ربما لا شيء من هذا حقيقي في مسلسل( From)
ضحى عبدالرؤوف المل
يُبقي الزمن من نحبهم في عمق الذاكرة فلا يغادرونا، بل يسكنون فيها إلى الأبد. ونتمنى في لحظات خسارتهم أن نذهب إليهم. إلا أن في مسلسل From للمخرجين "جاك بندر، براد تورنر، ألكسندر لاروش" الأمر أشبه بلغز سريالي حافل برموز، والسر الكبير في جذع الشجرة الذي يصبح مع الأجزاء هو البداية للصراع النفسي القائم على استعادة الحدث.
تبدأ القصة مع عائلة ماثيو جيم (أيون بيلي) وزوجته ثابيتا (كاتالينا ساندينو) وأولاده إيثان (سايمون ويبستر)، وهو اللغز الأكبر الذي يجعلنا نبحث في تصرفاته وقدرته على متابعة رسوم الأطفال التي تُشكل المنبع النفسي الأساسي للمسلسل. هذا يجعلنا نعيد النظر في القراءة النفسية لرسومات الأطفال، والرسومات الكابوسية، أو حتى الرسومات السيكوباتية، أو الانفصام، أو حتى الرسومات البسيطة التي يرسمها الطفل تلقائيًا، والتي قد تمثل وجعه النفسي أو فرحه ووجوده.
فما علاقة الماضي بالنفس البشرية، وما هي مؤثرات الزمن على الذاكرة؟ وما الذي يمكن أن يشفي الإنسان من الكوابيس التي تهاجمه، أو الأحرى تعيش في مخيلة غير القادرة على قراءة الأحداث كما يجب؟ وما السر في التميمة؟ وهل الشخصيات الجديدة هي حبكة تزداد تعقيدًا في كل حلقة؟ وهل كل سلوك غير مدروس من الإنسان قد يؤدي إلى كوارث؟
لا يمكن دخول الوحوش من أبواب مفتوحة، ولا يمكن الوصول إلى الهلوسة والمرض النفسي من خلال العقل الباطن ما لم تسكنه الأخطاء القاتلة للإنسان نفسه. فالإنسان عدو نفسه، كما هي الحال مع أكثر شخصيات المسلسل الذين أخطأوا في مسارات حياتهم. فمزيج الأحداث مع كل شخصية يتخذ مسارًا نفسيًا هو معضلة حقيقية لا يمكن حلها، ومع ذلك يستمتع البعض منهم بوجوده مع الجماعة حتى إنه يخاف الخروج من هذه المتاهة كي لا يعود لحياته السابقة، رغم التصادم مع الجماعة. فالانفراد يؤدي إلى مزيد من الأمراض النفسية أو الكوابيس التي تأكل الإنسان كالحشرات التي تهاجم الذات، وفشل الإنسان في الابتعاد عما يخيفه أو تنظيف نفسه من أفعاله الشريرة أو الخاطئة، وما تؤمن به دونًا عن مجتمع حر كالهيبيين لا يتماشى مع العائلة ذات النظام الخاص بها.
ومع ذلك، استطاعت أن تنجح بالمحافظة على الجميع في منزل واحد، إلا أنها في حلقات الجزء الثالث تنهار وتبكي، ونراها تحتاج لدعم نفسي كي تستمر في ضبط المنزل الذي يعيش فيه الجميع. ولكن السؤال الأكبر الذي يدفعك إليه المسلسل هو: هل الإنسان عدو ما يجهل، أم أن الأخطاء تقتل صاحبها أو تتسبب بالأذى للآخرين الذي يتسبب به الخوف، وهو الدافع الأساسي؟
حقائق الوعي غامضة في بداياتها، ولا تتكشف إلا عند العودة إلى الذات، وما بين السابق واللاحق حالة الدال والمدلول ومعادلة الأثر النفسي الذي يجعلنا نسير في دائرة لا تنتهي. وأما رمزية المستودع الذي نضع فيه أشياء الماضي، فهو مستودع العقل وما نخفي فيه من إصابات طفولية لا تضمحل، ولكنها كالديدان الكابوسية في هذا المسلسل تنتظر اللحظة الحاسمة للخروج إلى العلن.
فهل الشجرة التي تقطع الطريق هي نهاية كل ما يتصل بالأرض، ويشكل فكرة القوة والكمال؟ أم أن ما هو بعد يختلف عما قبل؟ وحياتنا في مرحلة ما لا تشبه أي مرحلة أخرى؟
المؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية مؤثرة حسياً لدرجة أنها تشكل تنبيهاً نفسياً لحدث غامض لا نجد له الأجوبة، إلا أننا لو حاولنا تفكيك الرموز، نجد أن الشجرة الساقطة على الأرض هي رمز الفردية. فما من شيء في العالم لا يتأثر من الآخرين. وعبر الأدب والفن وحتى في الأديان، للشجرة رمزيتها تمامًا كالشجرة الملعونة في القرآن. فالشجرة المقتلعة ترمز للإنسان الذي يهرب من ماضيه، كالشخصيات في المسلسل الذين يريدون محو الماضي، ولكن الإدراك مرتبط بالنشأة الأولى التي يجهلها الإنسان عن نفسه، لأنها غالبًا تختفي في الباطن النفسي.
