القبر وحّد الطوائف في لبنان

ضحى عبدالرؤوف المل

استوقفتني هذه الجملة أثناء قراءتي رواية "مجمع الأسرار" للروائي "إلياس خوري"، والصادرة عن "دار الآداب" عام 2008. رغم أن الزمن مضى، إلا أن "إلياس خوري" لم يغفل عن الكثير من التفاصيل التي تستند إلى حقائق تتوافق الآراء معها، خاصة مع من عاشوا الحرب الأهلية اللبنانية وما قبلها. لأن تاريخ لبنان ما بعد الحرب الأهلية يثير الكثير من الجدليات، إذ لا يوجد كتاب تاريخ موحّد لتلك الفترة بما فيه الكفاية. وحدها الرواية اللبنانية وثّقت جرائم المليشيات والجماعات المسلحة، وبما يكفي لتترك المخيلة تغوص في ذاكرة روائية فاعلة على جميع الجهات دون إخفاء للماضي. لكن، تبعًا لرؤية الروائي ووفقًا للبناء السردي الذي يلعب فيه فن الخيال دورًا في التنشيط التاريخي، الذي يستمد من الحرب واقعًا حكائيًا غمره الروائي "إلياس خوري" بمعرفة الماضي، وبالتداخل وبالقوة الواقعية لما ذكره في الصفحات الأولى من رواية "مجمع الأسرار": "إن كنت رأيت ما ذكرت، فقد رأيت عجباً، وإن كنت ما رأيته، فقد وضعت أدباً"، وهو قول منسوب لهارون الرشيد.

وبهذا، فقد وضعنا في بداية رؤية تدهش القارئ، وتجعله يعود إلى الزمن الذي نحياه أكثر من مرة في حياة واحدة. هي حكاية مشحونة ببعد تاريخي جوهري، وبمعادلات التاريخ التي تسمح بتسميتها رواية الحرب من وجهة نظر روائية أو الفن المتخيل لواقع الحرب اللبنانية ومؤثراتها الإنسانية منذ عام 1948، وكيفية عيش البسطاء من الناس حتى عام 1976. بإيماءات مجازية، تضعنا أمام قساوة المتخيل الذي يستدعيه ماضي الشخصيات وحيرتهم من سلوك بعضهم البعض في الأزمات الحقيقية التي يتعرضون لها، الأموات قبل الأحياء. فهل المضحك المبكي في "مجمع الأسرار" هو معنى كلمة "سر" وتفسيرها تبعًا لقواميس اللغة، أم في دفن الجثة المنتفخة في مقابر الأجداد لطائفة أخرى؟

تجذر التاريخ في رواية "إلياس خوري" وتغلغل في حيوات الأشخاص والذاكرة التي ترتكز على الحكاية، التي تصبح أرض الانتماءات للتغلب على فن الخيال الروائي بالسرد الذي يستجيب لخصائص الواقع في فترة لا تزال تحمل بصمة سخرية قاتلة. هي سر إبراهيم نصار الذي عاش مع عمته التي لم يعرفها سوى كهلة. وبالتالي، تبقى الصورة العالقة في الأذهان منذ البداية إلى النهاية هي صورة إبراهيم نصار وحنا السلمان والمرأة المشتركة بينهما. إذ يكسر خوري المحظور ويضعه في خانة مجتمعية تنهار فيها الكثير من الأسس أثناء الحرب، بعيدًا عن الأسلوب التقليدي وعن الانجراف خلف المتخيل، دون إهمال واقع الحرب ومؤثراتها على الإنسان وعلى الجغرافيا أيضًا.

بهندسة سردية تمثل الذاكرة المفقودة من تاريخ لبنان المعاصر، وفق القيم والموروثات التي تلاشت، وبقيت بعض آثارها حتى الآن، من تناقضات في الموازين الحياتية التي شكلتها الحرب الأهلية نفسها قبل الإعمار. فهل من رؤية خاصة لنتائج كثيرة ظهرت في الرواية وفي الحياة معًا بعد عام 2008؟

ما إن يخرج الإنسان من حرب بطيئة حتى يدخل في حرب أخرى، والتخبط ينشأ من مراحل التوسع المتعثرة بالكثير من الركود الذي يعكس حقيقة الحروب وتأثيراتها الاجتماعية التي تتكرر من انهيارات للقيم الإنسانية المتعلقة بحقوق الإنسان. السجين منها أو اللقب الذي يتخذه الناس بديلاً للاسم الحقيقي، كما حدث مع بطل الرواية "حنا السلمان" وتغير اسمه إلى "حنا المالح" نتيجة تعرضه لانتهاك حقوقه أثناء التحقيق معه. فمحو الأسماء كما محو الأماكن ومحو الحقائق، "وتغيير الأسماء هو من أهم القضايا التي يطرحها الجنس البشري على نفسه." فعائلة السلمان هي فرع من عائلة البارودي التي هاجرت من شمال لبنان إلى بيروت.

