البحث عن الحياة هو المسعى الإنساني الذي يناضل من أجله الإنسان.
ضحى عبد الرؤوف المل
يتعزز الشعور بالعقلانية في رواية "السمان والخريف" للروائي "نجيب محفوظ"، التي أخرجها للسينما المخرج "حسام الدين مصطفى"، ومن بطولة محمود مرسي، ونادية لطفي، وعبد الله غيث، وعادل أدهم، وميمي شكيب. وتدور الرواية حول حياة "عيسى الدباغ" المنتمي لأحزاب تتذبذب وتتخبط خلال الوجود البريطاني في مصر وما بعده. وهو الرجل العقلاني المقرب أرستقراطياً من الفئة الثانية من المسؤولين الذين يحاولون استبعاده فيما بعد، لتركه دون وظيفة، مما يعزز الشعور بالعداء والعنف تجاه من حوله، حتى خطيبته التي تركته بعد إفلاسه أو بعد مصادرة أملاكه، واستبعاده من الوظيفة التي كان يشتغل بها تحت صيغة التطهير. فنشهد على التفسخ في السلوك حيث تظهر أمامه شخصية ريري، والتي قامت بدورها الممثلة الراحلة "نادية لطفي". هذه العلاقة غير المتكاملة بين الموظف المخلوع من منصبه، وفتاة الليل، تؤدي إلى صراعات كثيرة تستند إلى الدور المهم الذي تلعبه الأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة في مصر آنذاك.
ما بين السرد التاريخي والسرد الأدبي، وضعتنا الدراما أمام رومانسية متعاكسة في شخصية البطل وابن عمه، وفقاً للغرض الجمالي والمضمون المرتكز على فترة سياسية من تاريخ مصر. لم ينفر منها "نجيب محفوظ" بل تركها في غليان، وإن كانت الشخصيات نابعة من خيال مؤلف عاش الكثير من الفترات الاجتماعية والسياسية، ودرس الفلسفة والأدب الروائي الغربي من بلزاك إلى زولا، لنشعر أن النقطة التي يعالجها محفوظ في الرواية بشكل أدبي أو في الفيلم درامياً تمثل نقطة تحول مهمة في حياة "عيسى الدباغ" المخلوع من وظيفته، وغير القادر على بناء علاقة اجتماعية مع المحيط بعد الواقع الذي جعله بعيداً عن الأرستقراطية. فالخلفية الاجتماعية ترتبط في تلك الفترة ارتباطاً قوياً بالتغيرات الاجتماعية والسياسية التي طرأت على مصر في فترة كتابة الرواية، وإنتاج الفيلم الذي يحاول من خلاله "عيسى الدباغ" استعادة الحياة بتغيراتها التي فرضت نفسها عليه حتى بوجود ابنة من ريري. فالبحث عن الحياة هو المسعى الإنساني الذي يناضل من أجله الإنسان. فموت الأم هو بداية حياة الابن الذي استنتج من أحداث حياته أنه كان في غفلة منها. خاصة وأن الأفكار التي تكونت في حقبة ما تغيرت بفعل ريري، المرأة التي تحررت من قيود سلوكية تمثل في كل منها أسئلة واقعية اهتم بها المؤلف ميتافيزيقياً، وبتفاصيل اختصرتها الدراما في حين توسع بها الكاتب في الرواية، وهو في لحظات إدراكه لقيمة الشخصيات التي تناولها، والتي تمثل في تداعياتها الأفكار المتبناة في مرحلة ما! تلغي نفسها بنفسها تلقائياً أمام إرادة الحياة واستكمالها كما ينبغي، وأن تحررت المفاهيم بين المقبول والمرفوض بمعنى مرفوض اليوم مقبول الغد والعكس صحيح. فهل التعايش بين عوالم متناقضة يجعلنا نستكشف الحقيقة والخيال والكذب والصدق دون أن نتجاوز حدودنا الحياتية الضيقة، والتي نعتبرها من الأخلاق والفضيلة والرضى بالقضاء والقدر؟
تمثل الحياة في رواية "السمان والخريف" حقبات الحياة التي نعيشها والتغيرات النفسية التي ترافقها، وكذلك ما يرافق حياتنا الاجتماعية من تأثرات بمثابة قوانين نرضى بها أو نرفضها، وفي الحالتين نتماشى معها ضمن قناعتنا ومنطقية الفرضيات التي بثها محفوظ من خلال شخصيات الرواية المختلفة، من الخطيبة الأرستقراطية إلى ابن العم الانتهازي، والقادر على تحقيق أهدافه وصولاً إلى "عيسى الدباغ" الذي تزوج قدرية، المرأة العاشقة للحياة الزوجية وقدسيتها، والقادرة أيضاً على إسعاد الرجل. مع ذلك، بقي يتخبط في البحث عن الذات مع رفضه للكثير من القيم السائدة آنذاك. فهل تداعيات العاطفة بين التطهير والواجب في فيلم "السمان والخريف" هي في ازدواجية شخصية "عيسى الدباغ" وعدم قدرته على التأقلم مع المتغيرات؟ أم إن الدراما هي بناء هرمي فلسفي لقناعات كل منا بالحياة التي يعيشها رغم كل المآزق التي يتعرض لها؟
