عبد العزيز الصقعبي للواء: "هنالك حركة روائية متميزة في السعودية، ويكفي حصول ثلاثة من كتّاب الرواية على جائزة البوكر بنسختها العربية."
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
كتب الروائي عبد العزيز الصقعبي عدة مسرحيات، ونُفذ له مجموعة منها، وصدرت له قبل سنوات الأعمال المسرحية عن وزارة الثقافة والإعلام، تشتمل على عدد من مسرحيات المونودراما (الممثل الواحد) وعدة مسرحيات بشخوص مختلفة. كما صدر له ثلاث مسرحيات تحت عنوان "القرية تخلع عباءتها"، وهذا الكتاب حصل على جائزة معرض الرياض الدولي للكتاب. ولديه مجموعة من المسرحيات لم تُنفذ ولم تُطبع. توجهه الكتابي يدور حول السرد، فهو يكتب القصة والرواية والمسرحية، إضافة إلى المقال، ومحاولات سابقة في كتابة السيناريو. وعن روايته "غفوة ذات ظهيرة" التي صدرت عن دار الساقي، أجرينا هذا الحوار.
- صدرت لك مؤخراً عن دار الساقي رواية "غفوة ذات ظهيرة". ما الجديد والمختلف في هذه الرواية؟
قبل كل شيء، هذه الرواية تحكي سيرة رجل من طفولته إلى زمننا هذا، وبالطبع هذه ليست سيرتي الشخصية، بل متخيلة، وإن كان بها كثير من الواقع. فعلى مدى أكثر من نصف قرن، عاش ذلك الرجل حياة غريبة ومؤلمة، عاش باحثاً عن الانتماء والوجود، والصراع مع الآخر، وبالذات من يرفضه. هل يستطيع أن يعيش الإنسان مسالماً ويحافظ على مبادئه؟ هل يقدر أن يكون قوياً يصمد أمام جميع الإغراءات والتهديدات؟ أسئلة حاولت أن أطرح بعض الإجابات عليها في هذه الرواية. أعتقد أن رواية "غفوة ذات ظهيرة" مختلفة ومهمة لمن يريد أن يكتسب مزيداً من المعلومات عن الإنسان في المملكة العربية السعودية وتأثره بالمتغيرات الدينية والاقتصادية والسياسية. أنا هنا لا أقدم دعاية لعملي، ولكن أقولها بثقة، هذه الرواية خلاصة معايشة لمتغيرات كثيرة وقراءات متعددة عن تأثير هذه المتغيرات، ومحاولة لتقديمها بقالب روائي مشوق، آمل أن أكون قد وفقت بذلك.
- تؤرخ عبر رواياتك للمشهد الحياتي السعودي عبر أزمنة مختلفة. هل تقصد ذلك؟
الروائي بكل تأكيد شاهد على عصره، وكل ما يقدمه غالباً هو نتيجة تجربة حياتية، وبكل تأكيد قرائية. بدأت بكتابة القصة القصيرة وأصدرت عدة مجموعات قصصية قبل أن أخوض التجربة الروائية. وفي تلك القصص كنت أستلهم مشاهد متنوعة من الحياة والمجتمع المحيط بي. وحين شرعت في كتابة الرواية، وتحديداً روايتي الأولى "رائحة الفحم" التي صدرت عام 1988م بطبعتها الأولى، لم يكن المكان واضحاً والزمان محدداً، ولكن كانت روح الحكاية وأحداثها توحي بانتماء شخصياتها للمنطقة العربية بصورة شاملة. الأمر تغير بدءاً من رواية "حالة كذب" وانتهاء بالرواية الصادرة أخيراً عن دار الساقي "غفوة ذات ظهيرة". هنالك أحداث كثيرة مرت بها المملكة العربية السعودية والعالم، كان لها صدى على المجتمع في المملكة، وكانت هنالك فرصة للروائي ليكتب عن شخصيات أثرت فيها تلك الأحداث ومرت بكثير من التجارب. أصبحت شخصيات الرواية كائنات حية، وليست هلامية، ومعايشة تلك الشخصيات للأحداث رصد للمشهد الحياتي السعودي.
- تحمل في ثنايا الفكر الروائي توجيهاً اجتماعياً وتوجيه الذهن نحو عادات عربية. ما رأيك؟
كتابة الرواية أعمق وأسمى من التوجيه الاجتماعي ورصد العادات العربية. الرواية عمل إبداعي يعتمد على عدة مقومات، أهمها القدرة الإبداعية لدى الكاتب التي تأتي مع ممارسة الكتابة والقراءة المكثفة، إضافة إلى التجربة الحياتية. ومن المؤكد أن صدى هذه التجربة ينعكس على النص الإبداعي. هنالك فكر، وهنالك جهد بحثي واستقرائي، وبالطبع الوطن العربي زاخر بالأحداث والحكايات التي ينهل منها المبدع ليقدم عملاً مختلفاً ومميزاً. إذاً، فالفكر الروائي ليس للتوجيه بل لبث وعي وتقديم رؤية.
