الحرية هي المكان التجاذبي الذي ننطلق منه بفكرة نحو العالم.
الفيلم الوثائقي "نهج النصر" (Rue de la Victoire) للمخرجة "فريدريك كورناير ليسارد" (Frédérique Cournoyer Lessard) ضحى عبد الرؤوف المل.
الحرية هي المكان التجاذبي الذي ننطلق منه بفكرة نحو العالم، والمخرجة "فريدريك كورناير ليسارد" (Frédérique Cournoyer Lessard) في فيلمها الوثائقي "نهج النصر" (Rue de la Victoire) تحررت مع رؤيتها الوثائقية. وبداية الاسم الرمزي لبطل فيلمها التونسي الذي نشأ وترعرع وتغذى نشاطه الحركي من شوارع شعبية في مجتمع عربي، إن لم أقل إسلامي، لأن محمد هو ابن بيئة شعبية محافظة على تقاليدها، وابن الأحياء التي تميزت بالاكتظاظ السكاني. فالإسم لطفل ما في مكان ما لا يعني أن الجميع يتشابهون.
معتمدة على أخلاقيات الصورة الناتجة عن حياة لاعب السيرك وكيفية نشأته في الماضي والحاضر، ضمن نمط تصويري يتقطع مع الموسيقى المفتوحة على الثقافات نحو العالم. إذ تتيح للمشاهد فرصة تذوق (سمعي، بصري) لمرحلة مصيرية في حياة إنسان عربي هو جزء من نسيج مجتمعي ينتمي إليه. فالأم والأخوة والاختلاف في فرد من العائلة له عدة عوامل مفتوحة على عدة احتمالات، منها طموح الفرد في تحقيق ما يسعى إليه.
إذ كان من الممكن أن ينشأ على حب الفساد والعنف بدل حب اللعب الحركي المرتبط بالليونة الجسدية والقدرة على خلق توازنات حركية عبر الهواء أو الفضاء المفتوح. وللمرونة البدنية في فضاء الشارع أو الحي المفتوح على المساحات المرتبطة بالأشياء البدائية حكاية هي لبطل من أبطال السيرك اسمه محمد. في فيلمها، فتحت مخرجته المنافذ الفنية على وحدة إخراج وثائقية تكللت برؤية صلبة قائمة على قوة الإرادة عند الفرد الذي يسعى إلى تحقيق هدفه في الحياة رغم الصعوبات التي ينشأ فيها، وبتحديات متعددة أوصلته إلى حيث يريد.فهل حاولت المخرجة "فريدريك كورناير" الخروج مع محمد عن نمط الفكرة السائدة أن المجتمع العربي هو مجتمع متشدد وصارم؟ وماذا عن سيكولوجية اللعب عند الأطفال وتنميتها عبر قدرات الفرد المختلفة؟
اتخذت الموسيقى التصويرية نهجًا مختلفًا في دمج المفردة الموسيقية الغربية مع العربية، مثل اللهجة التونسية أو اللهجات العربية الفرنكفونية. وما بين التقليد والحداثة، خلق المؤلف الموسيقي صورة سمعية تحاكي البصرية وتتوازن معها. فجذبت المشاهد نحو صوت محمد الذي يحكي قصة حياته ووصوله إلى السيرك في فرنسا، مما سمح للحواس الانفتاح على الصورة التي تنوعت في الوثائقي المعتمد على ثلاثية السينما والفن والسيرك، والإحساس الغامر بالفهم الوجودي المبني على هذه الثلاثية التي من شأنها دعم الفكر التخيلي للحركة عبر الفضاء المقيد بالجاذبية، والناتج عنها من معادلات تعلق بها الطفل الذي شعر بتناقضات ميوله مع مجتمعه.
إلا أن هذه التناقضات هي التي منحته القوة لتحقيق هدفه رغم الصعوبات المستحيلة التي ذللها عبر أدوات بسيطة للغاية في البداية. وما بين السطور، اللعب هو التنمية الحقيقية للطفل الذي ينشأ مختلفًا عن أقرانه. فهل لغة الشارع أو المجتمع الشعبي في الدول النامية تنجب من الأبطال أعظمهم؟ وما هو دور الفيلم الوثائقي في إبراز هذه النماذج الإنسانية التي ناضلت في السعي لتحقيق أهداف الحياة من خلال اللعب الذي مارسته في طفولتها وتأثرت به أو رافقها حتى عمر الشباب، فأصبح المهنة الحلم والابتكار الفني؟ وما هو سرد فن الحركة وما مدى فهم أهميته من خلال الفيلم الوثائقي؟
يحمل الفيلم الوثائقي "نهج النصر" مفاهيم الانتصار على الصعوبات بالمثابرة والمرونة والهدوء، والقدرة على تبسيط الأشياء، وعدم الخوف من المستقبل مهما كانت أماكن الولادة متواضعة أو شعبية أو لا تمتلك من مقومات الإبداع، ما يجعلها قادرة على الدخول إلى عوالم أرستقراطية. فالحلم لا يحتاج إلا للإرادة ليتحقق، وبهذا استطاعت المخرجة "فريدريك كورناير" التوأمة مع بطل فيلمها والسير بتوازي فني معه. مما يضع المشاهد في رؤية الاثنين معًا، أليست الكاميرا هي التي تحررت وتوازنت بموضوعية مع ذاتية البطل الخاص والعام معًا؟ فهو خاص كمجتمع عربي أنجب لاعب سيرك اتجه إلى فرنسا وحقق تميزه، صورة أخرى عنه وعن مجتمع ينتمي له. كما استطاعت خلق صورة أخلاقية لطفل بدأ اللعب في الحي الشعبي وصقل موهبته في الشارع العام، والأمكنة في الحي حول بيته قبل أن ينطلق نحو فرنسا ليكون ضمن فريق السيرك فيها وعلى مسارحها الكبيرة.