وبهذا، يضعنا الروائي "إلياس خوري" أمام الكثير من العقبات الحياتية من الحرب والتغيرات بعد الحكم العثماني، وفقدان العملة الورقية لقيمتها بعد أن انتقلت من الليرة العثمانية الذهبية إلى ورق الكدش كما أسماه. كما أنه جمع بين الأدب العالمي وماركيز وبين الأدب اللبناني في مقاربات تركها للقارئ كي يشعر أن الحكايا في العالم تتشابه مع الحكاية اللبنانية، لأن الحرب هي الحرب في كل زمان ومكان.

بجمالية روائية عمد من خلالها خوري إلى تفكيك الأحداث ووضعها في ذاكرة استمدت موضوعها من رجلين وامرأة شاركت كل منهما حياتهما دون أن ينهي الحكاية نهاية مقفلة، بل بقيت الحكايا مفتوحة مثل قضية النساء في شارع المتنبي والتعذيب الذي وقع فيه "حنا المالح" بسببهن، وهو البريء، كما قضية التهريب في الملفوف. فهل جمع الأقوال التاريخية من الألسن ليضعها في حكاية تحت عنوان "مجمع الأسرار"؟ وهل الرواية هي وثيقة تاريخية يمكن الاعتماد على تفاصيلها بمصداقية حافظ عليها إبراهيم في الصندوق الذي أغلقه، ليقع في فراغ الحقيقة والشك الدائم بتاريخ العائلة كما الشك بالقصص غير المؤكدة؟ فهل يكفي ترتيب الأحداث المتجانسة وفق تناقض السرد؟ وهل فن الخيال هو نفسه الحقيقة؟

برؤية تحديثية اخرى رواية "مجمع الأسرار" للروائي اللبناني إلياس خوري عملًا أدبيًا متنوعًا، يجسد الصراع الداخلي والخارجي الذي عاشه لبنان خلال فترة الحرب الأهلية وما بعدها. يسعى خوري من خلال هذه الرواية إلى تناول قضايا إنسانية عميقة، تتجاوز الحدود التقليدية للسرد الروائي، لتطرح تساؤلات تتعلق بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية.

تنطلق الرواية من فكرة مركزية مفادها أن التاريخ ليس مجرد أحداث متتابعة، بل هو حكاية تروى، تعكس تجارب إنسانية مؤلمة ومعقدة. يتداخل الماضي مع الحاضر، مما يخلق شعورًا دائمًا بالحنين والضياع. من خلال شخصية حنا السلمان، يتجسد الإحساس بالفقدان والتحول، حيث يتحول بطل الرواية من شخص معروف إلى شخص مجهول الهوية، مما يعكس تأثير الحرب على الأفراد وعائلاتهم.

تتناول الرواية مفهوم الهوية من زوايا متعددة، حيث تُبرز التناقضات التي يعيشها اللبنانيون في سياق الحرب. يواجه الشخصيات صراعًا داخليًا يتعلق بإنتمائهم الديني والعرقي، مما يؤدي إلى تفكك العلاقات الإنسانية. يتم تصوير العلاقات بين الشخصيات كعلاقات متشابكة، تحمل في طياتها آثار الحرب التي لا تزال حاضرة، ما يجعل القارئ يتساءل عن حقيقة الهوية الفردية في زمن الانقسامات.

تسعى الرواية إلى توثيق الذاكرة الجماعية اللبنانية من خلال سرد قصص الشخوص وتجاربهم الشخصية. يعكس أسلوب السرد المتعدد الأصوات قدرة الروائي على نقل آراء متنوعة، مما يسهم في خلق صورة شاملة عن الواقع اللبناني. هذا التنوع في الأصوات يعزز من مصداقية الرواية، ويتيح للقارئ فرصة استكشاف جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية في ظل الصراع.

من خلال تجسيد المعاناة والتجارب المؤلمة، يسعى إلياس خوري إلى دفع القارئ للتفكير في القضايا الإنسانية الكبرى، مثل حقوق الإنسان، والتعذيب، وفقدان الهوية. من خلال شخصياته، يُبرز خوري كيف تؤثر الحروب على الأفراد، وكيف يمكن أن تؤدي الانقسامات الاجتماعية إلى تدمير الروابط الإنسانية الأساسية.

يعتمد خوري على أسلوب سردي يجمع بين الواقعية السحرية والأسلوب التقليدي، مما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية. يميز أسلوبه استخدامه للرموز والتفاصيل الدقيقة، حيث تُعتبر الأشياء الصغيرة جزءًا من السرد الكبير. هذا الاستخدام الذكي للتفاصيل يُسهم في تعزيز الرسالة الإنسانية للرواية.

تُعتبر "مجمع الأسرار" أكثر من مجرد رواية تسرد أحداث الحرب الأهلية اللبنانية؛ إنها عمل إنساني يتناول قضايا الهوية والذاكرة والصراع. يسعى إلياس خوري من خلال روايته إلى إعادة تشكيل الفهم الإنساني للتاريخ، مما يدعو القارئ للتفكير في تأثير الماضي على الحاضر والمستقبل. إن الهدف الروائي الإنساني الذي يسعى إليه خوري يتجاوز الحدود الجغرافية، ليصل إلى جوهر التجربة الإنسانية المشتركة التي تربط بين الشعوب في زمن الأزمات.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A5%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B3-%D8%AE%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%B1-%D9%88%D8%AD-%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86/