عمليات فنية شعرية هي استهلالية في ديوان "مكابدات فتى الجوزاء"
ضحى عبد الرؤوف المل
استهل الشاعر "عاطف الجندي" ديوانه "مكابدات فتى الجوزاء" بالمكابدة والمعاناة التي أصابت الفتى لاستحضار الانطباع الشبابي من فترة كهولة تمر على الإنسان بمراهقة أخرى. في تصوره، هي مرحلة شباب أخرى. وتتميز بالبراءة والنبض والهمس والأعاصير، وفي القلب طفل يختبئ كالجوزاء الذي نجمع نقاطه في قصيدة ذات عمليات فنية شعرية هي استهلالية في ديوان يغمز به بعناوين متعددة، من "الخطير" إلى "غيورة" و"غاضبة" وفق تركيبة شعرية توليفية ذات عبق شبابي، وعمق ينم عن صلابة الإرادة في عيش مرحلة لا تنتهي، هي مكابدات الرجل في منتصف العمر، مختزلاً مراحل الرجل كلها في الجوزاء، وهو البرج الثالث من الأبراج الاثني عشر. فالاضداد في القصائد تتوالد وفق مسار لولبي حافظ فيه على الثناء الذاتي "قولي لهم هذا الوسيم أحبه" بتأثيرات انفعالية هي انعكاس للأحاسيس بلغة شعرية تعزز الاستهلال الذي بدأه بالعنوان، لتكوين نوع من التضارب في المعنى وتأويلاته من أجل خلق صورة للفتى في أغلب القصائد "متمدن، متوحش، في قلبه طفل يشبُّ لمطلع الأقمار". فهل وضعنا الفتى في مداره عبر القصائد التي تتلوى من جنون الهوى؟ "ومن غير التي أهوى؟!" وما بين الأصوات المتحركة والصاخبة، الإيقاع والحروف التي تعج بالمعنى الشعري، حكاية فتى ينتظر اللقاء المرتقب على ألم الجراح. فهل أدرك "عاطف الجندي" الجوزاء عبر تقاطع البحور التي استخدمها؟
ترتبط فكرة المكابدات في كل قصيدة وفق الدلالات المغمورة بشكل أساسي بمعاناته الذاتية مع الحبيبة أو المرأة اليتيمة بلا خافقيها "فإني اليتيم بلا خافقيك، وإني الغريب الذي قد تَسَمَّر". فالتقلبات لفتى الجوزاء في مشاعره هي وليدة فترات تشير إلى حالات نفسية مقسمة زمانيًا وفق أعمار مختلفة. إلا أنها فتية، وبخصوصية فتاة الأحلام المرافقة لفتى يلاحق الأمل "كطفل العيد مشتاق لحلوى". فالعقبات في الحب هي طفولية الرؤى، ومغزاها مشاكسات طبيعة الفتى أو الصبا المحتدم مع مفاهيم الحب التي تؤثر بصبوتها وغليانها على الحواس، وبتداخل مع عناصر الطبيعة المغروسة في قصائدها، كأنه في مدار جمالي يفوق حسنه حسنها "أحبك والهوى أضحى، ربيعًا قبل الزنبق"، منتظرًا منها الإشراق في ربيع أضحى في الأمس. إلا أنها كزنبق مترعة بالرومانسية والحلم الذي يكشف عن حلم آخر موسوم بتأجج عاطفي جعلته يتلهف إليها دون أن يتردد بقوله "فقولي كيف حبك قد حواني وأصبح قصة للناس تروى؟!" فهل مزج اختلاطات المشاعر ببرج هوائي لا يستقر على حال؟ أم إنه يسير مع القصيدة وفق مكابدات الشاعر الذي يغوص في جزئيات المشاعر الخاصة بامرأة كزنبق وُلدت قبل الربيع ولا تشيخ في أزمنته الشعرية التي تتقد مع مقدرته الشعرية، المطرزة بالألوان العروضية وبلاغة تنم عن شغف فيه براعة غزلية لها تأثير في نفس القارئ. فكيف بالحبيبة التي كتب لها قصائده في هذا الديوان المتميز برقة الألفاظ المستأنسة بتأويل الصورة البيانية في فتى الجوزاء؟
انفعال في استهلال، وقدرة في اختزال، وإحساس مرهف وعاطفة مزودة بذبذبات تشتد وترتخي وفقًا للظى المشاعر المتدفقة في أوردة قصائده التي تتغنى بالذات أكثر من حبيبة قادرة على إشعاله حد الاحتراق "وما علمت بأن وريدي الظمآن ينبضها على قلق الجوى المحرق". فهو يخاطبها بشتى المعاني القادرة على استعطافها قبل استمالتها لتأتي إليه طوعًا وتغدق عليه الحب الذي ينتظره، وهو الذي يتضور شوقًا لملهمة تتفتح القصيدة على يديها "وأنت الطير يلهمني نشيد السحر والمنطق". فهل سهولة المعاني الجزلة متأثرة بالاستعارات التي تعتمد حصريًا على الحس الفني وجمالية عناصر الطبيعة في قصائده؟
