متغيرات الإيقاع في القصيدة من حيث حركة الفعل
ضحى عبد الرؤوف المل
تتوضح فكرة القصيدة في ديوان "فهرس الانتظار" للشاعر "مهدي منصور"، الصادر عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع"، من خلال تدفق الإيقاعات وفق مقاربات فلسفية يشحنها بجمالية شعرية لإيقاع الحياة، واشتقاقات العاطفة والانفعالات الناتجة عن المعنى والمعنى المعاكس. إضافةً إلى العقلانية بمراتب فنية تضفي على الرؤية جدليةً من خلال الأضداد وقدرتها على تنشيط الحواس بعيدًا عن الارتباك، بمقاييس هي تنقلات من نغمة إلى أخرى، بخفة ترتبط بفهم المعنى، وبتنوع وتباين في حركة المفردة بين الماضي والمضارع، بمعنى حركة الفعل والكناية والاستعارات. ليخلق تأثيرات حسية مباشرة واعية ذوقيًا بجوهر خصائص القصيدة، المشتدة بنيويًا من حيث الهيكل الصوتي أو الإيقاعي المرتبط بالحروف السلسة، ومتغيرات الإيقاع في القصيدة ذات حركة الفعل.
كأنه يستخرج المرادفات من صندوق موسيقي ينظمها وفق ديناميات إحساسه، باختزال يمنحه صورة الإحساس المرافق لذلك مجازيًا، وهذا يشكل الشريان الحيوي لجمال المفردة الشعرية في قصائده: "عيناك ما هرم الربيع عليهما، وأنا شهوري كلها أيلول، قصصي يتامى الحب، دعك وسيرتي، جرح بذاكرة الخريف يطول." في الفصول متغيرات متعددة، وفي كل منها عبق أيلولي مستمر مع قصص الحب. إلا أن للخريف مستقره إن عاودت الذكريات صاحبها. وفي ثنايا المعاني! ربما خريف الحب بمدلوله الحسي هو الانتقال من حال إلى حال دون زمن يشعر به الشاعر، إنما الشعور في طبيعة الحال، وهذه التلوينات الشعرية تكشف عن طبيعة النفس في قصيدة تختصر حتى التنهدات التي يشعر بها القارئ، وإن لم يقرأها أو يسمعها. لأن الإيقاع الداخلي للقصيدة لا يقل أهمية عن إيقاعها الخارجي، وربما يحاول "مهدي منصور" في ديوانه "فهرس القصيدة" إبراز متغيرات الإيقاع في المعنى أو خوض لجج التحسس الشعري بجمالية هي حركة يجسدها الفعل في كل مرة. فهل يتغنى بالمعنى في القصيدة ويبحث عن الوجدان في الحبيبة لا الشكل الخارجي؟
انعطافات في النغمة كما في المعنى: "فارم المظلة واستعد لكي ترى، كيف الأغاني في يديك ستمطر، وارم المفاتيح التي أعددتها، فانا سأبقى عندما أتحرر." وما بين المفاتيح والتحرر وميض العبودية الذي لا يحتاج لمفاتيح، لأن التحرر الحسي أقوى من أي تحرر آخر، وهو مشبع بالتوق إلى الانطلاق. وباختصار شديد، من خلال رمي المفاتيح، وفي الديوان الكثير من التعابير المتضادة التي تشكل انعطافات قوية يصبو من خلالها "مهدي منصور" إلى كسر كلاسيكية القصيدة والتحرر منها نحو الحداثة دون انتهاك لقوامها أو شكلها أو حتى بنيتها: "لم تقل غيمة لماء شريد، عد حبيبي، بل غب وهم يا رسولي." إذ "يرفع الشاعر حلمًا طازجًا، ويعد العمر بيتًا للسفر." وفي كل هذا نوع من المتع الشعرية التي يستسيغها القارئ، كما أنها تحتفظ بالإيقاع الصوتي الذي يتنامى مع الكلمات ذات الأحرف الرقيقة الموحية بفهرس يستخدمه منتظراً القصيدة الخالدة ربما. إذ تصل بعض القصائد إلى ذروتها قبل النهايات، ليسكب عليها الصبر والأنات تمهيدًا ليختمها بكلمات مثل: "مقتول، أتحرر، المبلول، جاهلة، جثتي الهامدة، وخانتنا الدروب." مسطرًا بذلك ما ينبعث من تصوراته الحسية كلمات هي الختم الحي للقصيدة.