فلسفة حياتية قائمة على النزاع بين الذات وتحقيق الأهداف والقبول بالمتغيرات، وبين المثل العليا والأخلاق والقدرة على تحقيق الوجود الموضوعي للإنسان في الحياة. فالماضي والحاضر يتشكلان من لحظة التفكير بالمستقبل، وهي لحظة حريق القاهرة التاريخي وما فرضته لحظاتها من تغيرات على القوانين والأمور الأخرى التي تتمثل بالهجرة من الأشياء التي التزمنا بها طيلة سنوات، والتي تقولبنا معها. وباتت تعايشنا حتى ونحن في حالة رفض من التحديث المستمر في الحياة، وإن بدا الفيلم من إنتاج 1967 والرواية مكتوبة عام 1962، أو من ثورة سعد زغلول. إلا أن "نجيب محفوظ" استطاع أن يجسد الصراع الإنساني الذي يبدأ من الذات إلى الخارج قبل أن تتغير القناعات مع مرور الزمن. فهل نعيش عدة حيوات في حياة واحدة؟ وهل حياتنا تبدأ من الشيخوخة إلى الطفولة كما يقول كنزابورو آوي في روايته "الموت غرقاً"؟
اللا انتماء والإحساس بالزغل والوحدة والأزمة الطارئة على وجودية اللامنتمي وإحساسه بالعدم أو إحساسه بقوة ما ارتكبه من أخطاء هي حياة "عيسى الدباغ" في رواية "السمان والخريف". ومع ذلك، عالجها المخرج في الفيلم برؤية رمزية في الكثير منها، محاولاً وضع المشاهد أمام صورة الإنسان العنيد الذي يرفض وصايا أمه ووصايا صديقه وابن عمه، رغم أنه ليس بالخائن، فقد قاتل إلى جانب من وقفوا في وجه المحتل في لحظة ما. إلا أن المستقبل يعود بثقله ليقف أمامه من خلال ابنته التي رفض أمها قبل أن تلجأ إلى العجوز الذي تزوجها ومنحه اسمه، لتصبح ابنته موجودة في الحياة تحت اسم غير اسم أبيها المعاند والمتسلط، الذي ذللته الحياة ومنحته نوعاً ما القدرة على قبول المتغيرات الحياتية لاستكمالها كما ينبغي وضمن الرضى بالقضاء والقدر. فهل تزيل الأجيال بعضها البعض؟ وهل تبقى الحياة في جمود أم هي في تغيراتها تشبه الإنسان وقناعاته؟
يلف المعنى الإنساني قصة "السمان والخريف"، وتزيل المعاني الظلم والقهر عن كل مشهد استطاع من خلاله "محمود مرسي" تجسيد دور عيسى الدباغ الذي يتطور بالرغم من قناعاته الثابتة غير القابلة للتجديد. فيختل التوازن الدرامي البصري، ويبقى التوازن الدرامي الضمني للشخصية التي لعبها "محمود مرسي" بتأثيرات درامية قوية. واستطاعت "ناديا لطفي" رغم ذلك تقمص دور فتاة ليل ومن ثم التزامها بالحب الذي وقعت فيه، رغم أنها كانت في بداياتها السينمائية. حيث القوة التعبيرية جسدياً وصوتياً، أي حركة ومعنى في جملها المشحونة بالعاطفة النسائية وقوة فهمها للدور الذي قامت فيه. فهل يمكن وصف فيلم "السمان والخريف" بأنه مادة سينمائية ناجحة أسست لعوالم سينمائية أخرى من خلال قصة كتبها نجيب محفوظ وفق فلسفة الإنسان الوجودية؟
برؤية اخرى تُعد رواية "السمان والخريف" لنجيب محفوظ واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي تسلط الضوء على التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر، حيث يسعى المؤلف والمخرج إلى رسم صورة معقدة لعالم مليء بالصراعات الداخلية والخارجية. ومن خلال شخصياته المتعددة، ينقل محفوظ أصداء فترة تاريخية مهمة تمثل صراع الهوية والمكانة الاجتماعية.
