زوايا جمالية خاضعة لعناوين بصرية تجسد الحياة
ضحى عبدالرؤوف المل
يستخرج الفنان "محمد قباوة" (Mohamed Kabaweh) من توازنات العناصر التشكيلية رواية يومية لفكرة النقد المجتمعي أو الإنساني، ليفتح أبواب الرؤية الفنية على مصاريعها، حيث يرى كل متلقٍ الحياة بشكل مختلف، في لوحات يمدها بمنمنمات مصغرة هي بيئة ذات هواجس زمنية، تطرب لها الأماكن التي يستحضرها بدفق ضوئي يجسد الحياة بظلالها وصخبها عبر الثقافات الشعبية والتراثية. مما يخلق حوارات بين كافة رسوماته ذات القضايا الاجتماعية، ودمج لتراثيات وانطباعات تؤلف النسيج المعنوي في بناء اللوحة ومقاماتها التأملية، بتفاعلات يشد أزرها عبر مساحات معينة تمثل كل منها الداخل والخارج بخفوت وقوة، إذ تتأرجح الأشكال وفق أساليب ريشة تؤكد على أهمية التعبير والتمثيل اللوني في لوحات لا تقتصر على جذب النظر، بل تغلف المشهد الحيوي بمتخيل آخر، وبشكل ديناميكي يفتح الحدود بين الكلي والجزئي، وبين التفاصيل الدقيقة التي تحيط برسوماته، وتمثل الوجود والتراث والأزياء والفلكلور، كأنها حكايات مصورة تروي القضايا الإنسانية العالقة في الذاكرة، والتي يصعب محوها. لتدخل في اللوحة ضمن الحكايا التشكيلية وتراثياتها الإنسانية بفن هو رواية يومية بحد ذاتها.
تتضح مفاهيم الألوان في أعمال الفنان "محمد قباوة" وتحدياتها البصرية من حيث الفواتح والغوامق، ولعبة الأضداد التي يركن إليها في تكوين منمنماته البسيطة والمعقدة، والتي تتضمن ثقافات تكشف عن تفاصيل اجتماعية تربط بين الأفكار الجمالية المنسوجة بوتيرة نغمية، تؤدي إلى مؤانسة حسية تهدف إلى جذب وجداني ذي قيم إنسانية، ذات مدلول تاريخي ينطوي على معنى الحياة في مناطق شعبية زاخرة بجمال المرأة والطبيعة والمدن والقرى، حيث تتمادى الريشة بإظهار عمق المعنى. ليعطي للمساحة أبعادها ويفتحها على مشهدية ذات طبيعة غنائية تتجدد معها التعابير وقسمات الأشكال المنتقاة، كتخاريج تشكيلية هي توزيع فني متوازن يميل إلى الحنين والنغمة البصرية المجبولة بحس نابض بالجمال، وبمكنونات لونية متعددة التدرجات، وبموضوعية هي فضاءات صريحة بمشاعرها نحو الأماكن الغنّاء، والشخوص التي تكتنز الحكايا وتحولها إلى لوحات ذات امتدادات تغمرها التخيلات الفنية النضرة في ألوانها الزاهية غالبًا، مضيفًا إليها عذوبة التأثر والتأثير، وحيوية الالتفاف نحو المواضيع الأخرى التي يرسمها وفق المخيلة الشعبية. وتداعيات الحركة التي يأنس لها البصر، خاصة حركة الألوان وتداخلاتها، الخاضعة لكينونة اللون وأساسياته وصياغته ضمن نسب يمزجها بفن ذي مزاج خاص.
