لغة العصر والإثارة الحركـية للميلودراما المسرحية

ضحى عبدالرؤوف المل

يتميز السرد الميلودرامي بالواقعية التمثيلية التي يمارسها الفرد في سبيل إظهار حالة اجتماعية أو فنية أو سياسية، ما يعكس قيمة معالجة النص الميلودرامي على المسرح من خلال الممثل والأداء، وما تفرضه الإثارة الحركية على ممثل يلعب عدة أدوار في آن واحد. إذ يرتكز السرد الميلودرامي على المعاناة وحلولها للتعبير عن موقف، وهو ما يثير قضايا الصراع بين الأفراد ضمن الشخصية الواحدة التي تحاول حل التناقضات برؤية ذات تحديات مبنية على قصص حقيقية تسلط الضوء على المشاكل الأسرية أو الاجتماعية أو الآفات الحياتية التي تصيب الناس في كافة المجتمعات، من الحدث غير المتوقع إلى الحلول وتأثيراتها على نهاية السرد، وغالباً ما تحمل كل شخصية قصة مختلفة غير متوقعة تبعاً للمتخيل الموضوعي أو الذاتي الذي تنتمي له، دون إثارة مسألة إلغاء كثرة الممثلين. إذ تقوم الميلودراما على مبدأ التكييف الميلودرامي لحل الصراعات القائمة على الموضوع الذي تتم معالجته كوميدياً أو تراجيدياً. وبدقة ميلودرامية تتنوع فيها المسائل الاجتماعية التي تتم معالجتها مثل مسرحية (الاقي فين زيك يا علي) و(عودة الست لميا) و(نساء بلا ملامح) و(مجدّرة حمرا) التي تروي قصص بعض النساء عن الزواج والطلاق والأولاد والغربة، بمفارقات بين عدة مواقف اتخذتها النسوة في شخصية واحدة تقمصتها (أنجو ريحان). والمسرحيات الأربع شكلت نظرة نسوية مختلفة وأكثر جذباً للمشاهد لما تحمله من أهداف نبيلة تخص المرأة، لكنها تعالج أزمات مجتمعية نابعة من كينونة إنسانية بمجملها مثل (عودة الست لميا) التي تعالج قضية المرأة بعد عمر الخمسين، حيث مرور الزمن سريعاً، وهي في انتظار أولادها، وبروح كوميدية على مسرح ميلودرامي بلغة العصر الناتجة عن سر لعبة الكاتب ومروره بحياة المرأة التي تمضي عمرها للاهتمام بأولادها، ومن ثم تشعر بالفراغ بعد نضوجهم ورحيلهم عن بيت العائلة. فالروح الميلودرامية في النص حملت نسبة عالية من وجوه البلاغة الفنية. فهل الإثارة الحركية للميلودراما المسرحية تحتاج للغة العصر؟ أم أن المسرح هو الخطاب الأدبي الأهم، من حيث الحركة وقدرته على حسم المواقف لإبراز نتائجها للمشاهد على الخشبة المسرحية؟

في الإثارة الميلودرامية الحركية تتحقق ميزة الممثل الواحد وقدرته على إنتاج الفعل الحركي المجسد للدوافع ودلالات الحدث أو الفعل المترجم للمعنى الميلودرامي دون مبالغة أو تضخيم أو إسفاف، ليدرك المشاهد قيمة المسرح الذي يبحر به نحو ناصية الأدب والفن من خلال الفن المسرحي وجماليته وعذوبته وقدرته على ترتيب الإيقاعات التمثيلية الناتجة عن حركة الممثل الواحد، كما في مسرحية (مجدرة حمرا) والممثلة (أنجو ريحان) التي أتقنت التنقل بين الشخصيات، بل حتى الالتحام معها أو الانصهار الميلودرامي موضوعياً من حيث محاكاة الجمهور، بنعومة محبوكة سيطرت عليها فعلياً مع ركوب الجمل، ومحادثة الشخصية الأخرى المتمثلة بزوجها (خضر) ضمن الحوار الشعبي الغني بالمفردة المحلية، واستثنائية المرأة الأم والحبيبة والزوجة، فالمسرحية واقع شعبي اجتماعي ذو بُعد عاطفي لا يخلو من كوميديا سوداء، أو المضحك المبكي، (ومجدرة حمراء: هي طبخة تراثية شعبية). وإذا أخذنا شخصية المرأة في هذه المسرحية نجد أنها قابعة في ثلاثية تحولت إلى موضوع عام، وهو العنف ضد المرأة، وإظهار المشاعر المخفية ميلودرامياً من خلال التقمص المتحرر من نزعة الأدوار المنفردة، وبهذا المعنى فإن الضحية هي المرأة مع الحفاظ على إثارة الخيال للتصالح مع شخصيات تبارز نفسها، لندرك مدى صعوبة الوضع الاجتماعي الذي تعيشه المرأة بضيق نفسي يجعلها تميل إلى الشر ونوازعه في النفس الإنسانية عامة. فهل الميلودراما هي الحكاية المكتظة بالحركة والعواطف والتشويق؟ أم هي الاندماج الكلي مع الحدث الذي يثير الاندهاش ويؤدي إلى التحليل، وفهم الناتج أو بالأحرى النتيجة الحزينة أو السعيدة.