"عيسى الدباغ" ليس مجرد شخصية روائية بل هو تجسيد للعديد من المصريين الذين عانوا من التغيرات الاجتماعية والسياسية. ينتمي إلى الفئة الوسطى، التي تشهد تآكل قوتها ونفوذها، مما يجعله رمزاً للعديد من الأفراد الذين يسعون للحفاظ على كرامتهم في وجه الضغوط الخارجية. تعكس علاقته بخطيبته وشخصية "ريري" صراع القيم والأخلاقيات المتغيرة في المجتمع، إذ يمثل كل منهما فئة اجتماعية مختلفة وتوجهات متباينة. بينما تمثل "ريري" التحرر والتمرد، يأتي عيسى معبراً عن انكسار الطبقة الوسطى.
في الفيلم، يعيد المخرج حسام الدين مصطفى توظيف العناصر الدرامية لتعزيز الفكرة المحورية للرواية. من خلال التصوير السينمائي، تُبرز اللقطات القريبة تعبيرات الوجه التي تعكس الألم والفرح، مما يسهل على المشاهدين الانغماس في المشاعر المعقدة للشخصيات. تتجلى هذه الدرامية في المشاهد الحياتية اليومية التي تشهد تفاعلات عيسى مع البيئة المحيطة به، مما يضفي على العمل طابعاً واقعياً يجذب الانتباه ويعزز التعاطف مع الشخصيات.
يسعى نجيب محفوظ من خلال عمله إلى تقديم نظرة عميقة للنفس البشرية في ظل الأزمات. بينما يهدف المخرج إلى تجسيد هذه الرؤية في إطار سينمائي جذاب. يشكل التعاون بينهما جسراً بين الأدب والسينما، حيث تتفاعل النصوص الأدبية مع الوسائط البصرية لإنتاج تجربة متكاملة تتيح للمشاهد استكشاف مفاهيم الهوية والانتماء والضياع.
تتجلى في الرواية والسينما التغيرات الاجتماعية التي مرت بها مصر، حيث تكشف عن صراعات الطبقات المختلفة وكيف تؤثر الأزمات السياسية على الأفراد. يعكس الفقر والعنف والفشل الاجتماعي كيف أن المجتمع يمكن أن يتأثر سلباً بعوامل خارجية، مما يجعل البحث عن الحياة والانتماء بمثابة كفاح دائم.
تظل "السمان والخريف" نموذجاً يُظهر كيف يمكن للأدب والسينما أن يعكسا التوترات الاجتماعية والإنسانية. من خلال تقديم شخصيات معقدة وصراعات درامية، ينجح محفوظ ومصطفى في تسليط الضوء على التحديات التي تواجه المجتمع المصري، مما يترك أثراً عميقاً لدى القارئ والمشاهد على حد سواء. إن القدرة على استيعاب هذه القضايا المعقدة تجعل من العملين الأدبي والسينمائي محط اهتمام دائم للباحثين والمهتمين بالفن والثقافة.
نُشر في مجلة احوال المعرفة
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com