لغة الإيقاع الشعري والمعنى الحديث في ديوان "أين أمي" للشاعر مروان مخول
ضحى عبدالرؤوف المل
ترتبط لغة الإيقاع الشعري ارتباطًا وثيقًا بالمعنى الحديث لما نسميه اليوم الدراما الشعرية المنتظمة جمالياً مع البلاغة والمفهوم، وقدرتهما على تحويل الصورة الشعرية إلى عالم من كلمات في قصيدة تؤكد على سحر اللغة الشعرية في ديوان "أين أمي" للشاعر مروان مخول، الصادر عن "دار الساقي"، المتسم باعتدال القوافي ومسعاها الرمزي المهتم بالاتزان المتسع للأصوات الداخلية. "حين تتصاعد نبرة القصيدة حتى الصراخ، يكون الدافع حراكًا فيك"، مستنكرًا مخول الوطن الذي يسكنه في دولتين وداخل قصيدة غزلها لإيقاظ الضمائر، وتعمّد إضفاء رومانسية متحديًا الذات بموضوعية ضرورية، هي تجديد لروحية الإلهام الشعري في قصيدة يتذمر فيها من التكنولوجيا والحدود، والغزو البدائي: "ولا حياد على الجياد".
إذ يظهر التأثر العميق في قصيدة "إله الثورة" التي يبقيها حرة المعنى غير مقيدة بالنمط الشعري الكلاسيكي، وانعكاس اللغة الشعرية على الفكر الذي يؤدي إلى خلق دراما عصره: "كأن لا كرامة فيها، وكأنني من دورانها حي وداخ". فهل من وعي شعري في قصيدة ممزوجة بالهموم السياسية، وبرومانسية أجاد بثها استثنائية شاعرية لواقع لا مفر منه؟
يعتمد الشاعر مروان مخول على التبادل الصوتي بين الإيقاع والمعنى، ليخلق قاعدة شعرية خاصة به تسهم في توليد المعنى الموسيقي للكلمات وللاستعارات، والمقارنات المجازية الموجهة لخيال المتلقي، بنظرة حساسة لمعايير هي جوانب الحياة المخفية التي يحاول تعديلها بتحويلها إلى قصيدة ترسم عالم الواقع وأحاسيسه، المستنكرة للانتهاكات المهيمنة على تفاصيل التاريخ والماضي والحاضر. إذ يكرس القصيدة كلغة لترسيخ الانعطافات المؤدية إلى أحكام هي سلوك بشري بعيدًا عن الإنسانية، وعن كل ما يؤدي إلى التمرد والتشدق والصخب الوجودي، محاولًا فتح النوافذ المعرفية.
ليحظى بمواجهة العقلاء عبر محاكاة: "حيث الضباب يكشر عن أنياب المكان، عيناي نافذة على ثرواتنا المسروقة، على ضفتي النهر في لندن، تدغدغ أسفي على الماضي وعلى الشرق الغارق في النوم". فالتسربل الثوري في قصيدة "إله الثورة" هو في قصيدة سعدي يوسف هدوء ما قبل العاصفة، التي تدفع القارئ نحو التأمل الدرامي المتناغم في المعاني: "في الشرق، لا شيء حتى الآن سوى أن على الشين في الشرق ثلاث رصاصات قاتلات". فهو يهرب من سياق درامي إلى سياق شعري يربط بينهما قوة الحدث العالق في ذاكرة هي ماضي البشرية والإنسانية، وكل الشرور والمنغصات التي يصورها مجازًا من خلالها قصيدة "أرمندو"، بملحمية بدأها بكلمة وعلامة استفهام: "أتذكر؟" لتتآلف المعاني وفق اللغة وينابيعها التي تشكل مداده الشعري بعمق فني. فهل معالم القصيدة في ديوان "أين أمي" هي الوطن الذي يسكنه في دولتين؟ وهل يستبطن مفردته الشعرية بتأوهات خنقها بإتقان هو انعتاق لمآسي احتلال نفسي مخفي له عدة أشكال في القصيدة الواحدة؟
يختزل الشاعر مروان مخول رحلة الأموات عبر التاريخ ودروبهم المتشابهة، والمتجذرة في مآسي الأحياء الذين يتطلعون إلى الرحيل من دنيا أغلقت عليهم حدود الأوطان دون فتور، في قصيدة بدأها بـ "أتذكر؟" ليكمل: "ابكِ علينا أنت لا نحن". والأمر من وجع هو فعل مبتور. إذ تنعصر الدمعة، وتختفي كليًا حيث لا أثر للموت، بل لفراق موجع ناتج عن السعي في جهاد الحياة أو العيش المرهون بالمعيشة والهوية، مستحضرًا تفاصيل ذكريات لإنسان عاش معه طفولة، وبدلالات ذات وجوه إيحائية مختلفة في مسارها وترحالها، والتأثر العميق الذي انطبع على الجملة الشعرية: "نحوم حول المعيشة والهوية منذ ستين عامًا، شامخين لكن، في أسفل القاعدة، هذه لب الحكاية في الحادثة، وهي رب المشكلة".
