الأفلام القديمة هي متحف تراثي يشعرنا براحة الزمن

ضحى عبد الرؤوف المل

تخطى فيلم "سيبوني أغني" للمخرج حسين فوزي الزمن، ولا أعرف لماذا شعرت أنه جزء من نافذة إلى الماضي بشخصيات أبطاله، ومنهم الشحرورة صباح والراحلة ماجدة، التي أثارني خبر موتها وأعادني إلى الذاكرة السينمائية في الماضي حيث انطلقت في صباها، بعيدًا عن عيوب تقنيات السينما في الخمسينات. فالتعبير عن العوالم الفنية القديمة والسينما الكلاسيكية هو أمر يستحق المناقشة، وكأن هذه الأفلام القديمة هي متحف تراثي يشعرنا براحة الزمن التي نشأت فيه، رغم صعوبة الانطلاقة الفنية للمرأة يومذاك. إلا أن المرأة حافظت فيه على صورة مشرقة ومتحررة من الضوابط التي نشهدها اليوم.

فمن هو زائر هذه المتاحف القديمة للسينما العربية في الخمسينات؟ وهل أغاني الشحرورة صباح التي لحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب هي نكهة لبنانية احتفظت بربيع لبنان على خشبة من أرز عابق بصوت شحرورة احتفظت بعمرها وأناقتها وإطلالتها من خلال أفلامها وإرثها السينمائي، إلى جانب الفنانة ماجدة التي قامت بدور "هند" وهي بنت تعشق الفلسفة والشعر والقراءة وعالم الكتب، وترفض عوالم الموسيقى والأغاني والرقص، مما يعكس وجه الزمن الرافض للغناء والموسيقى. وإنما من خلال فكرة بسيطة عالجها الفيلم بتشويق يحمل معه حب أهل مصر للبنان، ومجد كازينو لبنان وقدرة اللهجة اللبنانية على اختراق قلوب محبيها من خلال "مربي توتة" وأسلوبه الكوميدي الذي لا يخلو من تلميحات سلوكية فنية تربوية بجمالية المتبصّر أو القادر على فتح الاحتفاظ بفترة الخمسينات التي ظهر فيها الفيلم في سينمات مصر. فهل يمكن اعتبار فيلم "سيبوني أغني" إطلالة على عام 1950 وما يحتويه من مميزات اجتماعية ومكانية؟ أم هو متحف بصري فني احتفظ بالعديد من الصور التي تعيدنا إلى الماضي وتجعلنا نشعر أننا عدنا صغارًا في زمن الكبار وأمجادهم التي أثبتت أفلامهم أنها لم تكن سينما الوقت الضائع بل بقي الزمن إيجابيًا، خاصة من حيث المدن اللبنانية كزحلة التي بدأ منها المشهد الأول في المقهى اللبناني؟

تغيرت القيم وتغيرت معها المفاهيم، فالتسامح بتعليم الموسيقى أصبح مقبولًا اليوم والعكس صحيح، وإذا وضعنا قضية المرأة والفن تحت عين الزمن سنجد أنها استطاعت أن تحتفظ بمكانة كبيرة سينمائيًا، خاصة بأدوارها الممزوجة بقوة شخصيتها، وتجعلنا ندرك أن ما قامت به الفنانة ماجدة في دورها هو دور قوي في الماضي، وهو التخلي عن فكرة الانقياد الفني من أجل منح حرية الاختيار للفرد في تحقيق ما يصبو إليه من الحياة، دراسيًا أو أدبيًا أو فنيًا. فالشعر والأدب والفن من عناصر الجمال التي تجعلنا نتأمل الفضاءات الساحرة الخاصة به بنفس تتشوق إلى خوض رحلة جديدة مع كل فيلم نعود منها بفهم لزمن احتفظ بضوء الماضي الذي كنا نظن أنه شديد التعقيد، بينما هو قائم على المتناقضات الزمنية التي انطلق منها الجيل السينمائي الكلاسيكي في ذاك الزمن، أي الخمسينات، والآمال القديمة التي كانت مسعى الأفراد في ذلك العصر.

