الرد المجتمعي على التفكك والبعثرة

قراءة في كتاب التفكك والانطواء للدكتور ملحم شاوول

تتضاعف الذاكرة أثناء قراءة كتاب الدكتور ملحم شاوول تحت عنوان "التفكك والانطواء" الصادر عن "مؤسسة شرق الكتاب"، من خلال الناقلات الفكرية التي يبثها الدكتور شاوول عبر العديد من المقاربات، أو الرد المجتمعي المتمثل في "تفاقم حالة الانطواء على الذات الاجتماعية". فالعناصر المكونة التي يشرحها لا تنفصل عن بعضها البعض إلا ضمن الأوليات التي تندرج مع مفهوم العولمة، وبالتالي فإن الإرادة المشتركة التي وضعها بين هلالين هي فقط لتبيان العناصر الأكثر عرضة للتفكك. فما هي الحالات التفككية؟ وما هي أصولها؟ في حين أن ما وصفه بالمنقلب يحمل الكثير من المخاطر التي شرحها، يبقى السؤال المهم في هذه المنقلبات كلها: ما هو الرد المجتمعي على التفكك والبعثرة؟ وهل تفاقم حالة الانطواء اجتماعيًا وسياسيًا هو الذي أدى حاليًا إلى الثورات العربية؟

ما بين التحجيم والتحديد في القسم الأول من الكتاب، هناك مسألة انطلاق العولمة بطابعها المالي والاقتصادي، والتكنولوجي، إضافة إلى مسألة الانتخابات الإسرائيلية وتفصيلها، للمس العوامل والنتائج المحتملة على مسار محادثات السلام، وبجدلية المطالب الفلسطينية وكل ما يتعلق بالعوامل الضاغطة، وبالإدراك من ناحية "عدم افتعال العراقيل لإحراز تقدم واضح". ولكن يشعر القارئ أن مخاطر التفكك ستصيبنا بالانفصالية عن عالم تزداد فيه التقنيات والتطورات سرعة لن نبلغها ما دامت مسألة التهديدات الإسرائيلية قائمة من حيث ورقة الضغط أو ما أسماه الدكتور شاوول "بالممارسة العملية"، خاصة وأن مسألة الدول العربية بالنسبة لإسرائيل هي قضية حاسمة. فالآفة الكبرى هي ما يحدث في كل دولة. فهل سنواجه الكثير من الصعوبات فيما يتعلق بالتغييرات المحتملة الناتجة عن التفكك والانطواء؟ وهل نعش العالم القديم هو دليل ولادة العالم الجديد؟ وهل نحن نحمل الكثير من الخيبات خاصة آلية السلام في المنطقة؟

يسلط الدكتور شاوول الضوء في مقالاته أو كتابه على مسألة مهمة، وهي مخاطر التفكك والانطواء أو الانفصالية، وهي لعبة تصيب الدول العربية بالعقم. من فلسطين، الصور المنكسرة تقودنا إلى ما معنى العزل؛ "عاد الفلسطينيون في لبنان ليصبحوا في مخيمات لاجئين"، عزلاً، وأشدد هنا على عزلاً لنماذج وضعها الدكتور شاوول لتقريب وجهات النظر في مقالاته، من المحمية في جنوب العراق إلى مشروع تغيير النظام بالتقسيط. فالمسألة العراقية أكثر أهمية من حيث فك عزلته وقواعد اللعبة، ولا يقل أهمية عنها مرحلة اختبار القوى. أما ما تبقى فيتركنا في تساؤلات لا تنتهي منها: هل تستغل مسألة الطائفية لتجزئة المجتمعات العربية واستغلالها لمصلحة الدول الكبرى؟ أم أن التفكك والانطواء هو نتيجة تراكمات للخلافات والصراعات القديمة في جميع أنحاء العالم العربي؟ وهل يطالب الدكتور شاوول من خلال كتابه بتعزيز الدولة القومية؟

