الموسيقي عثمان الخلوفي لمرايا: “في هذا الألبوم "زيد زيد"، الثقافتان العربية والغربية تتزاوجان ولكن تحت الرعاية السامية للثقافة الإفريقية."

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

ترك الفنان والموسيقي عثمان الخلوفي عالم الاقتصاد ليتوجه إلى المسرح في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (تخصص سينوغرافيا). وبعد ذلك درس ماستر في الدراسات المسرحية المعمقة في جامعة الحسن الثاني. علاقته بالسكسفون ربما نوعًا ما عبثية. ويقول: "عندما كنت أتمرن مع فرق موسيقية كمغني، كان دائمًا يصعب علي فهم بعض الموسيقيين، فقد كانت لهم رؤية جد مختلفة عن الموسيقى، لأن لهم علاقة مع آلة موسيقية، وأنا الذي كانت آلتي هي جسمي." بدأ تعلم الساكسفون لهذا الغرض أولاً، وللمتعة ثانيًا. ولم يكن هدفه أن يكون عازفًا في يوم من الأيام. وعندما بدأت الاشتغال على التراث الشعبي، كان الأمر صعبًا شيئًا ما. فعالم الموسيقى الغربية والموسيقى العربية الشعبية كانا جد منفصلين. وما كان يفعله ربما كان مستفزًا بالنسبة للبعض. مع مرور الوقت وظهور ألبوم "إفريقيا" لكريم زياد، كان هذا بمثابة صدمة إيجابية لكل موسيقيي المغرب العربي، غيرت تمامًا نظرتهم للموسيقى الشعبية والتراث المغاربي الإفريقي. هذا الألبوم أعطاه الثقة أكثر في ما يفعله، وأكّد له أنه على الطريق الصحيح. اليوم، هو وكريم تجمعهما علاقة أخوية وفنية جد وطيدة، وهو الذي يلعب معه في ألبوم "زيد زيد". ومعه أجريت هذا الحوار:

- الإلهام موسيقي يهدف إلى بث الحكمة والفلسفة وانصهارها بالأغنية أو ما يعرف بالراب، ما رأيك؟

في رأيي، الراب هو شكل من الأشكال الأدبية والشعرية المعاصرة. وأكثر من هذا، يمكن أن نقول إن الراب هو التعبير الشاعري الأكثر دينامية وإنتاجًا في عصرنا الراهن. إذا أردت أن أتكلم عن الراب كشكل من الأشكال الموسيقية، أستغل الفرصة لأعبر عن عدم اتفاقي مع كل من يقول إن الجانب الموسيقي ضعيف أو مهم. إن الموسيقى في الراب هي أكثر إيقاعية لتعطي قالبًا تشكّل عنه الكلمات والجمل. الموسيقى في الراب تتردد، وهذا ليس لفقر في خيال الفنان، ولكن لخدمة الشعر الملقى من طرف المغني. نفس الشيء نلاحظه في طرب الملحون. فلماذا بعض محبي الملحون ليس لهم فضول اتجاه الراب؟ وقبل أن أنهي إجابتي، يبقى دائمًا تساؤل يداهم ذهني، وهو: ما هي العوامل التي جعلت من المغرب أكثر البلدان إنتاجًا وتنوعًا لمغنيي الراب، وهذا في أفريقيا والعالم العربي؟ بطبيعة الحال، ليس هناك إحصائيات عن ما أقول، لكنني أبني هذا التساؤل على ما يحدثني عنه كل المهنيين غير المغاربة والمشتغلين في هذا الميدان.

- ما بين الإيقاع والترددات الصوتية، تلعب الموسيقى دورها في جذب الحس، هل من تلحين يتعلق بالجملة الصوتية؟

الكلمة والجملة لهما إيقاع خاص، وفي الكثير من الأحيان أبني موسيقتي على الهيكل الإيقاعي الذي تقترحه الجملة. والعكس يحصل أيضًا عندما يأتي اللحن أولًا، فيصبح هذا هو القالب الذي تُنحت عليه الكلمة. في بعض الأحيان أصمم الموسيقى حسب الحاجيات الدرامية التي يتطلبها النص. ومن جانب آخر، يجب ألا ننسى أن كل جملة شعرية لها موسيقيتها، والجملة الموسيقية لها شاعريتها أيضًا.