فهل نجح صناع المسلسل في وضعنا أمام معادلات نفسية تقودنا إلى منبت الشجرة ورمزيتها ووقوعها، والتي تمثل الوعي واللاوعي عند الإنسان؟ فقد اجتذبت الشجرة الانتباه وجعلتنا نبحث عن أعمق مخاوفنا في إعادة الأحداث، وهي الدخول في معاناة من يدخل عالم الخوف والعيش في كوابيس الليل، وما ينتج عنه من انقطاع عن العالم. فهل الخوف من أنفسنا أصعب من الخوف من المجهول؟ وهل تراكم صور الرعب في الأذهان يؤدي إلى التمسك بالحياة بعد اكتشاف كم الأخطاء التي نحصدها في الحياة، وتؤثر سلبًا على تفاصيل حياتنا؟
يصطحبك المسلسل في كل جزء إلى عالم نفسي مغلق كعلبة خشبية، وراقصة الباليه، والصوت الذي يرافقه الحدث المأساوي، وكل ذلك بأسلوب نفسي مدروس ومعادلات فلسفية بحثية عن الخوف والأزمات النفسية والديستوبيا، والكثير من التفاصيل التي بنى عليها المؤلف هذا المسلسل، الذي لا يمكن القول إنه بالجديد من حيث الفكرة، ولا بالقديم، إلا أنه استجمع عدة نظريات نفسية في أدب الرعب عبر هذه الدراما التي تجعلنا ننتظر فهم الكثير من الأسرار في الأجزاء القادمة.
برؤية تحليلية أخرى مسلسل ( From) يتمحور حول قضايا الذاكرة، الهوية، والصراع النفسي الذي يعيشه الأفراد في مواجهة ماضيهم. القصة تنسج خيوطًا معقدة بين عائلة ماثيو جيم والبيئة المحيطة بها، مما يبرز التوترات النفسية التي تتولد من ضغوطات الحياة اليومية والكوابيس التي تلاحق الشخصيات. إذ تتبع الأحداث نمطًا تصاعديًا يجذب المشاهد عبر إدخال عناصر الغموض والتشويق. الشخصيات ليست أحادية الأبعاد، بل تتسم بتعقيد نفسي يجعلنا نتعاطف معها رغم أخطائها. الصراعات الداخلية بين الأفراد تخلق ديناميكية مؤثرة تعكس جوانب متعددة من النفس البشرية.
الإخراج في From يتسم بالعمق والاهتمام بالتفاصيل. استخدام الزوايا الغير تقليدية والإضاءة المظلمة يعزز من شعور الغموض والتوتر. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد المخرجون على تصوير المشاعر الداخلية من خلال تعبيرات الوجه وحركات الجسم، مما يخلق تجربة بصرية قوية تعكس الصراعات النفسية للشخصيات. أما الأداء التمثيلي يبرز بوضوح التعقيد النفسي للشخصيات. يتمتع الممثلون بقدرة فائقة على إيصال المشاعر الداخلية من خلال النظرات والتعابير، مما يجعل المشاهد يتفاعل بشكل أكبر مع الأحداث. الشخصيات تجسد بصدق الصراع بين الرغبة في الهروب من الماضي والقدرة على مواجهة الحاضر.
الموسيقى التصويرية والموسيقى الخلفية للأصوات المؤثرة تلعب دورًا أساسيًا في تعزيز الأجواء النفسية. تعكس الألحان حالات القلق والخوف، مما يزيد من تأثير المشاهد. الألوان الداكنة والتصميم الفني يعكسان التوتر والضياع، مما يسهم في بناء جو درامي قوي. أما الجمالية في From تتجلى في استخدام الرمزية، كجذع الشجرة الذي يمثل الروابط مع الماضي وصراع الشخصيات. المشاهد المصورة تجسد الصراع الداخلي والخارجي بطريقة تجعل المشاهد يتأمل في معاني الوجود والذاكرة.
تتناول الشخصيات مواضيع الكوابيس، الخوف، والذكريات المؤلمة، مما يعكس جوانب عميقة من النفس البشرية. الصراع بين الفرد والمجتمع يظهر جليًا، حيث تعكس الأحداث تأثيرات الزمن على الذاكرة والعواطف. يُظهر المسلسل كيف يمكن للإنسان أن يكون عدو نفسه، مما يثير تساؤلات حول الهوية والاختيار.
يعتبر From عملاً فنيًا متكاملًا يجمع بين الدراما النفسية والتشويق، حيث تتفاعل العناصر البصرية والصوتية مع النص الدرامي لتخلق تجربة فريدة للمشاهد. يُحسن المسلسل استكشاف أعماق النفس البشرية وتحديات الذاكرة، مما يجعله محط اهتمام لكثير من المتابعين. إن التحليل الانطباعي يعكس كيف يمكن للفن أن يعكس الواقع ويستكشف الأعماق النفسية للإنسان بطرق تعبيرية مؤثرة نفسيا.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com