عشاق نجمة والفهم المرتبط بمفاعيل إنسانية

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "عشاق نجمة"

جزء من الواقع الاجتماعي والسياسي تفتحه الروائية سلوى البنا روائيا في روايتها "عشاق نجمة" متخذة من السجن مكانا تنخرط فيه أيديولوجيات إنسانية مختلفة، ضمن لحظات تاريخية تعالجها ببنية ذات تحولات تتعدد فيها التخيلات، وبأنماط سردية تدعم فيها البناء الروائي بانتماءات لها رمزيتها التي حبكتها، لتقليص حدة الزمن بين الأجيال، بأسلوب تحليلي داخلي وخارجي، فتارة تبدو الحرية عالقة في الأنفس الإنسانية الميالة للشر والخديعة، وتارة أخرى عالقة في تخيلات العودة التي ستتحقق لتحرير فلسطين وأهلها من شرك الزمن، وما علق به من شوائب لا يمكن معالجتها إلا بتماسك العالم العربي، والفهم المرتبط بمفاعيل إنسانية تنص على رؤية كل تفاصيل الحياة التي يحياها الإنسان مقيدا أوحرا، والتحاور معه روائيا.

وقائع وأحداث وتفاصيل لا يمكن الهروب منها، أو خلق انعكاسات أخرى يمكن اللجوء إليها، إذ تبدو شخوصها الروائية من كل بلد عربي يرمز إلى المفهوم الوطني العربي، وتبعا للنتاج التخيلي وخضوع الواقع لمسيرة السجناء القابعين في زنزانة أشبه بالعالم العربي، والأفكار التي تطرحها الأنظمة الخارجية المتشعبة في مساراتها، والعالقة في فكر كل عربي معارض أو موال لهذه الأفكار التي تشكل الحدث الأقوى الذي تصعب معالجته بما يتناسب مع القضية الفلسطينية التي تحتاج إلى قفزة نحو فكرة إنسانية تقود الشخوص إلى العالم الخارجي، ليكونوا أشبه بالحاضر الذي ينزف مستقبله قبل أن يولد، لتتم معالجته وفقا للحكاية التي بدأ ب " تقول الحكاية: إن من استحق لعنة نجمة لا تدركه شمس النهار إلا وقد استحال تمثالا شمعيا" فهل ذوبان الرموز في شخوص رواية هي شموع تحترق، لتنير الزمن بحقائق روائية؟

أماكن تنطق بروح فلسطين، وبتراث وعادات حتى تلك الصور الفوتوغرافية الشاهدة على الزمن، وعلى جمال العيش الهنيء في فترة أصبحت الصور في صرة مشدودة ربطتها بإحكام، لتكون أمانة بعد الرحيل، ولا يمكن التفريط بها، ولا يستهان بها، فهي بمثابة ذاكرة أخرى مضافة إلى ذلك المشهد الذي يصعب الوصول إليه، لما يحمله من ألم وإرهاب في قتل عروس أمام زوجها، وانتشال جنينها من بطنها برأس حربة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام بصر عطية الذي لم يتجاوز الثامنة عشر، وبهذا تؤرخ الروائية سلوى البنا لمعالم الزمن الفلسطيني الذي يسير تاركا للأجيال القادمة ذكريات متعددة لا يمكن محوها من ذاكرة أبناء حملوا الصور في صرة، والمفاتيح تعلقت في الصدور من أجل العودة إلى نجمة، وحكايتها واخضرارها، وبرمزية الوطن وجماله وحكاياته المحبوكة بالتخييل المجازي القادر على استفزاز القارئ، وشحن انفعالاته بمسؤوليات حمل الأمانة مع شخوص روائية مسكونة بالغضب والوجع والاحتلال..

تكشف الرواية عن الوجع العربي بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص مصنفة عدة آراء سياسية واجتماعية ووطنية من خلال عدة شخوص أمسكت بها الروائية سلوى البنا لتكون بمسارات وأبعاد لها فعاليتها في ذهن القارئ القابع في انفعالات الرواية وأسسها البنائية من البداية حيث الحكاية حتى النهاية، يحاول القارئ اكتشاف الحلقة المفقودة مع أبو المجد حين" نقل عينيه ما بين لؤي وسامي، محاولا أن يكتشف تلك الحلقة المفقودة ما بين اللحظة التي تركهما فيها خلف البوابة، وتلك التي وجدهما فيها فوق رأسه" وهي المسافة الفاصلة بين زمن وزمن، لكن للمكان وحدة زمنية هي فلسطين أو نجمة والمكان الروائي الذي أشبه بعالم صغير هو سجن نرى من خلاله الأحداث التي لا يمكن إنكارها من مجازر واعتداءات وقتل الأطفال والأبرياء، والتنكيل بالأحياء والاعتداءات على الأماكن الفلسطينية التي تغيرت بفعل الاستيطان والاحتلال الذي يمارس شتى أنواع الاعتداءات على البشر والحجر.