- لا يعرف المستمع سر انجذابه إلى "زيد زيد"، هل هي الكلمة أم الآلات الموسيقية التي تستخدمها أم السرعة في الإيقاع الصوفي؟ كيف تفسر ذلك؟

في الحقيقة، في هذا الألبوم "زيد زيد"، اشتغلت وحاولت البحث عن تعبير لغوي خاص، لأُقَرِّبَ الناس في نفس الوقت من خفة الروح الأفريقية، والفصاحة وأهمية "الكلمة" التي علمتني ثقافتي العربية. فأنا مغربي، وثقافتنا جد مختلطة، وهذا الخليط بالذات الذي أود أن أقدّم لجمهوري. شيء آخر جد هام بالنسبة لي هو الطابع المسرحي في كتابتي، وأظن أنه الشيء الأساسي الذي يعطي لأغانيّ الحظ للدخول لقلوب المتلقي. فأنا كائن مسرحي قبل كل شيء، والمسرح يظل دائمًا أبو الفنون بالنسبة لي. لقد علمني المسرح مبدأ "الصدق"، الصدق في عملية الإبداع، في التفكير وفي الأداء. ويظل هذا الشيء الأصعب في العمل الفني، لأنه يتطلب منا مجهودًا جد كبيرًا للبحث عن أنفسنا، وسخاءً أكبر لنقدم هذا بدون أي حجاب للمتلقي. أما الجانب الموسيقي، فالسرعة، البطء، العنف، النعومة، التعقيد، البساطة، الخلاء، المكتظ، المفاجئ، المتوقع، الخشن، الأملس، المرقص، المُبكي، المتعب والمريح. لقد استعنت بكل هذه الصفات وأكثر، لأشتغل على هذه الموسيقى. ففي غالب الأحيان هي عبارة عن طبقات متراكبة، تعطي للمتلقي الفرصة لقراءة سطحية، وقراءات أخرى أعمق. أما الجانب الصوفي، فلن أنفيَ بتاتا تأثري بالموسيقى الصوفية المغربية. فما بين العيساوة، الحمادشة، جيلالة، هداوة، وطرائق أخرى، هذا الألبوم "زيد زيد" له حمولة فلسفية وروحانية هامة في هذا الاتجاه. بالنسبة للجانب الفلسفي، أظن أن هناك شيئًا من الشجاعة في طرح التساؤلات أولًا، وثانيًا تراكيبَ موسيقية نجد فيها مفاجئة داخل المفاجئة. (( Une mise en abîme تجعلنا ندخل في دوخة تقربنا في آخر المطاف من أنفسنا. وإنه ليس عن طريق الصدفة أن سميت الألبوم "زيد زيد" عندما يأخذك النور على الموطور. فعندما تفتح الألبوم تجد مقولة لجلال الدين الرومي: "لا تزعج من جرحك، فإلا كيف تريد أن يتسلل النور إلى باطنك". وفي الصورة، قد ركبت على دراجة نارية (موطور)، خلف النور الذي يستعد بالدخول في جرح من أعمال الفنان "Lucio Fontana" للتسلل في عوالم وفضاءات أخرى تحدثني ربما عن نفسي وعن الآخرين. أما الجانب الروحي، فهناك دعوة دائمة للرقص وربما إلى درجة "الجدبة" (transe) أحيانًا. وأحاول أن أصل لهذا موسيقيًا باستخدام عبارات موسيقية تتكرر، وغالبًا ما تكون بآلات نفخية، وقد أطلب في أغلب الأوقات عمدًا من العازفين على هذه الآلات أن لا تساوى آلاتهم كي أخلق بهذا كتلة صوتية تخريبية ونابضة بالحياة تجعل الأجسام تقشعر. لأنه في آخر المطاف، خلفيتي الثقافية ليست بكلاسيكية بل هي من الموسيقى التقليدية.