إن الرؤى والمعاني والحبك النغمي والتحليلات الشعرية تشكل الانعكاسات الأساسية للقصائد في هذا الديوان بموسيقاه وصياغته ضمن نظام فعلي محض مرتبط بإشكالية الإيقاع واللحن في الكلمات التي تنطلق بحرية دون مفاتيح يمسكها، إنما تحمل من الانسجام العناصر الكافية لخلق التوازن البسيط في تركيبة القصيدة مع الاهتمام بالنبض الانفعالي الذي يهتم بتسربه إلى القارئ، وكأنه يجعل من القصيدة الشريان الذي يضخ الخصائص المختلفة المؤثرة في المتذوق. وضمن القيمة الشعرية، يعتمد على البساطة في الفعل المتوهج حسياً والمختصر لمصطلحات متعددة، وبوتيرة مختلفة النبرات أو الإيقاعات. مما يؤدي إلى مزيج من التفاعل بين معنى ومعنى، ونغمة ونغمة، ومن ثم يختم فجأة بعد كل هذا معاناته المختبئة أو التي يستبطنها بالمعنى السابق واللاحق ضمن ثلاثية هي تدرجات القسوة والحنان. لكي يرأف بالقصيدة والقارئ معًا، تاركًا لنفسه العفن في فهرس الانتظار الذي رمى فيه المفاتيح. ليتحرر من القصيدة الكلاسيكية متجهًا نحو القصيدة المعاصرة، ولكن بوفاء للشعر الذي ينتهجه بسلاسة ومرونة وذكاء في تطلعاته الشعرية: "أين من القصائد بيت واحد يتسع لإيوائي مع كل هذا العفن؟" فهل يتسع ديوان فهرس الانتظار لقصائد ختمها بهذه الكلمات؟
برؤية تحديثية اخرى يعتبر ديوان "فهرس الانتظار" للشاعر مهدي منصور تجسيدًا لروح الشعر الحديث، حيث يتجاوز حدود الأشكال التقليدية ليقدم تجربة شعرية عميقة تستند إلى مفاهيم فلسفية وشعورية متعددة. يتميز الديوان بتوظيف متغيرات الإيقاع، التي تبرز الحركة الدائمة بين المعاني، مما يساهم في بناء تجربة شعرية شاملة.
يمثل الإيقاع أحد العناصر الأساسية في القصائد، إذ لا يقتصر على الموسيقى الخارجية فقط، بل يتجلى في العمق النفسي للمعاني. يتنقل الشاعر بين أزمنة الفعل، متطرقًا إلى الماضي والمضارع، مما يعكس صراع الزمن وتأثيره على المشاعر. هذا التنقل الزمني يمثل عمق التجربة الإنسانية التي يعيشها الشاعر، حيث يتفاعل مع ذكرياته وتطلعاته.
تُعد الاستعارات والكناية أدوات فنية حيوية في قصائد مهدي منصور، حيث يستخدمها لتصوير مشاعره وأحاسيسه بطريقة غنية ودالة. على سبيل المثال، تعبر استعارة "صندوق موسيقي" عن تعقيد المشاعر الإنسانية، وضرورة فهم تلك المشاعر في سياق شعري. من خلال هذه الصور، تتجلى قدرة الشاعر على الربط بين الأبعاد النفسية والفلسفية، مما يمنح النص عمقًا ورؤية موسوعية.
يبرز الديوان جدلية الأضداد، حيث يُظهر الشاعر الصراع بين الحب والفقد، الحرية والعبودية. في قصيدته "فارم المظلة واستعد لكي ترى"، يتجلى هذا الصراع من خلال صور حركية تدعو القارئ إلى التفكير في معاني التحرر والقيود. يمثل رمي المفاتيح في هذا السياق رمزية قوية تشير إلى تخلي الشاعر عن القيود النفسية والاجتماعية، بحثًا عن حرية حقيقية.
يشكل الإيقاع الداخلي للقصيدة بعدًا آخر من الأهمية، حيث يعكس تدفق المشاعر والأفكار بشكل متواصل. يُظهر الشاعر كيفية انزلاق الكلمات بسلاسة، مما يساعد في بناء تواصل حيوي مع القارئ. يتمثل ذلك في استخدامه للجمل القصيرة والمركزة، التي تساهم في خلق لحظات تنفس شعري، مما يعزز من عمق التجربة.
يعتبر ديوان "فهرس الانتظار" تجربة شعرية متكاملة، تمزج بين الجوانب النفسية والفنية. يتناول القضايا الإنسانية بعمق وبراعة، من خلال استخدامه للإيقاع والاستعارات. يمهد الديوان الطريق نحو فهم أعمق للأحاسيس الإنسانية، محققًا توازنًا بين المعاني السطحية والعميقة.بهذا، يُعد مهدي منصور شاعرًا يستحق الاهتمام، حيث يقدم رؤية جديدة للشعر العربي المعاصر، تفتح الأفق أمام قراءات متعددة وتفسيرات غنية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
تم نشر المقال في جريدة الصباح عام 2019 الشهر الثاني