فتحرير المعاني أشبه بتحرير الروح من جسد سقط وهو يكافح في سبيل لقمة عيشه، والخيوط الدرامية في تصوير حدسي نستخلص منه لبنة القصيدة وعمارتها الفنية، للغوص أكثر في لجج ديوانه المتسلح برؤى لابيات بلا منزل، وقصائد من بلاده، ومخيم النيرب، وحيفا وسيرة أسير، وغيرها من أوجاع فلسطينية هي سؤال بلا علامة استفهام في نهاية المطاف لقصيدة "أين أمي".
وميض إيمائي في معاني هذا الديوان الشعري المضمخ برواية صنّفها شعريًا، لتكون سردًا إيقاعيًّا، لا أغالي إن قلت إنه حكاية شعب على مر التاريخ حتى المستقبل، لأن كل لحظة زمنية فيه تتشابه مع الأخرى، والمصطلحات تتخذ فيه تصويرات ترهب النفس، وتتأثر بها روح القارئ الذي يلف خيوط القصائد واحدة تلو الأخرى إلى أن يصل: "بين يديك دفء لا يفسر؟ أين من وسخ الحياة يداك الآن؟ وأين من كل هذا أبي؟ أين أبي؟". فما بدأ من قصائد دون علامة استفهام انتهى بها، والأب في نهاية المطاف هو الحقيقة التي نولد منها باستقلالية تامة دون امتهان أو زنى، أو نطفة مجهولة الهوية والارتباط الأبوي في القصيدة هو ارتباط في أرض لم يدخلها، ولم يخرج منها، ولم تفتح حدودها. إذ يسعى عائدًا إلى الأسطورة والرمز، آناباز، والظروف القاهرة الأخرى.
برؤية اخرى عنوان الديوان "أين أمي" يحمل دلالات عميقة، حيث يتجاوز المعنى السطحي للبحث عن الأم إلى مسألة الهوية والانتماء. الأمل والافتقاد يمتزجان في هذا السؤال الوجودي، مما يثير مشاعر الحنين والألم. .تتميز لغة مخول بالبساطة والعمق في آن واحد. يستخدم تعابير مألوفة تحمل أبعادًا فلسفية، مما يجعل القارئ يتفاعل مع النص بشكل عاطفي. إن الصور الشعرية تنسج خيوطًا من الواقع والمعاناة، حيث تُجسد معاناة الفلسطينيين عبر استعارات قوية.
الإيقاع في قصائد مخول ليس مجرد تنسيق للكلمات، بل هو جزء أساسي من التعبير عن المشاعر. تعتمد القصائد على توازن قوافي مستدام، حيث يتجلى التوتر بين الإيقاع الثابت والمواضيع المتغيرة، مما يخلق حالة من الدرامية المشوقة. تدور التيمات في الديوان حول الهوية، الفقد، والانتماء. يتناول مخول موضوعات وطنية وإنسانية بأسلوب يعكس الصراع الداخلي للفرد بين الرغبة في الانتماء والبحث عن الذات. تبرز هذه التيمات من خلال تصوير مشاهد يومية تتسم بالعمق والتعقيد.
تتطرق قصائد مروان مخول إلى أسئلة فلسفية تتعلق بالوجود والعدم، المعنى واللا معنى. يستخدم اللغة لتحدي القارئ حول مفاهيم الحياة والموت، الهوية والتاريخ، مما يخلق تجربة تأملية تُغني النص. تتسم قصائد الديوان ببناء درامي واضح. تبدأ معظمها بمشاعر حزن أو قلق، ثم تتصاعد الأحداث نحو ذروة تعبيرية، ليعود النص إلى نقطة البداية مع شعور بالتحرر أو الاستنارة. هذه الديناميكية تجعل القارئ يشعر بالتوتر والانفراج معًا.
تجتمع الجمالية التعبيرية في قدرة مخول على تحويل المعاناة إلى جمال، حيث تبرز مشاعر الألم في صور شعرية بليغة. تعكس التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية عمق المعاناة الإنسانية، مما يجعل القارئ يتفاعل مع التجربة بشكل حميمي. غذ يمثل ديوان "أين أمي" تجربة شعرية غنية ومعقدة، تجمع بين الأصالة والتجديد. يسعى مروان مخول من خلال لغته الإبداعية إلى تجاوز حدود الذات، ليتحدث عن قضايا جماعية تمس الوجود الإنساني بأسره. إن هذا الديوان هو دعوة للتأمل في قضايا الهوية والانتماء، ويعكس بعمق التحديات التي تواجه الشعوب في سعيها نحو الحرية والكرامة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com