الذاكرة المشلولة تحت وطأة اليقين

ضحى عبدالرؤوف المل

يحاول الروائي "هوشنيك أوسي" في روايته "وطأة اليقين" ترتيب أوراقه، إذ تبيح الحروب الانتهاكات الإنسانية، فتمزق وتشرد وتدمر، حيث تعصف الأنفس وتمسك الذكريات بدفاتر اللحظة التي ينقشها الإنسان في داخله فلا ينساها. ينقش الروائي "هوشنيك أوسي" أشد اللحظات وأقساها على الإنسان، وهو تحت وطأة اليقين ومحنة السؤال، وشهوة الخيال في رواية مهداة إلى كل من ظلمها، بل إلى قارئ هو أول من ينتظر القيامة من شدة هول الصراع النفسي الذي يحياه الروائي السوداوي، مثل كومبارس يُستكمل به المشهد بين النظام والمعارضة، ومعادلة أنهكت الشعوب التي بدأت ثورة وما أنهت الثورات في الأنفس الشحيحة بالمحبة والسلام. فهل التعلق بكاترين دز وينر هو تعلق الطفل بالخلاص أو بالأم التي تحتضن وترعى؟ أم إن هوشنيك هزّ حقيبته الأخبارية بلغة شد متنها بالأحداث التي تمر على المنطقة العربية أو على كل لاجئ؟

يخرج "هوشنيك أوسي" من بوتقة الاستبداد نحو قساوة التشاؤم الروائي أو العالم المتخيل الذي يتنفس من خلاله الحرية المصطنعة، أو بالأحرى الحرية المعلقة بأضغاث النفس وهلوسات الأمنيات، والفلسفات الوجودية والتساؤل المبني على قوة الوجع في الذاكرة والمعاناة وفقدان التصبر، بل والتذبذب في الخروج من اليأس المزروع في تفاصيل رواية هي حكاية الثورات العربية، والمعارضة القابعة تحت وطأة "ترتيب سورية بما ينسجم مع إرثها الحضاري وروح العصر" ووطأة التاريخ والشوائب الأخبارية المكللة بقساوة التاريخ وجبروته في تشكيل كل ثورة قامت منذ الهولوكست وصولاً إلى الثورات العربية، وما نتج عنها من تداعيات انهارت فيها القيم. إلا أن اللغة التقريرية والخيوط الروائية تباعدت، رغم اللغة الشاعرية وجمالية امتدادها في رواية ما منع عنها قساوة الحدث والتعتيم التصويري في شاعرية ما هي إلا الخروج من الوجع والدخول إلى دائرة الحزن، ومتاهة الحروب البشرية المرتبطة بالمذهب والانتماء، وتعزيز صورة انتهاك حقوق الإنسان. فهل إسقاطات هوشنيك الروائية هي حقيقة الواقع الذي عاش فيه ولم يخرج من عذاب وطأته؟

حاول "هوشنيك أوسي" الخروج من قساوة الحروب بشن الحروب الروائية المعاكسة للخروج من فظائع الأحداث التي تعشش في النفس. مما طرح إشكالية الدقة الواقعية في التاريخ والحرب المزعجة للأدب بحد ذاته. إلا أنه نادى الشعر الروائي ليخفف من شدة السوداوية دون أن يطمس لحظات من سيرته الذاتية، بل على العكس أظهر الوجع في السرد والتراكيب في الأسلوب الكتابي الذي يظهر اللحظات القوية والأحداث الخاضعة للقهر ولعذابات الإنسان بشكل عام. ولذا اختار الأوسي نوعًا ما رواية مؤرخة لعدة حروب، بعضها في المركز الأول وبعضها الثاني والثالث. إلا أنها الحروب التي تنهك البشرية وتجعلها في نزف دائم. "إن المرويات التاريخية عن الأحداث المهمة في حياة الأوطان والشعوب يشوبها الكثير من التحوير والتسيس والتدليس، ولكن هنالك دوما أشخاص هامشيون في زوايا وأماكن هامشية، شهود على حيثيات وأحداث صغيرة من شأنها قلب الرواية التاريخية رأسًا على عقب." فهل الرواية المؤرخة تتخذ من المراكز والأوليات أماكن عززها أوسي بلغة تقريرية صحفية؟ وهل تعتبر السجل التاريخي لرواية يحاول أوسي فهمها مع القارئ ليرتاح من سوداوية أدت إلى تحويل الوعي وعكس حالة التشظي على القارئ؟

