الركائز الفكرية الأساسية للعمل في كتاب "نار وغضب" للصحافي مايكل وولف

ضحى عبد الرؤوف المل

يروي "مايكل وولف" في كتابه "نار وغضب"، الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، عن عشوائيات السياسة وغرابتها منذ وصول "دونالد ترامب" إلى سدة الرئاسة، واصفًا هذه المرحلة ب"قلب عاصفة سياسية هي الأكبر"، محاولًا أن يروي القصة بأسلوب معاصر قدر الإمكان، وبموضوعية اعتمد من خلالها على أحاديث وحوارات جرت على مدى ثمانية عشر شهراً "كمراقب يسجل مشاهداته دون أي تدخل منه". ويقول عن ذلك: "هكذا أصبحت متطفلاً أكثر مني ضيفًا مدعوًا." منوهًا بشخصيات مختلفة حول الرئيس ترامب، منها شخصية بولتون التي تتطلب وقتًا كي يتعودها المرء.

فالأشهر العاصفة من ولاية ترامب تقلبت، وفجّرت الكثير من التفاصيل المثيرة، لتساؤلات ناتجة عن شخصية ترامب الذي "يعتمد على حسه الغريزي وحدسه". فهو يرى أنه "كلما كثر عدد الأشخاص الذين تتعامل معهم، أصبح من الصعب أكثر أن تدير الدفة، وتعود إدراجك إلى البيت لتنام في سريرك ليلاً". لذا، فهو "اعتمد على مجموعة أصدقائه المقربين الذين يتمتعون بخبرة سياسية فعلية". فالقارئ لهذا الكتاب تصيبه الدهشة عند كل جملة للوصول غير العادي لترامب الذي يعتبر نفسه "أكثر قوة ممن هم داخل النظام، وأكثر ثراء، وأشهر" الآتي من عالم العقارات. ورغم القناعات بهزيمته في الانتخابات، إلا أنه تخطى التوقعات واستطاع "فرض نفسه على نسيج المجتمع والزمن"، محاولًا توليف نفسه والاستعداد لتولي مهامه، وتغيير الكثير من الأشياء رغم تفكيره الاستراتيجي. فما هي خلفية حرب الإرادات القاتلة مع وسائل الإعلام؟

تتناول "مايكل وولف" القوة والتبصر والرؤية الاقتصادية، ولفت الانتباه الدائم بعيدًا عن الهيكل التنظيمي الذي أفرد له "مايكل وولف" الفصل الثامن من الكتاب، ووضع السياسات من الأسفل إلى الأعلى. إذ "كانت قدرته على التركيز محدودة جدًا، حتى حين كان يظن أن الشخص الواقف أمامه جدير بالاهتمام". فالحدس العميق الناتج عن الخبرة القوية في العلاقات التي نسجها، مستندًا على عقيدة فكرية ترامبوية، وعلى الخطاب في مؤتمر العمل السياسي المحافظ، قد أظهره أكثر سحراً ولطفًا. فهل كان في المسار الأصح فعلًا بما يخص إسرائيل؟ وهل هي حقيقة كما لاحظ هنري كيسنجر "أنها حرب بين اليهود والاغيار في بيت ترامب الأبيض؟"

ربما في التغاضي عن الاحتراف السياسي نظرة غير شمولية. إذ لا يكفي الحظ لنجاح شخص ما في رئاسة جمهورية، فلا بد من الزر الساخن المحرك الذي أشار إليه "مايكل وولف" في كتابه، مع التشديد على أن ظاهرة ترامب تتمحور حول الإعلام اليميني، إضافة إلى النرجسية القوية التي يتصف بها، تجسيدًا لمصطلح عبادة الشخصية، وهيمنته على من حوله دون أن يعارض أنه كان يفكر بطريقة عاطفية لا استراتيجية. وما بين كومي وعودة بانون، تظهر العلاقات السعودية الأمريكية على عجالة في الكتاب، مع التركيز على عدة شخصيات ذات أهمية كبرى في حياة ترامب، من الجنرال كيلي إلى ليفاندوفسكي، فكومي وبانون، مستشهدًا بالكثير من التفاصيل الإعلامية لحياة هؤلاء، إضافة إلى حياة ابنته وزوجته وصهره. فهل كل ذلك يؤدي إلى الناتج الذي جعل مايكل وولف يقول: "إننا نعيش في عالم مقلوب رأسا على عقب؟"

