حوار خاص مع الممثل الكوميدي "أنطوان بالابان" اعتبر كل مرة أدخل بها إلى الصف وجودًا مسرحيًا، والنص هو درس مفروض شرحه.

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

يكشف الفنان "أنطوان بالابان" عن حس تمثيلي هادئ يندرج تحت الشكل التقني الدرامي، الذي يحافظ فيه على توازن خاص به، وهذا ما يجعله ضمن اهتمام خاص عند المشاهد الذي لا يبذل جهدًا في معرفة إطلالته ومعناها. إن استبدال الأدوار للكاريزما الخاصة به التي تبعث على الارتياح والغرابة في آنٍ معًا لا يعني كونه اختصاصيًا في الهندسة والعمارة أنه لا يجيد المعرفة الثقافية الدرامية التي تتكون منها تعبيراته في مختلف الأدوار التي قام بها مثل "تنورة ما كسي" أو "غنوجة بيا" أو "شجرة البلوط". إن خبرته المسرحية وليدة استكشاف فني متوازن مع حس الإثارة الفنية الذي يمتلكه، بالإضافة إلى ذلك يمتلك القدرة على تحقيق الوجود الجميل والمحبب عبر التلفزيون أو المسرح أو السينما. ومع الفنان "أنطوان بالابان"، أجرينا هذا الحوار.

- المسرح والجامعة والبداية: متى وكيف؟

بدأت التمثيل المسرحي في عمر مبكر، أي قبل دخولي إلى الجامعة. الفترة آنذاك فرضت وجودي على المسرح الذي كنت أعشقه، وكانت ظروف وجودي على المسرح تسمح لي بالخروج من الحياء الذي كنت أتصف به. فوجدت أن الخبرة المسرحية تجعلني أخرج من حيائي. التحقت بالجامعة لدراسة الهندسة المعمارية مع احتفاظي بالعمل المسرحي، لأنني وجدت أنه مفيد لي بعد أن التقيت بالكثير من الفنانين.

- شهادة هندسة معمارية وممثل مسرحي: كيف توازن بينهما؟

مارست المسرح مع الكثير من المسرحيين وكنت مسرورًا جدًا، كما أنني أنهيت دراستي وحصلت على شهادة الهندسة المعمارية. لكن لم أستسغها كالمسرح لأسباب كثيرة. لكن التحقت بالجامعة وبدأت بالتدريس فيها، واكتشفت المسرح على أرض الواقع بعد أن امتلكت ثقافة مسرحية لا بأس بها بالتوازي مع تدريسي في الجامعة. جعلتني حشرية المعرفة قارئًا نهمًا، وبنفس الوقت استطعت أن أوازن بين الاثنين: المسرح والجامعة.

- ما الذي أضافه المسرح على طوني بالابان؟

المسرح خدمني للجامعة والجامعة خدمتني للمسرح بمعنى أن المسرح علمني الخروج من حيائي والتعبير عن حالي دون خجل، كما علمني السيطرة على صوتي وتنفسّي وحسن الحضور. وهذا استخدمته في التعليم، وأعتبر نفسي ناجحًا. فالمسرح له الجزء الكبير في نجاحي كأستاذ، لأني أعتبر كل مرة أدخل فيها إلى الصف وجودًا مسرحيًا، والنص هو درس مفروض شرحه. لكن المسرح ليس نصًا فقط، بل بالممثل وحضوره وطريقته في الأداء التي تجذب المشاهد مثل النص، والحمد لله، أمتلك الحضور والتلاميذ يستمتعون، وأنا أحب المواد التي أدرسها. أحببت أن تكون حياتي مقسمة بين كل هذه النشاطات دون أن يكون لي مكتب هندسي، لأني مسرور جدًا بعملي في الجامعة لأنه مفيد لي ولغيري.