- عبد العزيز الصقعبي، هل نستطيع فصل الأدب عن الفن؟ وهل الرواية السعودية يتم تحديثها لتبتعد عن الصحراء والبادية؟
لا أعتقد مطلقاً أنه يمكن فصل الفن بشموليته عن الأدب بخصوصيته. لا أدب بدون فن، والكتابة فن، والإبداع فن. وحقيقة أزعجني سؤال "هل الرواية السعودية يتم تحديثها لتبتعد عن الصحراء والبادية؟" نحن هنا في المملكة العربية السعودية نعاني من طغيان الصورة النمطية التي تربطنا بالبادية والصحراء. السعودية بلد متحضر، ومدنه كثيرة ومتنوعة، والإبداع الروائي لم ينطلق من الصحراء بل من المدن حيث صدرت أول رواية عام 1930م بعنوان "التوأمان" لعبد القدوس الأنصاري في الحجاز. وعلى مدى قرابة التسعين عاماً، صدرت مئات الروايات، لا يتجاوز عدد الروايات التي ارتبطت بالصحراء والبادية أصابع اليدين. إذاً، الرواية في السعودية لم تكن قريبة لتبتعد. أنا أتمس العذر لكل من يتوقع أن الإبداع في السعودية مرتبط بالصحراء، وبالطبع هذا ليس عيباً، ولكن حين يرتبط مفهوم البداوة بمعنى عكس الحضارة، فهذا هو المزعج. وإلا، فالبيئة البدوية جميلة، وبكل تأكيد هي مكان خصب لكثير من القصص. إضافة إلى أن التاريخ الشفوي الذي يرتبط بالشعر العامي، أو كما نسميه في السعودية والخليج عموماً "النبطي"، حاضر ومتداول في الأوساط الشعبية والعامية. هذا التاريخ يشتمل على الكثير من القصص والحكايات المذهلة، ولكن تبقى أدباً شعبياً وليست روايات حديثة. خلاصة القول، هنالك حركة روائية متميزة في السعودية، ويكفي حصول ثلاثة من كتّاب الرواية على جائزة البوكر بنسختها العربية.
برؤية تحليلية تعتبر رواية "غفوة ذات ظهيرة" للروائي عبد العزيز الصقعبي تجربة أدبية غنية تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية في المملكة العربية السعودية. يسعى الصقعبي في روايته إلى تقديم سردٍ متشابك يجمع بين المآسي الفردية والتغيرات الاجتماعية الواسعة، مما يتيح للقارئ استكشاف العلاقة المعقدة بين الإنسان وبيئته.
تدور أحداث الرواية في فترة زمنية تمتد لأكثر من نصف قرن، مما يضع القارئ في مواجهة مع التحولات الدراماتيكية التي شهدتها المملكة. يعكس الصقعبي من خلال شخصية بطله الصراع الداخلي الذي يعانيه جيل كامل من السعوديين الذين عاشوا في كنف التغيرات الاقتصادية والسياسية. من هنا، تتضح أهمية الرواية كمرآة تعكس تجارب الأفراد في مواجهة قضايا الانتماء والوجود، حيث يتساءل البطل: "هل يستطيع الإنسان أن يعيش مسالماً ويحافظ على مبادئه؟"
استخدم الصقعبي في روايته أسلوباً سردياً يتسم بالعمق والانسيابية، مما يسهل على القارئ الانغماس في تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات. يتمثل الهدف الروائي في تقديم رؤية شاملة للعالم الداخلي للشخصيات، مما يبرز تجاربهم ومعاناتهم. يُظهر هذا التوجه أهمية الرواية كوسيلة لفهم النفس البشرية في سياق مجتمع يتسم بالتغيرات المستمرة.
تحمل الرواية في طياتها توجيهاً اجتماعياً، حيث تعكس العادات والتقاليد التي لا تزال تشكل جزءاً مهماً من الهوية السعودية. من خلال الأحداث والشخصيات، يستعرض الصقعبي كيفية تفاعل الأفراد مع ثقافاتهم وأعرافهم في ظل التحديات الجديدة. تُظهر الرواية أن العادات ليست ثابتة، بل هي قابلة للتغيير والتطور.
يسلط الصقعبي الضوء على التجربة الإنسانية من خلال تفاعلات الشخصيات وعواطفها، مما يجعل القارئ يشعر بالانتماء إلى تلك الشخصيات. يتحول السرد إلى رحلة عاطفية تعكس القلق، والألم، والأمل، مما يتيح للقارئ التأمل في عمق التجربة البشرية.
رواية "غفوة ذات ظهيرة" ليست مجرد سرد لأحداث أو قصص فردية، بل هي دعوة للتفكير والتأمل في الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الأفراد. يسعى عبد العزيز الصقعبي من خلال عمله إلى تقديم منظور شامل يتجاوز الرواية التقليدية، ليجسد روح العصر وتعقيداته. هذه الرواية تشكل إضافة قيمة للأدب العربي وتؤكد على أهمية الرواية كأداة لفهم التغيرات الاجتماعية والإنسانية.
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%82%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%87%D9%86%D8%A7%D9%83-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9/
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com