السرد التشويقي في رواية "الصبية والليل" لغيوم ميسو
ضحى عبدالرؤوف المل
يعزز الروائي الفرنسي غيوم ميسو السرد التشويقي في رواية "الصبية والليل" الصادرة بالعربية عن دار نوفل هاشيت أنطوان، من خلال الفروقات الزمنية الغنية بالمرفوض والمقبول. فما يرفضه الماضي يقبله المستقبل، وما يشكل الدافع الأساسي لجريمة ما قد يصبح نوعًا من العادات الاجتماعية المقبولة فيما بعد.
فسخرية الزمن في رواية "الصبية والليل" تشكل أزمةً عند مجموعة من الأصدقاء تربطهم قصة حب غريبة نشأت بين أم توماس وفرنسيس في الماضي، أيضًا قبل ولادة توماس الكاتب في الرواية، حيث نشأ في مدرسة تعج بتلاميذ، لكل منهم أهدافه الحياتية. وغموض نشأته جعل من كل فرد منهم يغوص في ميوله الخاصة. وما بين المراهقة والنضوج، تظهر رؤية واضحة للمقبول والمرفوض، مع فهم عميق لسلوكيات الأهل الغامضة والعصيّة على فهم المراهق.
وبهذا، يجمع غيوم ميسو بين السرد التشويقي والتحكم باستفزاز القارئ، فيجعل منه القاضي والجلاد، ومن ثم يخرج من الرواية بمغزى مختلف؛ فليس كل ما يحدث هو صحيح، أو كل ما نراه هو الحقيقة. فالحياة حرب متواصلة، "والأقوياء والضعفاء ليسوا دوما كما نظنهم"، وأن كثيرين يخوضون بصمت وبسالة صراعاتهم الشخصية الأليمة. وما تضحية الأم إلا غريزة إنسانية شرسة للحفاظ على الأبناء والدفاع عنهم بكل الأساليب عند الحاجة لذلك.
تتناول الرواية المثلية الجنسية والأمراض النفسية المختبئة تحت ظلال موانع اجتماعية تفرض على أصحاب هذه الميول ستارات واهية، تشكل نوعًا من الدوافع الأساسية لهم. ولهذا، وقعت الجريمة المخفية التي لم تتضح أسبابها الحقيقية إلا بعد أن اتضحت الحقائق نوعًا ما. فقد فرضت العلاقة المثلية غير المرئية مع فينكا واستاذتها علاقة أخرى لإنجاب الولد، مما فرض قوة دفاعية عند أنابيل لتصد هجمات غير واعية عن عائلتها. لتنكشف الغوامض كلها، ويصدمنا غيوم ميسو بالحقائق غير الكاملة أيضًا. لنشعر أن الكاتب ما هو إلا الواقع الحقيقي على الأرض، والمتخيل في الرواية، وأنما اللعب بالأحداث هو ناتج عن تفاعلات الأجيال وفروقاتها والحب ومعانيه؛ ذلك الحب الذي دفعه لارتكاب جريمة ظاهرة، بينما استطاعت أمه إخفاء العلاقة المزدوجة بإحكام. "ذلك الحب الصافي، النقي بتركيبته، قد اختبرته أمي وفرنسيس، فيما اكتفيت أنا بأن أحلم فيه أو أتخيله على مر صفحات الكتب."
فهل من نصر في الحياة يدوم؟ وهل ينفي بطريقة أو بأخرى بعض أقوال الأدباء التي استشهد بها بإقناع سلس من خلال الأحداث المتشابكة؟ أم إن فأس الأحقاد يصيب صاحبه قبل الآخرين؟
تضحية كبيرة من أم وأب ارتضى كل منهما إخفاء قصة حب شبه خرافية بينهما، نتج عنها توماس الكاتب الذي أخفى جريمته عن أمٍ أخفتها بدورها كما يجب. لتتشابك خيوط السرد، وتنكشف الأسرار رويدًا رويدًا مع التفاصيل عن منطقة وصفها بلغة أدبية تصويرية ذات انطباعات جمالية لمدينة ولد فيها الكاتب نفسه، فشبعها بالجمال حتى ليلة العاصفة الثلجية التي حدثت فيها الجريمة. وما بين الحرم الجامعي، نيس، كوت دازور، آنتيب، مسقط رأسه، والريفيرا الفرنسية، سر ثلاثي بين فاني وتوماس ومكسيم كما بدا. إلا أنه في الحقيقة اشترك فيه فرنسيس وأنابيل وأحمد، ليحمل وزره ريتشارد، وهو الذي حاولت فينكا ابتزازه بتحريض من استاذتها. وبهذا اشتدت الحبكة والأزمة معها.
بعيدًا عن الجريمة الحقيقية، هناك عدة جرائم اجتماعية أخرى، والزمن كفيل أن يكشف الحقائق بنسبة معينة؛ إذ ما من حقيقة كاملة حتى في الروايات التي يكتبها توماس. وفي الحقيقة كتبتها أنابيل، الشخصية التي لم يكشف عن أفعالها حتى النهاية، وهي الأم المستعدة للتضحية بكل شيء من أجل ابنها، وإيمانها أن الحب كل شيء أو لا شيء.
استطاع غيوم ميسو بلوغ الذروة في البناء الروائي، وبتقنية استفزازية عالج من خلالها مشاكل الطلاب في الثانويات، وسن المراهقة، والحب بين طلاب المدارس ومخاطره، والحقيقة التي لا نراها، والأقوى جدًا مما نراه، دون أن يسقط قناع الكليشيهات الدقيقة من منظور اجتماعي ومن منظور الانحرافات النفسية في المدارس والجامعات ومخاطرها.
فما قام به توماس تخطاه ريتشارد الكهل، وبهذا وضعنا في دوامة "الصبية والليل"، ذلك الليل الذي اختفت فيه صبية وظهرت فيه قصة حب هي الأقوى، وتمثل كل شيء أو لا شيء في الحب. فهل الزمن يحجب ما نرفضه ليلفظه فيما بعد، ويضعه بين هلالين من الإشكاليات وضمن المقبول؟
https://aliwaa.com.lb/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d9%88%d9%8a%d9%82%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a8%d9%8a-%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d9%84-%d9%84-%d8%ba%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d9%8a%d8%b3%d9%88/
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com