- الهندسة فن والمسرح فن، والتقارب بينهما ليس بالمستحيل، صحيح؟

قانوني في الحياة هو أن الإنسان واحد، أو بالأحرى وحدة. وهذه الوحدة يجب ألا تكون من تناقض في كل نشاطاتها. بمعنى أنه لا يمكن القول: فوجئت بك. أنا هو أنا، إن كنت في فن العمارة أو فن المسرح أو فن التعليم. أنا شخص واحد، إمكانياتي نفسها التي أضعها في هذه الأعمال المختلفة. الإمكانيات هي ذاتها، طبعًا، أحاول تنميتها لكل شيء: للتعليم، أو للمسرح، أو لكل الأعمال التي أقوم بها، ولذة العمل لا تنتهي. ولا يمكن القول إنني وصلت وانتهيت، لأني أعتبر أن كل عمل يتعلم منه الإنسان الكثير، وهو مثل أي عمل فني. كالخياطة والتطريز، بدايةً يتعلم كيفية الإمساك بالإبرة وإدخال الخيط، ومع الممارسة بعد أكثر من عشرين سنة، يصبح عنده لذة القطبة المخفية التي لا يراها أحد، بينما لذته هي الوصول للمثالية في الأداء الذي برع به. وأنا غير محدود، والأهم هي محبة الناس لشخص مثلي، والتي استغربتها حقيقة. هي اكتشاف ومفاجأة لي، لذلك أحسست بالاطمئنان. وبالنهاية، المشاهد يبحث عن الصدق، لهذا أحبوني كما أنا.

- إلى أين وصل طوني بالابان مسرحياً، هل يمكن تقييم ذلك؟

من ناحية المسرح، أعتبر أن الذي قمت به بالتلفزيون والسينما والمسرح هو مهم جدًا، لكن هذه معايير شخصية وليست عامة، أي ليست لأنني أنا المهم. لكن المسرح في حياتي له مساحة كبيرة ومحل مهم، لهذا انطلقت نحوه بكل قوة وجدية وبكل أحاسيس، ولم أبخل عليه لأني أحببته، فأعطيته كل إمكانياتي، سكبتها في المسرح. أما إلى أين وصلت، نحن من المهمين ومن غير المهمين في نفس الوقت، لأن الآراء تختلف بين من يعتبر أن طوني بالابان مهم، أو طوني بالابان غير مهم، وهذا نابع من الأذواق والقدرة على محاكاتها.

- أساس المسرح الأوروبي بعد الثورة الفرنسية هو مسرح موليير وفولتير. هل يمكن أن نراك في هذه المسرحيات، ونحن نحتاج لذلك، خاصة أنك تمتلك أدوات تقديم المسرح؟

بالنسبة للغة الفرنسية، ربما سؤالك سببه أنني فرنكفوني جدًا، أتكلم اللغة الفرنسية أفضل بكثير من العربية. أفكر جدًا، مثلاً، بالإجابات على الحوار، لكن لو كانت باللغة الفرنسية، كانت انسابت الإجابات بسرعة وتلقائية. اللغة الفرنسية أقرأ فيها وأستعمل لغتها جدًا، لأنفتَح نحو العالم، عكس اللغة الإنجليزية. لكن كوسيلة، لغة فقط، وأنا لبناني مئة بالمئة. أهتم بالالتحام مع الناس لنصل إلى التواصل مع المشاهدين كلبنانيين، وهذا ليس انزياحًا، لأننا على انفتاح نحو الدنيا كلها. مثلاً، في السبعينات كان يوجد المسرح الفرنسي في لبنان، وكانت أغلب المسارح بالفرنسية، لكن هناك بعض الأشخاص مثل روجيه عساف وعدة آخرين قالوا: لا نريد مسرحًا فرنسيًا. أنا كنت معهم في هذا التوجه، وحاربت المسرح الفرنسي، وقلت: ليس من المفروض القيام بالمسرح الفرنسي في لبنان ليحضره الكثير من الأشخاص. من المفروض القيام بمسرح لكل لبنان ويكون باللغة اللبنانية. إنما أن نستفيد من ثقافتنا الفرنسية أو الإنجليزية أو غير ذلك، هذا شيء طبيعي، ولكن الأداء يجب أن يكون باللغة اللبنانية.

- أهم أعمال لك أحببتها وتحب أن تراها دائمًا؟

جوابي الكلاسيكي هو: لا يجب أن يميز الفنان بين أعماله. بالأغلب، يعتمد الجميع تشبيه الأعمال بأولادهم. فهل يمكن الاختيار من أولادنا؟ الوالدة كانت تقول: المريض ليشفى، والمسافر ليحضر، والصغير ليكبر، وهي درس في الحياة، وفي الأعمال الفنية هي ذاتها. أحيانًا، بعض الأعمال تُحببك في العمل الفني أو صعوبتها تُحببك فيها مرات أخرى، محبة الناس للعمل تُحببك فيه. فلا أستطيع الاختيار، لأن كل عمل قمت به أحبّه، لأنه فتح أمامي الكثير من النوافذ الجديدة، والخبرة هي تفتيح شبابيك فقط.

