حول القضايا التي تواجه هذه العائلات. ليس مجرد تقديم صورة سلبية عن الصم والبكم، بل يكشف أيضًا عن لحظات الفرح، والتحدي، والنجاح. يُركز الفيلم على العلاقات الإنسانية ويعرض كيف يمكن أن تتجاوز الروابط الأسرية كل العقبات.

من خلال هذه الرؤية، يُبرز "ماسيج أدامك" أهمية الاستماع والتواصل، ليس فقط عبر الكلمات، ولكن أيضًا من خلال الفهم والتعاطف. كما يُحفز الفيلم النقاش حول كيفية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع بشكل أفضل، مما يجعلنا نتساءل: كيف يمكن أن نكون جزءًا من هذا العالم الذي يُفترض أن نكون فيه متصلين؟

فيلم "عالمان" لا يقدّم مجرد تجربة بصرية، بل يُعد نافذة لفهم أعمق لواقع الحياة مع ذوي الاحتياجات الخاصة. إنه عمل فني يطلب من الجمهور التفكير في معنى التواصل والمشاركة، ويدعو إلى مجتمع أكثر تفهمًا وتقبلًا للجميع.

برؤية أخرى فيلم "عالمان" للمخرج البولندي "ماسيج أدامك" هو عمل درامي يجسد ببراعة الواقع اليومي لعائلة تعيش مع تحديات الصم والبكم. ينقل الفيلم المشاهد إلى عمق التجربة الإنسانية، حيث يتجاوز مجرد عرض القصة ليغوص في التفاصيل الجمالية والفنية التي تعكس الروح الإنسانية.

تتبلور الدراما في الفيلم من خلال التوترات اليومية التي تواجهها العائلة. الأبوان الصم والبكم يُشكلان محور الصراع، بينما تمثل "لورا"، الابنة، حلقة الوصل بين عالَمَيهم. تصاعد الأحداث يُظهر كيف أن الصعوبات ليست فقط في التواصل بل أيضًا في الفهم العاطفي. مشاهد صراخ "لورا" في صمت والديها تكشف عن عمق معاناتها، مما يمنح الفيلم بعدًا إنسانيًا يعكس الصراع بين الواجب الشخصي والحاجة إلى التحرر.

فيما يتعلق بالجانب الفني، استخدم "أدامك" تقنيات تصوير مُعبرة، حيث تبرز الكاميرا اللحظات الحميمة والتفاصيل الدقيقة في حياة الشخصيات. الانتقال بين اللقطات المقربة والتصوير الواسع يمنح المشاهدين فرصة الانغماس في الأجواء المليئة بالتوتر والعواطف. الألوان المستخدمة، التي تتراوح بين الألوان الهادئة والألوان الداكنة، تُعبر عن الحالة النفسية للشخصيات، مما يعزز من التجربة البصرية.

الجماليات في "عالمان" ليست محصورة في الصور فقط، بل تشمل أيضًا تناغم الأصوات – أو غيابها. الصمت يملأ العديد من المشاهد، مما يمنح الفرصة للتأمل والتفكير في معاني التواصل. لغة الإشارة تُظهر جماليات التعبير، حيث تُستخدم كوسيلة للتواصل تعكس العواطف بشكل غير مُباشر. هذه الاختيارات الفنية تجعل الفيلم تجربة غنية تُحفز الحواس وتدعو للتفكير في كيفية تفاعلنا مع العالم من حولنا.

التعبير عن المشاعر في الفيلم هو ما يجعل التجربة أكثر تأثيرًا. يُعبر كل مشهد عن مجموعة من المشاعر المعقدة، من الفرح إلى الحزن، ومن القلق إلى الأمل. استجابتنا كجمهور لتلك المشاعر تُعزز من قوة الرسالة التي يسعى الفيلم إلى إيصالها: أن كل فرد، بغض النظر عن تحدياته، لديه الحق في التواصل والمشاركة في الحياة

في الختام، فيلم "عالمان" ليس مجرد قصة عن الصم والبكم، بل هو دعوة للتفكير في العمق الإنساني وتحديات الحياة. من خلال التقنيات الإخراجية المميزة والجوانب الجمالية المُعبرة، ينجح "ماسيج أدامك" في تقديم عمل درامي مُؤثر يُشجع على فهم أفضل للعوالم المختلفة التي نعيش فيها. إن الفيلم يُظهر أن التحديات لا تُعرقل الروح الإنسانية، بل تُثريها، مما يترك في النفس انطباعًا عميقًا حول أهمية التعاطف والفهم المتبادل.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com