خوف الناس الفعلي

في كتاب "العنصرية كما أشرحها لابنتي"

ضحى عبد الرؤوف المل

يثري المؤلف "الطاهر بن جلون" كتابه الصادر عن "دار الساقي" تحت عنوان "العنصرية كما أشرحها لابنتي" بالتجارب المتعلقة بالعقدين الأخيرين، وبدقة متوخاة لفهم العنصرية المخصصة بالشرح للأطفال، ولا لحشرهم وفضوليتهم في معرفة ماهية العنصرية التي يجب أن يبدأ شرحها للأطفال الذين لم تلوثهم الأفكار العنصرية، دون أي تحيز، وبيقين إنساني يميل إلى التقاط الرؤى المتعددة للعرق البشري "الكثير من التنوع والتباين في تكوينه". غالبًا ما يكون العنصري ميالًا إلى الهروب من مشاكله أو من مخاوفه النفسية التي تجعله يشعر باستمرار أنه غير آمن، لأنه ضعيف اليقظة، وتصاحبه اللطخة العنصرية، خاصة إن قامت تجاربه الحياتية على الانتهاكات التي شوهت له الرؤية المجتمعية. فالعنصرية ليست موضة أو تقلبًا مناخيًا أو حمى عابرة، بل هي جزء من كيان الإنسان، ولذلك يجب أن نعرف كيف تتولد؟ وكيف تتمظهر؟ وكيف نكافح أضرارها؟ الحاجة ملحة جدًا لمحو العنصرية لتثقيف الأطفال ونقل الخبرات الصافية من التشويه الإنساني إليهم ليكونوا في مأمن من أضرارها، كما يجب عليهم فهم العنصرية القائمة على احترام الآخرين، وعلى قبول التنوع والمتغيرات، وأن الاختلافات في العالم هي الثروة الحقيقية القائمة على التفاعل.

لهذا يحاول بن جلون وضع نظرية قائمة على صد كل وسوسات العقل العنصري، والتغلب على ردات الفعل السطحية. لأن العنصري يستغل خوف الناس الفعلي، بل وأحيانًا الرعب، كما في الكثير من البلدان التي اقتتل فيها الناس مع بعضهم لأسباب عنصرية تسببت بالكثير من المجازر. فالعنصري شخص يعاني عقدة نقص أو عقدة تفوق، والأمر سيان كون مسلكه في كلتا الحالتين سيقوم على الكراهية.

فهل هذه المغامرة الاستكشافية موجهة لابنته فقط؟ أم هي للأطفال ولكل البالغين الذين يضعون العنصر على الدرجة الأولى من اهتماماتهم؟ العنصرية لم تتغير من العصور القديمة حتى الآن إلا ببعض التفاصيل التي أظهرها بوضوح في شروحاته المبنية على موضوعية الفعل العنصري المجتمعي وعلى ذاتية الشخص المصاب بالعنصرية. تغيرات الإنسان الذي كان أشبه بالحيوان في العصور القديمة كان خوفه مبنيًا على التعدي عليه أو التعدي على حدود منطقته، ولكن "لا يولد الإنسان عنصريًا، بل يتحول إليها".

ما تعلمه الإنسان عبر المراحل الزمنية ليس كافيًا لمحو معنى العنصرية التي تشترك فيه كل المجتمعات من الأذهان. فالعنصرية ليست فطرة نولد عليها، إنما هي عقدة نقص أو عقدة تفوق، والأمر سيان كون مسلكه في كلتا الحالتين سيقوم على الكراهية. فهل مفهوم العنصرية المعقد يمكن مكافحته، والإنسان ما زال يخاف التغييرات والتحولات واللجوء؟ أم أن شرح العنصرية هو الأجوبة عن تساؤلات عميقة، منها: من هو العنصري وما الفرق بين كره الأجانب والعنصرية؟

الكتاب موجه إلى الأولاد والنتائج غامضة، لأنها لن تظهر إلا بعد ظهور الجيل الذي ما زال حتى الآن يبحث عن معنى العنصرية البعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية. فهل الغنى في التنوع الإنساني وكل الكتب المقدسة ضد العنصرية، أم إن التمييز الإيجابي هو إرساء سياسة تربوية على العيش المشترك؟ في النهاية، تبقى تساؤلات ابنته تمتد مع تساؤلات القارئ بمسارين توأمين، وفي كل جواب تكمن دوافع التساؤلات الأخرى وصولًا إلى الإرهاب.