إلى أي مدى تحاول محاكاة مشاكلنا وهمومنا عبر الدراما؟

الممثل يُعطى النص وهو لا يكتبه، لكن ألا يضيف الممثل على المسرحية؟ هنا يوجد أكثر من مستوى. أولاً، مستوى النص: المعنى الذي يعالج مشاكل لبنانية أو مصرية أو سورية أو عالمية، وتعبيره إما ديني أو اجتماعي أو غير ذلك. والمستوى الآخر لا يظهر للناس، مثلاً. إذا أحضرنا النص ومعه ممثلون من خلفية ثقافية وحضارية مختلفة، ويتم أداء النص ذاته، نجد النتيجة ليست ذاتها. لأني أعتبر أن أداء الممثل بحد ذاته نص، لأن طريقة الأداء للنص هي كتابة بعواطفه وتعابيره، ويخبر قصة موازية للنص. وهذا النص غير المسموع يهم الناس أكثر من النص المكتوب من خلال أداء الممثل. المشاهد يتابع الحركة والإيماء وفسيولوجية الشخصية وأداء الممثل لها، وهذا ما يتعلق به المشاهد.

قلت لي إنك تحب القراءة وتكتب، ماذا تنتظر لكتابة نص مسرحي أو كوميدي أو تلفزيوني بشكل عام؟

تقسيم نشاطاتي يجعلني أجد بعض الوقت لأرتاح، لكن أكتب عبر الفيسبوك، وكثير من الناس تتابعني. أكتب نوعًا من النقد الاجتماعي المهضوم نوعًا ما، والمضحك، وأكتبه بالعربي والفرنسي والإنجليزي، وأدمج اللغات ببعضها على طريقتي. بعضهم يجد ما أكتبه مفيدًا ولذيذًا، ولا أملك الوقت الكافي لكتابة غيره، ولا أعتبر أنني أمتلك الخبرة ولا المعرفة لكتابة نص مسرحي أو عمل تلفزيوني أبداً، وأنا كقارئ، عندي الخبرة، لأني أقرأ جدًا، وبعض النصوص على التلفزيون لا تعجبني. لكن إن لم تعجبني كمشاهد أو كناقد، لا يعني أنني أستطيع الكتابة أفضل منها، لأن هذه مهنة بحد ذاتها.

برؤية تحليلية أنطوان بالابان يمثل شخصية تجمع بين الفنان والمثقف، مما يخلق توازنًا دراميًا. فهو يعبّر عن تجاربه الشخصية بشكل فكاهي، مما يسهل على الجمهور التواصل معه هناك مفارقات في حديثه، حيث يربط بين المسرح والهندسة، وهو ما يعكس الصراع الداخلي بين شغفه واحتياجاته الأكاديمية. هذه المفارقات تُضفي لمسة فكاهية على الحوار.

يتحدث بالابان عن كيفية تخطيه للحياء بفضل المسرح. هذا يُظهر رحلة نفسية عميقة، حيث يمثل المسرح وسيلة لتحرير الذات والتعبير عن المشاعر المكبوتة.هناك شعور بالانتماء القوي للمسرح والثقافة اللبنانية، وهو يعبر عن إحساسه بالمسؤولية تجاه تقديم الفن للجمهور بشكل محلي. هذا يمثل بحثًا عن الهوية الشخصية والمهنية.

استخدامه للغة بشكل متقن يعكس جماليات الفن المسرحي. أسلوبه السلس في التعبير عن الأفكار والآراء يُظهر قدرته على جذب الجمهور ويعزز من تأثيره.يتحدث عن "الأعمال كالأبناء" مما يُظهر جمال الفنون كإبداعات تنمو وتتطور، وهو أسلوب يُدخل البعد الإنساني في الحوار.

يُظهر تقديره لذاته كفنان وكأستاذ، مما يعكس شعورًا بالإنجاز والثقة. هذا الأمر يدعم المعنى النفسي، حيث يجد توازنًا بين شغفه وعمله.: يُظهر حسًا فكاهيًا من خلال سخرية خفيفة من نفسه كفنان، مما يبرز إنسانيته وقدرته على التعاطي مع التحديات.

الحوار مع أنطوان بالابان هو دراسة غنية في النفس البشرية من خلال عدسة الفن. هو يجمع بين التجارب الشخصية والاحترافية، مما يُظهر عمق العلاقات الإنسانية والتفاعلات الثقافية. من خلال استخدامه للغة الفنية والمفاهيم الدرامية، يُعبر عن رحلة شخصية تسلط الضوء على الهوية، الشغف، والتحديات، مما يجعل حديثه مثالاً حيًا على جمال الفن وقدرته على التأثير النفسي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com