استطاعت السينما المصرية في ذلك الزمن دق الأوتاد الفنية على أرض صلبة ما من تراخي فيها، وإن بدت بعض الأفلام هزيلة تقنيًا قياسًا لتقنيات السينما اليوم. إلا أنك دائمًا تخرج منها بفكرة اجتماعية أو إنسانية كما في فيلم "سيبوني أغني" القائمة على فكرة أن "عنتر بك" يعيش في لبنان مع ابنته "توته" (الشحرورة صباح) التي تهوى الموسيقى والغناء، وصديقتها "هند" (الفنانة ماجدة) التي تهوى الأدب والفلسفة. تسافران إلى مصر لاستكمال دراستهما، وهناك تستبدل كل منهما شخصية الأخرى لتدرس ماجدة الفلسفة والأدب وتستكمل توتة دراستها بالموسيقى والأغاني. ونشعر هنا بفروقات وصرامة المعهد الموسيقي المتشدد في حرصه على البنات، ومن ثم يقابلان الثري "حسني" وصديقه "بندق". يشاهد "عنتر بك" ابنته مصادفةً في استعراض، فتتفق مع "هند" على أن تنتحل كل منهما صفة الأخرى في المعهد الذي تدرس به، مما يؤدي إلى حدوث المشاكل والمتاعب والعديد من المواقف الطريفة لكل منهما. فيفاجأ "عنتر بك" بأن ابنته "توته" تعلمت الموسيقى والغناء، واكتشف "عبد الستار" والد "هند" أن ابنته قد تعلمت الأدب والفلسفة، وثار الجميع، واكتشف "حسني" و"بندق" تغير أسماء الفتاتين وتتوالى الأحداث. وهنا سيطرت الفكرة على بقية أسباب الفيلم وأغانيه التي امتدت مع مدة الفيلم وتطلعاته التي جعلتنا نتجول في لبنان من خلال أغاني صباح، وما مزجته من خلط بين رقي الفن وأهدافه ورقي الأدب والفلسفة واتجاهاتها، وبالحدود التي وضعها كاتب الفيلم. فهل رؤية الأفلام القديمة تجعلنا نفهم مسألة التطور الاجتماعي عبر الأزمنة واكتشاف أهم أسباب التراجع الاجتماعي وأزماته التي نعاني منها اليوم؟

برؤية أخرى تحديثية فيلم "سيبوني أغني" للمخرج حسين فوزي يمثل أحد أبرز المحطات في السينما المصرية خلال الخمسينات، ويعكس بمهارة الروح الفنية والاجتماعية لتلك الحقبة. الفيلم ليس مجرد عرض ترفيهي، بل هو تأمل في قضايا الهوية والثقافة، مدمجًا بين الغناء والموسيقى والفلسفة في سردٍ متقن.

شخصيات متناقضة ورمزية: تجسد الشخصيات الرئيسية، "توته" (الشحرورة صباح) و"هند" (ماجدة)، تناقضات المجتمع اللبناني والمصري في تلك الفترة. توته، التي تمثل روح الحماس والحب للفن، تصطدم بالعالم الأكاديمي الذي تمثله هند، التي ترفض الموسيقى وتبحث عن المعرفة. من خلال هذه الشخصيات، يسلط الفيلم الضوء على الصراع بين التقليد والحداثة، وكيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للتعبير والتحرر.

تأثير الموسيقى: الموسيقى في الفيلم ليست مجرد خلفية، بل هي عنصر محوري يدفع الأحداث إلى الأمام. أغاني الشحرورة صباح، المليئة بالعاطفة والحنين، تأخذ المشاهد في رحلة عبر الزمن، وتجعلنا نشعر بأننا نعيش لحظات من التاريخ. الموسيقى تعكس أيضًا المزيج الثقافي اللبناني، مما يجعل الفيلم وثيقة فنية تعبر عن روح تلك الحقبة.

النقد الاجتماعي: يتناول الفيلم أيضًا قضايا اجتماعية مثل مكانة المرأة في المجتمع، وكيف كانت النساء يحاولن تحقيق أحلامهن في ظل قيود ثقافية واجتماعية. من خلال رحلة الشخصيتين، يعكس الفيلم تطلعات النساء إلى الحرية والاستقلال، ويظهر كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتمرد على الأعراف.

جمالية السينما القديمة: من الناحية التقنية، يمكن اعتبار "سيبوني أغني" تجسيدًا للجمالية السينمائية الكلاسيكية. رغم محدودية الإمكانيات التقنية في ذلك الوقت، إلا أن الفيلم يتسم بتصويره الجذاب واحترافية الأداء. التلاعب بالكاميرا، واستخدام الألوان، والمشاهد الغنائية، كلها تساهم في خلق تجربة بصرية وسمعية غنية.

خاتمة: ببساطة، "سيبوني أغني" هو أكثر من مجرد فيلم قديم؛ إنه تأمل عميق في الهوية والثقافة، يجمع بين الفرح والحزن، التقليد والحداثة. يجسد الفيلم روح زمنه ويعكس التغيرات الاجتماعية التي كانت تحدث آنذاك، مما يجعله عملًا فنيًا يستحق المشاهدة والدراسة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%87%D9%8A-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB%D9%8A-%D9%8A%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86