الكتاب يناقش روحية البيت الأبيض ومحتواه، والقرارات المرتبطة فيه بوجود ترامب داخله، مع محاولات إعلامية لفك لغز شخصية بانون. وفي الحقيقة، الكتاب يتناول سلوكيات ترامب وشخصيته الأساسية داخل البيت الأبيض، والركائز التي اعتمد عليها في التحليل القائم على فترة بدأت من يوم الانتخابات إلى غرفة الأزمات بكل مصطلحاتها. فالإعلام ومقولة "كلما زاد حب أنصارك زاد كره مناهضيك"؛ فرغم كل الصفات السلبية التي لصقت بترامب تبعًا لتحليلات سلوكية أكثر منها نفسية، لم تجعل من التراجع عن البيت الأبيض طريقًا أو تراجعًا! بل كل أمر سلبي كان يتحول إلى إيجابيات جعلته يكمل طريقه بثقة قوية بالنفس. فهل فعلاً ما كان يؤذيه ويقلقه هو عجزه عن التآلف مع رئاسة الكونغرس؟ أم أن مايكل وولف جمع مادته إعلاميًا لتكون حكاية "نار وغضب" البيت الأبيض في عهد ترامب، هي نار وغضب من حوله، لأنه في نظر بانون كان فصلاً أو منعطفًا في الثورة الترامبوية؟

برؤية اخرى بعد ان قراته مرة ثالثة في كتابه "نار وغضب"، يقدم الصحافي مايكل وولف لمحة عميقة ومثيرة حول عالم السياسة الأمريكية في ظل رئاسة دونالد ترامب. هذا الكتاب، الذي يعتمد على مجموعة من اللقاءات والحكايات التي تمس جوهر الشخصية الترامبية، يكشف عن عشوائية غير مسبوقة في إدارة السياسة، ويرسم صورة مثيرة للتحديات والصراعات الداخلية التي شهدها البيت الأبيض.

وولف، كراعٍ للحدث السياسي، يتبنى أسلوب السرد الذي يضع القارئ في قلب الأحداث، مما يجعل القصة تبدو حية وواقعية. من خلال استخدامه لتفاصيل شخصية وحوارات مباشرة، ينجح في نقل الانطباع بأن ما يحدث داخل البيت الأبيض هو بمثابة مسرحية درامية تتداخل فيها المصالح الشخصية والسياسية. هذه الطريقة تساهم في جعل القارئ يشعر وكأنه يشاهد عرضًا حيًا لأحداث محورية، مما يضفي على الكتاب طابعًا مميزًا يجعله بعيدًا عن التحليلات التقليدية.

يستهدف وولف من خلال عمله هذا تقديم صورة شاملة عن إدارة ترامب، مسلطًا الضوء على تصرفاته وقراراته التي شكلت معالم سياسته. وفي سياق ذلك، يظهر التوترات بين ترامب ومستشاريه، مما يعكس الصراعات السياسية الداخلية التي قد تكون أكثر تعقيدًا مما يبدو. وولف يدرك أن القصة ليست مجرد قصة فرد، بل هي قصة نظام سياسي بأسره يتعرض للتحديات، مما يستدعي تسليط الضوء على دوافع ترامب، والتي تعكس في كثير من الأحيان نرجسيته وحاجته للسيطرة.

رغم أن الكتاب يعكس انطباعات شخصية ورؤية فريدة، إلا أن وولف يسعى للحفاظ على موضوعية معينة، إذ يقدم آراء متعددة لشخصيات مختلفة حول ترامب. هذا التوازن يمكن أن يُعتبر سلاحًا ذو حدين، حيث يُظهر تعقيد السياسة الأمريكية، لكنه أيضًا يعكس التحديات التي تواجهها وسائل الإعلام في تقديم روايات دقيقة في زمن الفوضى الإعلامية.

يتمثل أحد أبرز أهداف وولف في توضيح كيف يمكن أن تؤثر النرجسية والغرور على اتخاذ القرارات السياسية. ترامب، كما يراه وولف، هو زعيم يتصرف بدافع من العواطف أكثر من كونه قائدًا استراتيجيًا. هنا، تكمن قوة الكتاب في أنه لا يكتفي بتقديم الحقائق، بل يعرض الدوافع النفسية والتوجهات التي تقف خلف الأحداث، مما يوفر للقارئ فهمًا أعمق للأبعاد الإنسانية للصراع السياسي.

"نار وغضب" ليس مجرد سرد للأحداث السياسية، بل هو تحليل عميق للأفكار والشخصيات التي تشكل السياسة الأمريكية في عصر ترامب. من خلال توظيف أسلوب سردي معاصر ومثير، ينجح وولف في رسم صورة مركبة للسياسة الأمريكية، حيث تتداخل الأهداف الشخصية مع المصالح العامة. في نهاية المطاف، يُظهر الكتاب كيف يمكن للأفراد أن يؤثروا على مجريات الأمور، مما يثير تساؤلات حول طبيعة السلطة وكيفية إدارتها في عالم مليء بالتحديات. بإيجاز، يقدم وولف رؤية تحليلية قيمة تُبرز التعقيدات المرتبطة بالسياسة، مما يجعل من "نار وغضب" كتابًا ضروريًا لفهم التحولات الحالية والمستقبلية في النظام السياسي الأمريكي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%A6%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%BA%D8%B6%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7%D9%8A%D9%83%D9%84-%D9%88%D9%88%D9%84%D9%81