تنصهر الطبيعة الحياتية مع المتخيلة في لوحات قباوة التي ترفل بالتصورات الجمالية الوافرة في الكم والكثافة. وفي التعبير عن زخم الحياة العربية المنصهرة بالمحيط، ضمن استرسال الريشة بحكاياها، وديمومة الوجود الإنساني المتشكل في لوحاته وفق تقنية الحبك والتشكيل، والصياغة المدروسة في التوزيع لأحجام، وأشكال تجتذب الرائي إليها بمتعة يرتشفها حسياً. إذ تأخذ تارة المتلقي إلى الدار العربية القديمة وحديقتها الموشوشة للحواس، وتارة أخرى تنقلنا إلى الاكتظاظ المحموم بالألوان، والموحي بالمحبة والدفء العائلي وجمال الحياة المتكاتفة، والمتماسكة اجتماعيًا للولوج في عمق التقاسيم التشكيلية التي تجبرك على الاستمتاع بالمشهد حيث الأزمنة والأمكنة تتمتد مع العصر الحديث دون إشاحة البصر عن شعبية المعنى والحضور للحكاية في رمزيتها وتعبيرها، إن لونياً أو بالتفاصيل الأخرى، حتى تكاد العين أن تلتقط إشارات اللون ومعناه في تدفق الاختلاجات، واكتمال التمثيل المنطقي لتقاسيم تجتاحها الألوان. لتصفو المساحات العابقة بالمتناقضات في لوحة غنائية هي أناشيد الخطوط المختلفة المدى، وانعكاسات تتلاشى عندما ينجلي المعنى الذي تتشكل منه زوايا جمالية خاضعة لعناوين بصرية تجسد الحياة.
برؤية تحليلية يتجلى في أعمال الفنان "محمد قباوة" أسلوب يجمع بين الدفء والحيوية، حيث تمتزج الألوان الزاهية بتفاصيل دقيقة تعكس الذاكرة الجمعية للثقافات الشعبية. كل لوحة تبدو كأنها تروي حكاية، مما يخلق تأثيرًا عاطفيًا قويًا على المتلقي، يحثه على استكشاف أعماق تلك الحكايات والتفاعل معها.
تشير موضوعات الأعمال إلى القضايا الاجتماعية والإنسانية، حيث يجسد قباوة تجارب الحياة اليومية بأبعادها المتنوعة. من خلال دمج التراث مع المعاصرة، يسلط الضوء على القضايا المهمة التي تواجه المجتمع، مثل الهوية والانتماء، مما يجعل أعماله تعكس روح الزمن.
تظهر الأعمال جوانب من النفس البشرية، حيث يتجلى التأمل في الوجود والتجارب الإنسانية. تُعبر الألوان والرموز المستخدمة عن مشاعر الحب، الحزن، والحنين، مما يوفر للمتلقي فرصة للتواصل مع مشاعره الداخلية، ويساهم في عملية التفاعل النفسي.تثعتبر التقنية المستخدمة في الرسم من أبرز سمات أعمال قباوة. تتسم بالاهتمام بالتفاصيل والعمق، حيث تبرز الأشكال وتتناقض الألوان لتعكس التنوع في المشاعر. تُستخدم الريشة كأداة للتعبير، مما يمنح الأعمال بعدًا إضافيًا يساهم في جاذبيتها.
تتخطى أعمال قباوة حدود الجمال التقليدي، حيث تُعبر عن تجربة جمالية مدمجة مع الرؤى الثقافية. الأشكال، الألوان، والرموز تتناغم معًا، مما يخلق مشهدًا بصريًا يثير الإحساس ويعزز التفاعل. يعتبر هذا التداخل بين الجمال والمعنى من أبرز الخصائص الجمالية في أعماله.
من الناحية الفلسفية، تمثل الأعمال دعوة للتأمل في الوجود والهوية. يُثير قباوة أسئلة حول معنى الحياة، التواصل الإنساني، وتأثير الثقافة على الفرد. تعكس الألوان والرموز تفاعلات معقدة تُحفز الفكر وتدعو إلى التأمل في العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.
تتجلى الرؤى البصرية من خلال التنوع في الأشكال والتفاصيل، مما يتيح لكل متلقٍ تجربة فريدة. الأبعاد المكانية المستخدمة تخلق عمقًا يساهم في جذب الانتباه ويعزز التجربة الحسية. يظهر بوضوح كيف تتداخل الألوان وتتناغم لتعكس مشاعر متناقضة، مما يعزز من تأثير الأعمال ويجعلها مميزة.
في مجملها، تعتبر أعمال "محمد قباوة" تجسيدًا حيًّا للتفاعل بين الفن والثقافة والإنسانية، حيث تعكس تجارب الحياة بكل تفاصيلها وتعقيداتها. تعبر هذه الأعمال عن رؤية جمالية تعزز من قيمة التعبير الفني كوسيلة للتواصل والتفاعل مع العالم من حولنا.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85-%D8%AF-%D9%82%D8%A8%D8%A7%D9%88%D8%A9-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%A7%D8%B6%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9/