ما بين التعصب والتشدد والعنصرية نشعر بالفوارق التي تؤدي إلى الجحيم في مسرحية جان بول سارتر. لنستعيد بعض التفاصيل العنصرية من الزمن القديم وأفعاله، وحروبه، وديمومة الصراعات فيه التي استمرت حتى زماننا هذا، إنما ضمن القوالب المحنطة بمفاهيم الزمن الماضي الانعكاسية، خاصة الخوف من الآخر. كما أنه ما من بلد يمكنه الادعاء أنه خال من العنصرية. إلا أن المتغيرات بالعنصرية ضئيلة، لكنها ليست مستحيلة في المستقبل، وهذا ما يهدف إليه الكتاب من خلال التساؤلات، والأهم من ذلك كله في الخلاصة التي تضعنا أمام الحقائق القائمة على مكافحة العنصرية. فهل حقًا نحن نتميز باحترام أي إنسان نمنحه الحق في الحياة الآمنة والمستقرة؟

برؤية تحديثية اخرى في كتابه "العنصرية كما أشرحها لابنتي"، يقدم الروائي الطاهر بن جلون رؤية عميقة للعقدة العنصرية التي لا تزال تعاني منها المجتمعات المعاصرة. يأتي هذا العمل كصرخة وعي للجيل الجديد، محاولًا تجسيد العنصرية كظاهرة اجتماعية معقدة، تتجاوز مجرد التحيزات الفردية إلى كونها قضية بنيوية تؤثر على النسيج المجتمعي.

يسعى بن جلون من خلال أسلوبه السردي الموجه للأطفال إلى غرس قيم الاحترام والتقبل في نفوسهم. يستخدم لغة بسيطة وملهمة لشرح مفهوم العنصرية، مما يعكس رؤية تربوية تهدف إلى تفكيك الأفكار المسبقة قبل أن تتأصل في الأذهان. يتوجه بن جلون إلى أولياء الأمور والمعلمين، مؤكدًا على ضرورة بدء الحوار حول هذا الموضوع الحساس منذ الصغر، لتجنب تكرار الأخطاء التي وقعت فيها الأجيال السابقة.

إن إضاءة جوانب التعددية والاختلاف في مجتمعاتنا ليست مجرد سرد تاريخي للعنصرية، بل دعوة للتفكير النقدي. الكتاب يشدد على أهمية فهم الاختلافات كثراء ثقافي، مما يساهم في بناء مجتمع متماسك يقوم على الحوار والتفاهم.

يحمل الكتاب رسالة قوية ضد التمييز ويدعو إلى مكافحة العنصرية كمطلب أساسي للعدالة الاجتماعية. بن جلون يسجل من خلال روايته قلقه من الظواهر العنصرية المتزايدة في العالم، مُبرزًا كيف يمكن أن تكون هذه الظواهر مدمرة للمجتمعات. يقف الكاتب في وجه الفئات التي تستغل مخاوف الناس، معبرًا عن أمله في أن يؤدي الوعي إلى تغيير فعلي.

تتداخل التحليلات الاجتماعية والسياسية في سرد بن جلون، إذ يطرح تساؤلات مهمة حول دور الحكومات والمجتمعات في محاربة العنصرية. يبرز الكتاب الحاجة إلى سياسات تعليمية شاملة ومناهضة للتمييز، تؤكد على التنوع كقيمة أساسية.

من خلال قراءة الكتاب، يمكن الشعور بقوة الرسالة التي يحملها بن جلون. تكمن جاذبية العمل في قدرته على الجمع بين السرد العاطفي والتحليل العقلاني. ينقل القارئ من خلال تجارب شخصية معقدة، إلى رؤية شاملة حول كيفية تأثير العنصرية على الأفراد والمجتمعات.

كما يترك الكتاب أثرًا عميقًا على القارئ، حيث يدفعه للتفكير في مواقفه الخاصة تجاه الآخر. يحمل كل فصل من فصوله دعوة للتأمل والمراجعة الذاتية، مما يجعله ليس مجرد كتاب تعليمي، بل تجربة إنسانية متكاملة.

في النهاية، يعتبر كتاب "العنصرية كما أشرحها لابنتي" عملًا أدبيًا متنوعًا يقدم رؤية شاملة وعميقة لمشكلة العنصرية. من خلال أسلوبه السردي الجذاب والموضوعي، يسعى بن جلون إلى تحفيز الحوار وتغيير المفاهيم، مما يجعله نصًا حيويًا في مجتمعاتنا اليوم. إن القدرة على توجيه هذه الرسالة للأجيال الجديدة هي ما يجعل من هذا الكتاب ليس مجرد قراءة، بل أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي.

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D8%B4%D8%B1%D8%AD%D9%87%D8%A7-%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%86%D8%AA%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D8%A8%D9%86-%D8%AC%D9%84%D9%88%D9%86-%D8%AE%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86-%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B9%D9%84%D9%8A/

dohamol@hotmail.com