سرد وثائقي لفنون تنشأ بفطرة منذ الطفولة ولا يمكن إيقافها عند أصحاب الإرادة والأهداف البناءة، من البطل محمد في فيلم "نهج النصر" إلى مخرجته ومؤلف موسيقاها التصويرية، في أسلوب جمع الفن والتحديات البصرية والسمعية في لغة سرد تميل إلى معرفة نشأة الإرادة وأهمية اللعب في حياة الطفل وقدرته الذاتية على تنمية أهدافه بشكل يستطيع من خلاله الوصول إلى حلمه، أو بالأحرى الانتقال من مكان عرض خاص وهو الشارع حيث لا يراه إلا الأهل والجيران والأصدقاء، إلى مكان عام وهو الجمهور المحب لفن السيرك الحركي وتحديات الفشل، واستبداله بالنجاح. وما بين التوازن والسقوط، بقي بطل الفيلم في دائرة أتقن السيطرة عليها، كما أتقنت المخرجة وضع رؤيتها الفنية في فيلم هو "نهج النصر".
برؤية اخرى فيلم "نهج النصر" (Rue de la Victoire) للمخرجة فريدريك كورناير ليسارد هو وثائقي يتناول قصة حياة محمد، لاعب السيرك التونسي، الذي انتقل من الأحياء الشعبية في تونس إلى مسارح فرنسا. يتناول الفيلم قضايا الهوية، الطموح، والمقاومة، مبرزًا القوة الدافعة للإرادة البشرية.
تدور أحداث الفيلم حول رحلة محمد، التي تجسد التحديات والصعوبات التي يواجهها الأفراد في سعيهم لتحقيق أحلامهم. من خلال عرض الحياة اليومية في الأحياء الشعبية، ينقل الفيلم شعور الانتماء، الصراع، والمرونة. المخرجة تأخذ المشاهد في جولة إلى عالم محمد، حيث تُظهر تفاعلاته مع عائلته وأصدقائه، مما يُعطي بعدًا إنسانيًا عميقًا للقصة.
تمتاز القصة بوجود تصاعد درامي واضح، حيث يبدأ الفيلم بمشاهد تعكس حياة محمد في تونس، تتخللها لحظات من الفرح والحزن. يواجه محمد التحديات، مثل ضغوط المجتمع والتوقعات الأسرية، مما يخلق توترًا يدفعه نحو البحث عن طريقه الخاص. في النهاية، يتحول هذا التوتر إلى انطلاقة نحو النجاح، مما يضفي طابعًا ملهمًا على القصة.
تستخدم المخرجة تقنيات تصويرية مبتكرة تعزز من جماليات الفيلم. الإضاءة، زوايا الكاميرا، وتحرير المشاهد تمثل جميعها عنصرًا أساسيًا في نقل المشاعر. المشاهد التي تظهر محمد وهو يمارس فن السيرك تُظهر انسيابية الحركة والقدرة الجسدية، مما يُبرز موهبته وإبداعه. الموسيقى التصويرية تلعب دورًا محوريًا، حيث تتناغم مع الصور، مما يخلق جوًا يربط بين التجربة البصرية والسمعية.
: تتجلى الجمالية في الفيلم من خلال التباين بين الحياة اليومية في تونس والفخامة التي يعيشها محمد في فرنسا. التصوير الجيد للأماكن، بالإضافة إلى التفاصيل الصغيرة التي تبرز الثقافة المحلية، تمنح المشاهد إحساسًا بالمكان وتاريخ الشخصيات. هذا التباين يعكس الصراع الداخلي بين الهويتين، مما يزيد من جاذبية القصة.
التعبير في الفيلم يظهر بشكل واضح من خلال مشاعر محمد وتفاعلاته مع البيئة المحيطة. تعابير وجهه وحركات جسده تعكس الشغف، الأمل، والتحدي. المخرجة تستخدم هذه العناصر لتصوير الصراعات الداخلية التي يواجهها البطل، مما يسمح للجمهور بالتواصل عاطفيًا مع شخصيته.
فيلم "نهج النصر" ليس مجرد وثائقي عن حياة لاعب سيرك، بل هو قصة إنسانية تتناول الطموح، الهوية، والصمود. من خلال أسلوب الإخراج المبتكر والسرد الدرامي الجذاب، تمكنت فريدريك كورناير ليسارد من تقديم عمل فني يمزج بين الجوانب الجمالية والموضوعية، مما يجعله تجربة فريدة للمشاهدين. الفيلم يحث على التفكير في معاني الحرية والتعبير عن الذات، ويعكس كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة لتحقيق الأحلام.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com