يتلمس الأوسي تفاصيل الحروب غير المفهومة، وضمن لحظات معينة سعى إلى إبرازها بفن استنبطه كوسيلة لوضع المصائر والأقدار في المجهول أثناء الحروب. وبسخط على التاريخ أحيانًا لفهم نتائج الحروب أو الثورات أو التعرض لحقوق الإنسان، وليس فقط في الحروب، بل وفي الكتابة على أنواعها من الصحافة للتاريخ وصولًا للرواية، "يجب أن يكون هنالك كتب وروايات خيال سياسي تعيد كتابة وهندسة الأحداث التاريخية منها أو العسكرية أو حتى الدينية، بما يخرجها من سياق الرواية التقليدية السائدة والمكررة." فهل يستخلص في روايته "وطأة اليقين" الخبرة الفعلية في كتابة الأحداث، وبلورتها ضمن سياق النظم الذي تعزز مفاهيم الضعف والقوة؟

قراءة للوضع الاجتماعي والسياسي والتمييز المذهبي في رواية جمعت العديد من الأخبار والكثير من الأفكار التي تراود القابع تحت لظى النار أو تحت عصف الحاجة أو بين براثن المعارضة والنظام معًا. برغم أنه يميل إلى طرف من الأطراف، إلا أنه لم يتجرد في رؤياه من الذاتية، ليكون أكثر موضوعية في طرح روائي يعكس من خلاله أدبه الروائي المؤرخ لمرحلة عاشها على القارئ ووضعته في حيرة من حرب هي رواية خطها المجهول لمجهول بواقعية ذات مرارة هي فعلاً وطأة اليقين.

برؤية تحديثية اخرى تتألق رواية "وطأة اليقين" للروائي هوشنيك أوسي في تناول موضوعات إنسانية واجتماعية معقدة تتعلق بالحروب والصراعات النفسية، حيث ينجح الكاتب في تقديم رؤية متعددة الأبعاد تتجلى في أسلوب سردي يجمع بين الواقعية والفلسفة.

يمثل النص فضاءً لاستكشاف التوترات بين الواقع الأليم والأحلام المت shattered. يستحضر أوسي في روايته ذكريات مؤلمة للأفراد والمجتمعات، حيث يتداخل الألم مع الأمل، مما يخلق شعورًا بالحنين والضياع. هذا المزج بين الواقعية القاسية والخيال يتيح للقارئ التعاطف مع الشخصيات ويجعل التجربة الإنسانية أكثر عمقًا.

تُعد الرواية بمثابة بحث عن الهوية في خضم الفوضى. تنعكس الصراعات الداخلية للشخصيات على خلفية الأحداث السياسية والاجتماعية، حيث يسعى الأبطال لتحديد مكانهم في عالم مضطرب. يتجلى هذا البحث عن الهوية من خلال تجاربهم الفردية، التي تعكس أيضًا معاناة المجتمعات المتأثرة بالصراعات.

يقدم أوسي وصفًا دقيقًا للصراع النفسي الذي يعيشه الشخصيات. من خلال تصوير التشتت الذهني والقلق، يتناول الرواية بشكل عميق معضلات وجودية تجعل القارئ يتساءل عن معنى الحياة في ظل الحروب. تعكس اللغة المستخدمة في الرواية انطباعات الشخصيات، حيث يصبح الألم جزءًا من الهوية الإنسانية.

تتجلى قوة المرأة في "وطأة اليقين" من خلال تجسيدها للشخصيات الرئيسية التي تواجه تحديات الحياة والحرب. تكون المرأة رمزًا للصمود والمرونة، حيث تتجاوز الأدوار التقليدية وتصبح محركًا رئيسيًا في الأحداث. هذه الرؤية تعكس تحولات اجتماعية كبيرة، حيث تلعب المرأة دورًا فعالًا في السعي نحو التغيير.

من خلال تصوير الصراعات والتغيرات الاجتماعية، يسعى أوسي إلى تسليط الضوء على القضايا الثقافية التي تعاني منها المجتمعات. يتناول التمييز المذهبي، والحروب الأهلية، والانتهاكات الحقوقية، مما يجعل الرواية مرآة تعكس التحديات التي تواجه الإنسانية.

يسعى هوشنيك أوسي من خلال "وطأة اليقين" إلى إثارة الوعي الاجتماعي والسياسي. يتمحور هدفه حول تسليط الضوء على القضايا الإنسانية الحقيقية، والتأكيد على ضرورة التغيير. تتجاوز الرواية كونها مجرد سرد للأحداث، لتصبح دعوة للتفكير والتأمل في الواقع المعاصر.

تقدم رواية "وطأة اليقين" رؤية معقدة للواقع الاجتماعي والسياسي، تتميز بالموضوعية والانطباعية في آن واحد. من خلال أسلوبه الفريد، يفتح أوسي آفاقًا جديدة للفهم، مما يجعل القارئ يتفاعل مع الشخصيات والأحداث بشكل عميق. هذه الرواية ليست مجرد قصة عن الحرب، بل هي دراسة معمقة للوجود البشري وتحدياته في عالم مضطرب.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com