- منحت الحواس متعة الموسيقى السكسوفونية الصوفية رغم سرعتها، ألم يخيفك هذا من الانتقاد؟

أولًا وقبل كل شيء، لن تكون إجابتي "لا يهمني الانتقاد". إن الانتقاد جد مهم بالنسبة لي، والعمل الفني لا يكتمل إلا في التقاءه مع المتلقي. آنذاك، يولد هذا العمل أثرًا ووجهة نظر خاصتين بكل واحد. فكل متلقٍ هو ناقد في نفس الوقت، وهذا من أجمل الأشياء. أنا أفضل الجمهور الناقد. وأحب الجمهور الحر عكس الجمهور المقيد. أما بالنسبة للصوفية ومبدأ السرعة، فالطرق الصوفية التي تغنيت بها منذ صغري هي مغربية. وفي هذه الموسيقى نظل دائمًا في دحرجة ما بين السريع والبطئ، ربما هذا جانبنا الإفريقي أو الأمازيغي. فممكن أن أؤكد لكم أنه في المغرب وكل البلدان المغاربية نحن بحاجة للسرعة في بعض الأحيان.

- لا يمكن أن ننسب الموسيقى ودورها التوافقي في الأغاني أو الأناشيد خاصتك، ولا أعرف أن أمنحها لونًا إلا صوفيًا سريع الإيقاع. كيف جمعت بين التقنية والنظرية في القصائد التي تختارها؟

أنا أفهم جليًا وجهة نظرك. فالبعض يقول إن ما أؤلف هو موسيقى الجاز، والآخرون ينعتون موسيقاي "بموسيقى العالم". هذا المصطلح يستعمل كثيرًا، ولا أفهم معناه، وأنتِ اليوم تتحدثين عن الجانب الصوفي الذي لمستي في هذا الألبوم، وأنا جد مسرور بسماع هذا أخيرًا. فلو سمحتِ أن أضيف شيئًا آخر، هو الجانب الدرامي. فأنا أظن أن تقنيتي ونظريتي تبقى شيئًا ما متواضعة، لكن رغم اشتغالي في هذا الجانب يظل الهدف الأسمى في ما أؤلف هو الحكي. في كل مقاطعي تجد شيئًا يروى. أما بالنسبة للقصائد، فأنا لا أختارها، بل أكتبها. في هذا الجانب أظن أنني أتقاسم شيئًا مع مغنيي الراب. هل تتخيلون أحدهم يصعد للمنصة لينشد كلامًا، أفكارًا وأحاسيسًا ليست له؟ أظن أن التغني في ألبوم بنصوص أخرى لم نكتبها، شيء أيضًا له قيمته الفنية. فإن كان من التحدي أن نوصل إلى الجمهور معاني وأحاسيس كتبناها وتنبع من داخلنا فقط عن طريق صوتنا، فإنه من الأصعب أن نحقق هذا بنصوص الآخرين. وأتمنى يومًا أن أقدر على هذا، وأغني نصوصًا ليست لي، بالصدق والوفاء التي تستحقه.

- عثمان الخلوفي بين الجاز والساكسفون، أو بالأحرى بين المادة وانعدام الجاذبية، ماذا تختار منهما، خاصة وأن الجاز يشبه إيقاعات الواقع الحالم؟

هذا السؤال بالنسبة لي كلعبة ممتعة. إذا خيرت ما بين الجاز والسكسفون، لاخترت الثاني، لأنه آلتي ووسيلتي للتعبير. أما الجاز فهو بالنسبة لي الحرية في التفكير والأداء، و"الحرية" تأخذ ولا تعطى. فهل الجاز يشبه إيقاعات الواقع الحالم؟ أظن بالأحرى، الجاز هو أن تعطي لنفسك حق "الحلم"، وأن تحقق هذا في واقعك. الجاز أيضًا هو الحق أن تشكل موسيقاك كما تريد وبالثقافة التي فيك. لا أن تردد كلاسيكيات سنوات الخمسينات والثلاثينات. أمر جيد أن تعرف وتحترم، كل ما أبدعه فنانون مثل "كلترين"، "مونك"، "مايي ديفس"، وآخرون. لكن من المؤسف أن تعبدهم.