بين همس أو عصا إعصار، كما يقول في قصيدة "الخطير"، انتقلنا من أضداد إلى أضداد مع الفتى الذي يشب اشتياقًا، والذي قد تسمر وعند افتقادها يذوي ويصغر، فالتمثيلات الشعرية متخيلة، وهي نغمات بليغة تجمع بين انثيالات التشابيه والاستعارات. رغم أن أغلب القصائد هي مغامرات لفتى يبحث عن الحب بين حبيبات جمعهن في ديوان لحبيبة واحدة بعناوين مختلفة. فهل من جدلية نفسية في هذا الديوان الذي تصطلي فيه اللغة الشعرية على وقع الأنغام الداخلية حسيا لشاعرنا؟
برؤية اخرى يُعد ديوان "مكابدات فتى الجوزاء" للشاعر عاطف الجندي تجربة شعرية غنية تستكشف عوالم النفس الإنسانية من خلال تقنيات شعرية متنوعة، تكشف عن عمق التجربة الوجدانية للشاعر. يشكل الديوان مرآة تعكس تفاعلات الفتى مع العالم الخارجي، من خلال مشاعر مكثفة وحساسية مرهفة.
يستهل الجندي ديوانه بطرح ثنائية المكابدات والمعاناة، مما يُعطي انطباعًا بأن الشاعر يعكس رحلة فتى يمر بمرحلة انتقالية معقدة من الشباب إلى الكهولة. هذا الانتقال ليس مجرد تقلب زمني، بل هو تمظهر لعمق التجربة الإنسانية، حيث يظل الفتى عالقًا بين أحلام الطفولة وواقع الكهولة، ما يبرز الصراع الداخلي في أغلب القصائد.
تتسم لغة الجندي بالتشابك والغنى، حيث يمزج بين الألفاظ العادية والصور الشعرية المبتكرة. نجد استخدامًا مدهشًا للاستعارات والتشابيه، كما في وصف الفتى بـ"طفل في قلبه" و"كالجوزاء"، مما يُضفي على النص أبعادًا إضافية. تعكس هذه الصور عواطف معقدة، وتحمل دلالات متعددة تتراوح بين البراءة والحنين، مما يعكس تداخل الزمان والمكان في تجربة الفتى.
تتسم القصائد بتنوع إيقاعي يتراوح بين السرعة والبطء، مما يعكس طبيعة المشاعر المتقلبة. استخدام الجندي للجمل القصيرة والطويلة يمنح النص ديناميكية، حيث يستشعر القارئ التوتر والانتظار في بعض الأجزاء، بينما تُبث السكينة في أخرى. هذه التغيرات تُثري الإيقاع الداخلي للقصائد، مما يجعل القارئ يستشعر تذبذب العواطف.
تتداخل مواضيع الحب والحنين والفقد بشكل ملحوظ في الديوان. يمثّل الحب محورًا رئيسيًا في قصائد الجندي، حيث يظهر كقوة دافعة تؤثر في مشاعر الفتى. التعبير عن الحب يأتي في صور متعددة؛ فهو ينقل القارئ من مرحلة الشغف إلى الألم، مما يعكس تعقيد العلاقات الإنسانية. كذلك، يتناول الفقد باعتباره تجربة مؤلمة تعيد تشكيل الذات، حيث يُصبح الغياب نقطة تحول في حياة الفتى.
يستخدم الجندي تقنيات مثل التكرار والتضاد لتعزيز المعاني. تتوالى الأضداد، مما يعكس التوتر بين الرغبات والواقع، كقول الشاعر "متمدن، متوحش". هذه الاستخدامات تفتح أبوابًا لتأويلات متعددة، مما يجعل القارئ ينغمس أكثر في النص، ويعزز من تفاعله مع التجربة الشعرية.:
يمثل "مكابدات فتى الجوزاء" لعاطف الجندي رحلة شعرية تتناغم فيها المشاعر والأفكار، مما يُبرز قوة الشعر كوسيلة تعبير عن الصراعات الإنسانية. من خلال بنية فنية محكمة وصور شعرية غنية، ينجح الشاعر في نقل تجربة ذات عمق فلسفي، مما يجعل الديوان عملًا يستحق التأمل والقراءة المتأنية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com