هشام زين الدين لـ«اللواء»: المسرح هو آخر ما تبقى للبشرية

من أنواع الفنون الحيّة، والمحافظة عليه مسؤولية حضارية

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

هو مخرج ومؤلف مسرحي ومؤسس فرقة المسرح التربوي اللبناني. حاز جائزة التأليف المسرحي في مهرجان الأسبوع المسرحي في سلطنة عمان عن نصه المسرحي «هذيان آخر الليل». وُلد في قرية بطمة (منطقة الشوف اللبنانية) وهو أستاذ المسرح في معهد الفنون الجميلة وعضو الفرقة البحثية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية. نشر العديد من المقالات والأبحاث في الصحف والمجلات اللبنانية والعربية وله مساهمات ومشاركات في عدة مهرجانات تحكيم في لبنان والعالم العربي. ومع البروفيسور هشام زين الدين أجرينا هذا الحوار:

هل يفترض بالمسرح أن يقدم بديلاً نوعياً من خلال العروض، لا سيما في زمن آلاف الفضائيات والعروض المصورة؟ وأي نوع من أنواع المسرح يمكن أن يصمد في وجه التكنولوجيا التي باتت إحدى أهم وسائل توصيله إلى الجمهور حالياً؟

المسرح في أساس تركيبته مختبر للأفكار وللإبداع وللجماليات الفنية. وكل وسائل التواصل البصري من السينما إلى التلفزيون إلى جميع أشكال الفيديو والتواصل الإلكتروني من خلال الصورة، كلها ولدت من رحم المسرح، فهو أبو الفنون وهذا اللقب ليس عبثياً. الأكيد أن المسرح كان ولا يزال يقدم البديل الذي لا يمكن لأي وسيط فني آخر تقديمه، وهذا سبب استمراره على مدى 2500 سنة. والأصح أن نقول إن محاولات خلق البديل هي ما نراه من أشكال تعبير أخرى طرأت على حياتنا منذ اختراع السينما وحتى اليوم، لأن الثابت هو المسرح كونه الأصل، والمتغير هو الصورة التكنولوجية التي تطورت من الـ«نيغاتيف» إلى الصورة الرقمية اليوم.

في الشق الثاني من السؤال، حول تحديات صمود المسرح أمام التكنولوجيا التي تحاول ابتلاعه كفن عريق وتحويله إلى مادة فنية تكنولوجية، أعتقد أن المعركة ليست لصالح المسرح. وهي معركة شرسة، حيث إن المسرح يقاوم منذ ثلاثة عقود تقريباً اجتياح التكنولوجيا لعالمه الإنساني العفوي الحميمي، ونجح حتى الآن إلى حد كبير، وتمكن من الاستمرار مستخدماً التكنولوجيا بمقدار حاجته لها فقط، لكنه لم ينهزم أمامها.

تحدثت في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية عن «الجدار الخامس» الإلكتروني، وأشرت إلى أن أميركا سبقتنا بسبعين عاماً عندما كانت ترسل عروض برودواي المسرحية عبر تلفزيون الـ«كيبل». ما الجديد في فكرتك؟

ليست أميركا وحدها، بل كل تلفزيونات العالم كانت تفعل ذلك، وكانت المسرحيات الناجحة تنقل إلى الشاشات لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الجمهور لمشاهدتها. وليس لدينا أي اعتراض على ذلك، لكننا نميز بين العرض المصور للتلفزيون وبين العرض المسرحي. أي أن العرض المسرحي هو الأساس، هو الحقيقة، والعرض التلفزيوني هو نسخة عنه، مشوهة، فاقدة للإحساس وللتفاعل الحي. نعم، هي تصور العرض، لكنها عاجزة عن نقل مؤثراته الإنسانية على المشاهد، تنقله كمعلومات بصرية وكلامية وليس كشعور وتأثير حسي وجمالي.

فالجدار الخامس الذي تحدثت عنه وأطلقته كتعبير عن المأزق الذي نعيشه اليوم والمستمر مستقبلاً، ليس توصيفاً لوسيط نقل العمل المسرحي، بل هو توصيف للمشكلة التي تواجه الفن المسرحي. خطر الجدار الخامس الإلكتروني يكمن في أنه سيلغي المسرح كفن حي، وسيستبدله بفن آخر رقمي يشبه المسرح لكنه ميت، يفتقد النبض الحي الذي لا يمكن للشاشة الزجاجية أن تنقله مهما تطورت تقنياتها. هنا المشكلة الحقيقية، وليست في تصوير الأعمال المسرحية للتلفزيون بهدف إشهارها أو عرضها على الشاشات ما دامت نسخة عن الأصل وليست بديلاً عنه.

- ما الذي يجعل المشاهد الآن يتمسك ببقاء المسرح؟ هل الموضوع أم هدف العرض، أي الرسالة، أم البناء الدرامي وجمال التمثيل والإخراج؟

لنعترف أن جمهور المسرح يتناقص، وهذه من أهم المشكلات التي يعانيها المسرح حالياً، خصوصاً في البلدان المتخلفة والتي تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية كبلادنا. وأعتقد أن الجمهور الذي لا يزال أميناً لعلاقته بالمسرح هو جمهور نوعي، متقدم فكرياً، يبحث عن الجديد المثير للتساؤل والبحث عن الحقائق وتحليل المعلومة والحالة الإنسانية، والخروج باستنتاجات خاصة به قد تكون مفيدة له في حياته.