- جمعت بين التراث العربي واللحن الغربي أو اللحن السريع، هل أنت راضٍ عن ذلك؟

لقد ترددت كلمة "سريع" كثيرًا في هذا الحوار، وقد بدأت أحس أنني قطار. في هذا الألبوم "زيد زيد"، الثقافتان العربية والغربية تتزاوجان ولكن تحت الرعاية السامية للثقافة الإفريقية. فحتى الأثر الذي ننعته بغربي عندما نمس الجاز في موسيقاي، فالجاز إفريقي قبل كل شيء. أظن أن "Art Blakey" و"Randy Weston" وآخرون، يشاطرونني الرأي.

في النهاية اردت تقديم رؤية تحليلية سردية حول عثمان الخلوفي

في عالم الموسيقى، يمتزج الإبداع مع الهوية والثقافة، وهو ما يسعى الموسيقي المغربي عثمان الخلوفي إلى تجسيده في أعماله. فخلال حواره، يُظهر الخلوفي كيف أن الموسيقى ليست مجرد ألحان وكلمات، بل هي تعبير عميق عن الهوية الإنسانية، ووسيلة لتوحيد الثقافات المختلفة.

تعتبر فكرة تزاوج الثقافات المحور الرئيسي في ألبومه "زيد زيد"، حيث يسعى الخلوفي إلى دمج العناصر العربية والغربية مع التأثير الإفريقي، مما يخلق فسيفساء موسيقية تعكس التنوع الثقافي للمغرب. فالموسيقى بالنسبة له ليست مجرد فن، بل هي وسيلة للتواصل بين الأجيال والثقافات، ومحاولة لنقل تجارب فردية وجماعية.

يؤكد الخلوفي على أهمية الصدق في العملية الإبداعية، حيث يربط بين تجربته المسرحية والموسيقية. فالمسرح، في نظره، يمنح الفنان القدرة على التعبير عن ذاته بشفافية ووضوح، وهو ما ينعكس في موسيقاه. من خلال استخدامه للساكسفون، يُبرز الخلوفي كيف يمكن للأدوات الموسيقية أن تعبر عن الأحاسيس البشرية، مما يضيف بُعدًا إنسانيًا لتجربته الموسيقية.

كما يتناول الخلوفي دور الجمهور في التجربة الفنية، حيث يرى أن كل متلقٍ هو ناقد، مما يسهم في إثراء العمل الفني. يهدف إلى خلق تجربة موسيقية تفاعلية، تشجع المستمعين على الانغماس في عالمه الفني، مما يعكس رؤيته بأن الموسيقى يجب أن تكون جسرًا يربط بين الفنان والجمهور.

يعكس ألبوم "زيد زيد" تأثير الفلسفة الصوفية، حيث يدعو الخلوفي إلى حالة من الوعي الروحي من خلال الموسيقى. فالموسيقى ليست مجرد ترفيه، بل هي دعوة للرقص والتأمل في الوقت ذاته. هذا التوجه نحو العمق الروحي يُظهر كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للهروب من ضغوط الحياة اليومية، ويدعو الجمهور لاستكشاف عوالم جديدة من خلال الإيقاعات والألحان.

عثمان الخلوفي ليس مجرد موسيقي، بل هو مبدع يسعى إلى بناء جسور بين الثقافات، ويستخدم الموسيقى كوسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والوجودية. من خلال ألبومه "زيد زيد"، يعيد صياغة مفهوم الهوية في الفن، مما يجعله صوتًا معبرًا عن جيل يسعى لفهم ذاته وتاريخه. في النهاية، تبقى موسيقاه تجربة غنية تعكس الروح الجماعية للثقافة المغربية، وتفتح أبواب الحوار بين الثقافات المختلفة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com