حركة درامية هي عنوان ميلودرامي ممزوج بعدة أشكال فنية أخرى من موسيقى ومؤثرات إلى الصدى الفعلي للنص الخارج من الورق إلى الخشبة الحسية والبصرية التي تمثل الانتصار الميلودرامي للقصة وأبطالها وممثلها وكاتبها منذ (بيتر بروكس) و(بالزاك) و(هنري جيمس) والخيال الدرامي المساهم في بلورة وفهم القرون السابقة، وكيفية تعاملها مع الواقع بمراحله، بعيداً عن الغوص في مسألة قوانين هذا المسرح الصارمة، والتي تحتاج إلى مهارة قوية في الأداء والكتابة والإخراج، لاستخراج الثقافات جميعها من الشعبية إلى الأرستقراطية، والسياسية وغيرها. فالصور الذهنية التي تنبثق عن الشخصيات في شخصية واحدة هي (الفانتازم) الحقيقي للفلسفة المسرحية التي يتولد منها الخيال وأهميته في إيجاد الأرض الصلبة لواقعية ما يتم طرحه، وهذا ما نجح به (بيتر بروكس) في التوحد مع كل حركة درامية أو كوميدية قادرة على إيجاد الموضوع المسرحي الموحي بالأفكار الرئيسة التي يعالجها الكاتب ببصيرة المشاهد، وهذا ما استطاع كتاب القرن الثامن عشر والتاسع عشر فعله، ويبقى عصرنا الحالي ومعضلة الحداثة والتغيرات، واحتياجات المسرح الحديث أو القدرة على تلبية التطلعات بالتحرر من الكلاسيكية، والعبور نحو حركة واسعة تعتمد في أسسها على أخلاقيات الميلودراما النابعة من القيم الإنسانية الضرورية المزروعة رومانسياً، وبعبارة أخرى ترجمة المشاعر القوية ميلودرامياً، لتكون متحررة من الطبقات الاجتماعية المختلفة، لتنحصر غالباً بالطبقة الوسطى والأكثر شعبية مسرحياً.

لا يمكن استبدال هذا النوع المسرحي الذي يضفي على الخيال نوعاً من الواقعية المعاكسة، بمعنى الارتداد العكسي للواقع على خشبة المسرح فيما يسمى الميلودراما أو صلة الوصل بين الخيال والدراما الخفية التي تبدو في ظاهرها مأساوية أو كوميدية وهي تحمل من الكوميديا السوداء ما يجعلها قادرة على فرض نفسها على المشاهد بعيداً عن الأنواع التقليدية في القرن الثامن والتاسع عشر بالاعتماد على الشخصية الواحدة القادرة على التعبير بشكل كامل للتغلب على الحدود المفروضة على المسرح الكلاسيكي. وهذا يمنح المسرح الميلودرامي شكلاً من أشكال الحياة المتخيلة بعفوية يقوم بها الممثل الممسك بمواصفات الشخوص كاملة. فهل المسرح الميلودرامي اليوم يهتم بالحياة اليومية للطبقة الوسطى أو الشعبية؟ أم أن حكمة الرؤية الميلودرامية تختبئ خلف معنى هذه الكلمة التي انطلقت مع تحرير المسارح في باريس لصالح المسرح الشعبي؟

تكتسب ثقافة المسرح الميلودرامي صفات فنية مرتبطة بالسرد والأساليب المسرحية ذات التفاعل الدرامي بين المشاهد والمسرح من خلال المحاكاة المأساوية أو الكوميدية، وبما يتماشى مع دورة النص المكتوب الذي يطرح إشكالية حياتية يعالجها بطريقة الأداء المسرحي المبني على وتيرة خطوات الممثل الواحد الذي يعتمد على قدراته في المضي قدماً نحو كل شخصية يقدمها بأسلوبه الخاص الذي يجمع من خلاله عدة خيوط درامية هي السبب والمسبب والنتيجة، كما في مسرحية (الاقي فين زيك يا علي) أو (مسرحية مجدرة حمرا) حيث تتحرر الشخصيات في نهاية المطاف من أوجاعها، والتوجه بها نحو المنطقة الخيالية التي استقرت في نفس المشاهد منتقلة من خشبة المسرح إلى الصورة الذهنية المتخيلة لتقويض القواعد الدرامية الكلاسيكية، والخروج نحو الميلودراما في رسم الشخصيات ببساطة تجعل المشاهد يضحك ويبكي ويلتقط الدلالات والمغزى، ويعيد ترتيب الشخصيات افتراضياً بما يتناسب مع مخيلته الخاصة. أي استحضار الفعل الدرامي وربطه بالممثل. أي منحه الهوية السردية في مسرح فتح له فضاءات الخيال الميلودرامي.

رغم كل القرون التي مضت على المسرح الميلودرامي وأزماته المتكررة إلا أنه ما زال يعتمد في أسسه على تاريخ المسرح القديم، والطموحات الفردية القائمة على الابتكار، وتقديم ما هو أفضل أدبياً وفنياً للذات بموضوعية المسرح وتقنياته إلى ما لا نهاية، وإن أخذ المسرح على محمل الجد قضية الميلودراما التي حولها إلى نشاط فني ثقافي يمثل المعيار الدرامي فيه وظائف السرد الأدبي الأخرى الذي يخضع لرؤية الكاتب خاصة ولقدرته على إبراز الإصلاحات الاجتماعية أو الحياتية دون تعقيد في الشخصية الواحدة وهوياتها المتعددة، ودون شذوذ أو إسفاف أو اختراق للأخلاقيات أو إظهار كليشهات خاصة من شأنها تخريب القيم التي يهدف لها المسرح الميلودرامي. فكيف يمكن تفسير قضايا المسرح الميلودرامي التقليدي الذي يحتاج إلى تطور وتحديث في تطلعاته نحو التقنيات الحديثة المختلفة التي يحتاجها في هذا العصر ليخرج من رتابة باريسيته التي انطلق منها؟

https://www.arabicmagazine.net/arabic/articleDetails.aspx?Id=6839

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com