كل مكونات المسرح من الفكرة إلى المعالجة إلى الهدف والرسالة والإبداع في التمثيل والإخراج، كلها عناصر متكاملة يقوم عليها البناء المسرحي الناجح الذي يبحث عنه الجمهور. هي علاقة تفاعلية بين ركني المعادلة المسرحية: العرض والجمهور.

- ما هي رؤيتكم لمسرح ما بعد كورونا وتغير ذائقة الجمهور نحو الفودفيل والفكاهة؟

تختلف ذائقة الجمهور من بلد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن بيئة أو فئة إلى أخرى في نفس المجتمع، لذلك فالمسألة نسبية. قبل كورونا وبعدها، كانت الكوميديا دائماً محببة للجمهور الذي يغلب عليه الطابع الشعبي، لأنها تمثل نوعاً من التنفيس وتحاكي حاجات المشاهد للاستمتاع والضحك والمرح، من دون إغفال الجانب الفكري فيها حتى لو كان بسيطاً. وقد نجد في مجتمعات أخرى حاجات للمسرحيات الجادة التي تعالج قضايا إنسانية بأسلوب غير كوميدي. الخشبة تتسع لكل الأنواع والطروحات، والصالة تتسع لكل أنواع الجمهور.

قبل كورونا وبعدها، لكن التحدي اليوم وغداً هو في كيفية إعادة النبض إلى المسرح، العودة إلى إنتاج المسرحيات، عدم الرضوخ لتداعيات الإقفال القسري الذي استمر لسنتين تقريباً، معاودة النهوض من جديد، وعدم إتاحة الفرصة للهامشيين والسطحيين من مدعي الفن والإبداع لاستبدال العمل الفني المسرحي المباشر الحي التفاعلي بين الممثل والمشاهد بأي شكل آخر من أشكال التعبير المسرحي بواسطة الكاميرا والشاشات، واعتبار هذا الكائن الهجين أو المهجن مسرحاً. هذا هو التحدي الأهم اليوم وغداً وبعد سنوات. فالمسرح هو آخر ما تبقى للبشرية من أنواع الفنون الحية، والمحافظة عليه مسؤولية حضارية ثقافية إنسانية.

برؤية تحليلية بعد الحوار معه في زمن يتسارع فيه التطور التكنولوجي وتتزايد فيه خيارات الترفيه، يبرز صوت هشام زين الدين كواحد من أبرز المدافعين عن الفن المسرحي كأداة حيوية للتواصل الإنساني. من خلال حواره الأخير، يتضح أن المسرح، بالنسبة له، ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو مختبر للأفكار وجسر يربط بين الأجيال والثقافات.

زين الدين يعتبر المسرح منصة تفاعلية تتيح للجمهور مواجهة القضايا الاجتماعية والسياسية بطريقة فنية وعمق إنساني. في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها العديد من المجتمعات، يصبح المسرح ملاذًا للبحث عن الحقيقة، ووسيلة لفهم الذات والآخر. الجمهور الذي يتوجه إليه زين الدين هو جمهور نوعي يبحث عن معنى وغاية، ويؤمن بأن الفنون، وخاصة المسرح، قادرة على تحفيز التفكير النقدي.

يتطرق زين الدين إلى ما يسميه "الجدار الخامس" الإلكتروني، مشيرًا إلى خطر انزلاق الفن المسرحي إلى سطوة التكنولوجيا. إنه يحذر من أن العروض المصورة، رغم جاذبيتها، لا يمكن أن تعوض التجربة الحية. هذه الرؤية تعكس قلقًا عميقًا من أن التحول إلى الفنون الرقمية قد يؤدي إلى فقدان القيمة الإنسانية العميقة التي يقدمها المسرح.

من خلال تناول قضايا الفودفيل والفكاهة، يُظهر زين الدين اهتمامًا بتحول ذائقة الجمهور، حيث يتساءل عن كيف يمكن للمسرح أن يتكيف مع هذه التحولات دون أن يفقد جوهره. يعكس هذا الهم السعي نحو الحفاظ على الهوية الثقافية، ويبرز أهمية التجديد في الأساليب المسرحية بينما تبقى القضايا الإنسانية في صميم العمل الفني.

يؤكد زين الدين أن المسرح يجب أن يكون أكثر من مجرد فن؛ يجب أن يكون أداة للتغيير. رسالته ترتكز على ضرورة المحافظة على المسرح كفن حي، حيث التفاعل بين الممثل والجمهور يخلق تجربة فريدة لا يمكن تعويضها. يتطلع إلى إعادة النبض إلى المسرح بعد جائحة كورونا، محذرًا من أن السماح لأشكال الفن السطحية بالسيطرة سيؤدي إلى تآكل القيم الفنية.

في ختام هذه الرؤية، نجد أن هشام زين الدين لا يسعى فقط للحفاظ على المسرح، بل يريد أن يعيد له مكانته كوسيلة للتغيير الاجتماعي والثقافي. من خلال رؤيته، يدعو إلى ضرورة الالتزام بالفن الحي، ويؤكد أن التحديات الحالية تتطلب ابتكارًا في تقديم المسرح دون التفريط في جوهره. إن دعوته ليست فقط للفنانين، بل للجمهور أيضًا، ليكونوا جزءًا من هذا الحوار الحي الذي يتجاوز حدود الفضاءات المسرحية ليصل إلى عمق التجربة الإنسانية.

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD-%D9%87%D9%88-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%A8%D9%82-%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%A9/

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com