المجتمع اللبناني على مشارف نهاية الألفية في القسم الثاني من الكتاب وتحولات الاجتماع اللبناني التي تحمل في طياتها، أو بالأحرى في استبطانها، لمسألة الحليف والطموح التاريخي من مئة عام من الحداثة، والتطور في لبنان إلى الأزمة اللبنانية في بعدها الاجتماعي. مما يؤدي إلى تكوين اختبارات لنماذج خاصة من العائلات من منظور الصدمة للكثير من الأحداث التي نشأت من تأثير العلاقات المعقدة بين الأبعاد الطبقية والذهنية الشمولية المتعددة دينيًا وسياسيًا، من خلال عدة جوانب منها السياسي والأنظمة والاضطرابات الناجمة عن الثورات. لكن يبقى السؤال الأهم بعد تسليط الضوء على نشوء الحالات التفككية في الشرق الأوسط: هل من تكوين جديد للهوية المجتمعية في الدول العربية مستقبلاً؟

برؤية اخرى في عالم يتسم بتغيرات سريعة ومعقدة، يأتي كتاب الدكتور ملحم شاوول "التفكك والانطواء" كمرآة تعكس التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية. بأسلوب سردي يجمع بين التحليل الموضوعي والانطباع الشخصي، يطرح شاوول رؤى عميقة حول الديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي تعصف بالمنطقة.

تبدأ الحكاية من مفهوم العولمة، الذي يعبر عن اتصال العالم بشكل لم يسبق له مثيل، ولكنه في الوقت ذاته يثير مشاعر الانفصال والعزلة داخل المجتمعات. يوضح شاوول كيف أن التقدم التكنولوجي والاقتصادي لم ينجح في توحيد الهويات، بل أدى إلى تفكيكها. إذ نجد أن المجتمعات التي كانت تعتمد على الروابط الاجتماعية التقليدية، تواجه الآن خطر الانفصالية الناتجة عن تآكل هذه الروابط.

هذا التفكك لا يحدث في الفراغ، بل هو نتيجة لتراكمات تاريخية وصراعات عميقة. يستعرض شاوول من خلال تحليلاته كيف أن الخلافات الطائفية والسياسية القديمة لا تزال تؤثر بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي، مما يزيد من حدة الانقسام. من فلسطين إلى لبنان، تمر المجتمعات بتجارب مؤلمة تعيد تشكيل هوياتها، وغالبًا ما تكون هذه التجارب مفعمة بالحنين إلى الماضي، بينما تتخبط في حاضر مليء بالتحديات.

تشير رؤية شاوول إلى أن هذه الحالة من الانطواء ليست مجرد رد فعل على التحديات الخارجية، بل هي أيضًا نتيجة للاختلالات الداخلية. يطرح سؤالاً محوريًا: هل يمكن أن تكون هناك استجابة مجتمعية فعالة للتصدي لهذه الظواهر؟ الإجابة تتطلب إعادة التفكير في مفهوم الهوية، واستكشاف طرق جديدة لتعزيز الوحدة الوطنية.

عبر تحليله للوضع اللبناني، يستعرض شاوول كيف أن النخب السياسية، بتعزيزها للطائفية، تساهم في تفكيك المجتمع بدلاً من توحيده. هنا، يتداخل الطموح السياسي مع المصالح الشخصية، مما يؤدي إلى المزيد من التباعد والانقسام. في هذا السياق، يشدد شاوول على أهمية بناء الدولة القومية التي تعزز من قيم المواطنة والمشاركة الفعالة.

ختامًا، يجسد كتاب ملحم شاوول ليس فقط دراسة أكاديمية، بل دعوة ملحة لإعادة تقييم العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية. إن رؤاه تثير تساؤلات عميقة حول المستقبل، وتحث على التفكير في كيفية تحقيق الاستقرار والوحدة في عالم مضطرب. بالتالي، يمثل "التفكك والانطواء" دعوة للوعي المجتمعي وللعمل الجماعي في مواجهة التحديات المعقدة، من أجل بناء مستقبل أفضل.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%AB%D8%B1%D8%A9/