ترجيع الزمن، ولم الشامي المغربي أبو المجد الفلسطيني وسامي اللبناني ولؤي الجزائري، وتساؤلات عن اللغز والملفات وأكداس من الجثث لا يعرف إن كان سيلتحق بها أو يجمعها، وفي كلتا الحالتين خوف ورعب وهيبة مكسورة، هي في حقيقة الأمر مفتاح الموت الذي يملكه كل سجين فلسطيني داخل سجون الاحتلال، ضمن معايير منطقية متسلسلة روائيا مقنعة، وذات محاور إيجابية وسلبية تقترن بالاستراتيجية الروائية لحكاية نجمة أو حكاية فلسطينية، لها مجازيتها ودلالاتها وعناصرها المتباينة والحاملة للحقائق التي أرشفها الزمن الروائي الخارجي والداخلي ولا سيما القضايا الاجتماعية التي يعاني منها ابن فلسطين الذي سكن المخيمات، وفقد الطفولة، وبات يحلم بحضن أبيه وأمه ووطنه .

تنعكس تمثيلات الواقع على الأحداث الروائية، وبوعي ذي بنية دالة على رصد حركة الشخوص، لتغدو عالما خاصا تنغرس فيه المشاهد الحية التي تعيد إلى الذاكرة أحداث دير ياسين، ومجازر كثيرة ما زالت جراحها تنزف في أرواح الفلسطينيين دون أن تنفلت من السرد المبطن، وبجدلية جوهرية تتمتع بخاصية عربية بحتة، تحمل هموم شعب تعرض إلى نكبات وويلات، وحدود وطن تضيق حتى بالأوهام التي ترفض أرض الواقع المبني على نجمة، وزيتونة خضراء فارضة مسار الحدث على القارئ، وبحكمة أحيانا تختزل فيها الكثير من المعاني" حين نتوقف عن الهروب إلى الخلف، ربما نتقدم خطوة إلى الأمام" فهل الماضي هروب أم واقع يتخطاه ابن فلسطين، ليعيش الحاضر محققا مستقبله بالعودة؟

زوايا زنزانة جمعت الواوي بأبي المجد وآخرين علقوا في قبضة القمع للحريات، ومحاولات اغتيال فاشلة تمثل مخططات أفراد تمادى كل منهم بسلوكيات شاذة، هي نتيجة تعكس معادلة الوطن الذي بين قبضة الاحتلال ونتائج ذلك على شعب تناثر في كل مكان، وبات الاسم هو فلسطيني أو فلسطينية رمزا للوجود مع تساؤلات" أية عدالة هذه التي جعلت من هوية الفلسطيني لعنة تطارده" متجهة بالهوية الفلسطينية اتجاها معاكسا، وبوتيرة توسعت فيها لإنعاش عمق الرؤية الروائية، ومعناها الممتد من نجمة وصولا إلى من باتت تسمى بالفلسطينية، ومن منظور لا يمكن التكهن به إن كانت ستفرح بذلك أم تحزن فارضة التحاور مع القارئ بأسلوب ديناميكي، ومقاومة من نوع آخر .

مواكبة لوجود إنساني مرتبط بفلسطين ووجودها الأزلي كنجمة لها حكايتها التي تعيد روايتها الألسن، بجرأة روائية أعادت بناء العالم الضيق الذي يعيش فيه الفلسطيني خارج بلاده وداخلها، ضمن انعكاسات الحب والزواج والخيانة والوفاء والالتزام بالحرية والعودة والمفاتيح المعلقة في صدور نجمات الوطن القادرة على الإضاءة الوطنية الخاصة بفلسطين الحلم والوجود، وبنطق رواية تباينت فيها الأفكار، فالنص الروائي إبداعي في مساراته التاريخية والتراثية والسياسية والاجتماعية، وما إلى ذلك، إذ تترابط الأحداث مع الأحلام، والواقع مع الوهم لاستخراج جوهر الشخوص، ومداواة الشكل الفني الروائي بالإيحاء لمقاومة هي الأشرس نفسيا، وبعقلانية حملها أبو المجد بصفات متعددة، وربما انفرد أبو المجد بالوجود الروائي المتمسك بتراثه ونجمته ومواله العتابا، وبوضوح لا ضبابية فيه، وباتساق سردي يوحي بقوة الذاكرة الفلسطينية وصلابتها، وبتوصيف صنعت منه تاريخا روائيا خاصا بفلسطين النجمة والأرض والزيتونة الخضراء .

Doha EL Mol